#صَلاةُ الكَوْنِ: سِرُّ الصِّلَةِ الأَزَلِيَّة#
الصلاةُ ليستْ همسةً للإنسِ وحدهُ،
هي فطرةُ الكونِ العتيقةُ،
نَبْضٌ ساري في عروقِ الأكوانِ قاطبةً.
لا وجودَ لكائنٍ* في هذا المدى الفسيحِ
إلا ولهُ وترٌ يرتجفُ،
صوتٌ خفيٌّ يصعدُ في هيكلِ الغيابِ.
أَوَما تَرَى النُّورَ (سورة النور)(41)، بُرْهاناً ساطعاً؟
تلكَ الطيورُ صَافَّاتٌ، جناحٌ يلوحُ لجناحٍ،
كُلٌّ قَدْ عَلِمَ"، يا لَعمقِ الكلمةِ الجازمةِ"،
قَدْ" التي تفيدُ الحتمَ، اليقينَ الذي لا يرتدُّ"،
عَلِمَ" التي تشقُّ الصدرَ عن بحرِ المَعرفةِ"،
ليستْ مجرَّدَ عِرفانٍ عابرٍ،
بل العلمُ الفطريُّ الجامعُ.
علمُ الصلاةِ، علمُ التسبيحِ،
اللَّهُ عَلِيمٌ... بما يفعلونَ.
أسرارُ التَّواصُلِ هي صِلةٌ، لا تنقطعُ،
جسرٌ من نورٍ مُقَامٌ بينَ الذاتِ والمحيطِ.
انظُرْ إلى الذرَّةِ، تلكَ الهمزةُ الكونيَّةُ،
بروتونٌ يعانقُ إلكتروناً في مداراتِ العشقِ،
لو انْفَطَرَتْ تلكَ الصِلةُ،
لَتَزَعْزَعَ عرشُ الوجودِ.
الصلاةُ تجري* في دمِ العلاقاتِ،
قمرٌ يُصَلِّي جاذبيةً للأرضِ،
شمسٌ تُسَبِّحُ ضياءً بلا انْقِطاعٍ.
نحلةٌ تُصَلِّي تلقيحاً، والنبتُ يُصَلِّي غِذاءً.
الطباقُ يتجسَّدُ: العَطَاءُ والأَخْذُ،
البقاءُ والفَنَاءُ، في سَجْدَةٍ كونيَّةٍ واحدةٍ.
إقامةُ الصَّلاةِ والتَّسبيحُ حتى الإنسانُ،
حينَ ضَلَّ الطريقَ، فِطرتُهُ تُنادي،
يتَّخذُ الأوثانَ قِبْلَةً،
لأنَّ فراغاً في روحهِ لا يملؤهُ إلا إلَهٌ.
هو ليسَ أمراً من الحجرِ،
بل حاجةٌ من الروحِ.
والأمرُ لنا ليسَ مجرَّدَ صَلاةٍ،
بل إقامةٌ: تَقْويمٌ للوترِ المائلِ،
إعادتُها إلى مسارِ القِيمِ،
إلى صِراطِ الضميرِ الأقومِ.
أنْ نُصَلِّيَ علاقتَنا معَ الطبيعةِ والمجتمعِ،
أنْ نُقيمَ الرحمةَ، ونُبطلَ الظلمَ.
أما التسبيحُ: فهو الحركيَّةُ السرمديَّةُ،
الدَّورانُ الذي لا يَتَوَقَّفُ.
لذلكَ قالَ: "فَسَبِّحْ"،
ولمْ يَقُلْ "أَقِمِ التَّسْبِيحَ".
لأنَّ الحركةَ بذاتِها أمرٌ قَدَرِيٌّ،
لكنَّ الإنسانَ يختارُ الثباتَ الفكريَّ،
الجمودَ الروحيَّ.
"فجاءَ الأمرُ: "سَبِّحْ! تَطَوَّرْ، تَحَرَّكْ، ابْنِ،
في الفكرِ، في الاجتماعِ، في كلِّ نَواحِي الحياةِ.
لأنَّ عِلْمَ اللَّهِ مُحيطٌ بكلِّ ما نَفْعَلُهُ ونُقَوِّمُهُ.
صَلاتُنا هي جِسْرُ قِيمٍ مَمْدُودٌ،
وتسبيحُنا هو دَفْعُ الحياةِ إلى الأمامِ.
#نور_الدين_بليغ#