فى تلك الأجواء الرمضانية البهية ..
فى شهر العبادة الشديد الخصوصية بين العبد وربه ..
يصبح للعبادة مذاق مختلف .. ورؤية متفردة ..
تتمثل فى فلسفة العبادة فى هذا الشهر الكريم ..
حيث لا نفاق .. لا غرور .. ولا إدعاء ..
وكما قال الله سبحانه وتعالى فى حديث قدسي فى استثناء مشهود للشهر الفضيل ..
" الا الصوم .. فانه لى وأنا أجزى به "
وعليه تفردت عبادة الصيام بالخصوصية التى لا يشارك العبد فيها قصد نفاق أو اختيال لحكمتها البالغه ..
كما تفرد الشهر الكريم ذاته
بكونه الميدان الذى يتنافس فيه المتنافسون .. ويتبارى فيه المخلصون
فهو شهر العبادة الذى تتألق فيه الفضائل المتروكه .. وتعف فيه النفس عن ترك الطاعه .. وتخف فيه الروح الى أساس الجماعه
فى صلاتها .. وقيامها .. وتسبيحها ..
توحدٌ مفقود بشدة للأسف
فما كان أحوجنا لاحياء تلك الفضائل المتروكه
ولما كان شهر العبادات آت بكل خير ورحمه ..
فلم لا نتفكر قليلا .. ونتدبر ..
التدبر .. والتأمل .. وكلمتى " سبحان الله "
بكل ما تحمله من طاعه وجزاء مغدق ..
ترى كم منا لجأ اليها ..
كم منا تذكر مقولتها .. وأحيا فضليتها
ولا شك أن العقل هو العمة الكبري التى ميز الله تعالى بها الانسان .. وهو أعز خلق الله على الله ..
به يجازى .. وبه يعاقب ..
ومن أفضل .. بل هى الأفضل دون شك .. من الطاعات فى الاسلام .. هى طاعه التفكر والتدبر والتأمل والتى حدثنا عنها رسول الله عليه الصلاة والسلام قائلا..
" تفكر ساعه خير من عبادة سنه .. "
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهى فريضة متروكة للأسف بعصرنا الحالى .. عصر الغرور البشري الطاغى .. كما سبق القول
فتعالوا معى قليلا ..
نتفكر سويا ومعا .. فى أحوال انفسنا مع تلك الآفه الغريبة .. آفه الغرور
ما هو الغرور ؟!! وما هو الادعاء ؟!
الغرور
هو أن تعتز وتنسب لنفسك ميزة أو نعمه أكرمك الله بها ولا تردها الى خالقها .. بل تردها الى نفسك ..
أى أن الغرور يتطلب وجود نبوغ ما فى أى مجال للانسان .. فيغتر به ولا يرده لله
أما الادعاء ..
فهو كارثة الكوارث ...
اذ أنه يتمثل فى الكبر دون أدنى سبب أو دافع من تفوق ونبوغ ..
واذا تأملنا أحوالة عالمنا الآن نجد الآفتين قد ضربتا بنصالهما كل مكان ..
ولا يتوقف الانسان لحظة فيتأمل قليلا .. لماذا يغتر .. ؟!
فلندع أنفسنا للحظة تأمل فى العالم الذى نعيشه فيما تدركه حواسنا البشرية بالغه الضعف ..
ربما نجد بعد تلك اللحظة ألف مبرر لاجتناب الغرو والاداء ..
كائن " الأميبا " .. هو كائن يعرفه العلماء ويعروه على أنه كائن بالغ الدقة مكون من خليه واحدة فقط ولا يري الا بالمجهر الاليكترونى ..
تخيلوا معى مثلا لو أننا أوتينا القدرة على النظر اليه بالعين المجردة .. ما الذى يساويه حجم هذا الكائن المتناهى فى الصغر أمام جسم انسان كامل النمو ..
لا يساوى شيئا طبعا ..
جميل ..
قارنوا اذا بين حجم الانسان نفسه وبين كائن آخر كالحوت الأزرق .. الذى يصنفه علماء الأحياء البحرية على أنه أضخم المخلوقات على وجه الأرض حيث يبلغ من الضخامه ما لا يمكن تصوره
ما الذى يساويه الانسان أمام هذا الكائن ..
لا شيئ طبعا ..!!
فماذا اذا قارنا بين الحوت الأزرق والأميبا ..
واذا فتحنا لأنفسنا مجالا أوسع للتفكر .. وقارنا بين الحوت الأزرق والأرض بأكملها .. ثم قارنا بين الأرض والشمس .. ثم بين الشمس والمجرة .. وبين مجرتنا التى تعد من المجرات متوسطة الحجم بالكون الفسيح الذى يحتوى على ملايين المجرات
وماذا لو أعدنا المقارنة بين الأميبا وبين هذا الكون الذى لا يدرك مداه الا الله ..
بالله عليكم ..
كيف نغتر بعدها فنشارك الله تعالى فى ازاره وحاشا لله .. كما حدثنا رسول الله عليه الصلاة والسلام متحدثا بالحديث القدسي بقول الله عز وجل ..
" الكبرياء ازارى .. فمن شاركنى فيه قصمته ولا أبالى "
ان من يحيط بهذا الملك وهذا الكون ومن يدرى ربما بل حتما هى أكوان ..
هل نغتر بما منحه الله تعالى لنا ولا نرده اليه سبحانه .. وهو المحيط بكل هذا ..
فعلا ..
بسم الله الرحمن الرحيم
"وكان الانسان أكثر شيئ جدلا "
صدق الله العظيم ..
ان تأمل حجم النفس أمم هذا الملك والملكوت .. يزيح عنها كلمة " أنا " والتى نعتاد سماعها كثيرا فى غرور وكبر لا مزيد عليهما
وهى المعصية التى تهدم الطاعه هدما طبقا لما أوصانا به رسول الله عليه الصلاة والسلام .. وكان مثلنا الأعلى فيه
وهو من هو ..
أكرم الناس وأكرم ولد آدم صلى الله عليه وسلم .. ومع ذلك قال لأحد صحابته الذى وقف يرتجف أمام هيبته
" هون عليك .. ان أنا الا بن امرأة كانت تأكل القديد بمكة "
فان كان رسول الانسانية وشفيع الأمة صلى الله عليه وسلم يتحدث بمثل هذا الكلام ..
فكيف بمن سواه ..
ما بالنا نستمع الى ألقاب التفخيم والتعظيم تهز الأسماع بمناسبة ودون مناسبه ..
وقد أوصانا الرسول عليه الصلا والسلام بأننا ان كنا ولا بد مادحين شخصا ما بصفة فيه فعلا .. فيجب أن نتحرز لذلك ونتحوط ونقم تلك الكلمات أمام المدح .. وهى
" نحسب فلان على خير والله حسيبه ولا نزكى على الله أحد "
ثم نمتدحه بحقيقة ما عنده رادين الأمر لله
فمن منا يا ترى يفعل هذا أو يدع لفسه فرصة ففى تأمل الكلمات التى يصف بها نفسه ويصف الآخرين
ورحم الله الشيخ الامام محمد متولى الشعراوى ..
كان رضي الله عنه ذات مرة حاضرا فى محفل علم كبير وخف اليه الناس علماء وطلاب علم يسألونه وهو يجيبهم ويزيدهم ..
فلما انتهى من حديثه .. وانصرف الى سيارته هجم العشرات من مريديه على السيارة وحملوها حملا من كثرة تقديرهم للشيخ وعلمه وفضله الذى أنعم عليه الله به
فتأثر الشيخ جدا .. وخشي العاقبة فى نفسه ..
وتوقف بمنتصف الطريق وهرع الى أحد المساجد .. وظل لنحو ساعه أو يزيد ينظف حمامات المسجد بيديه وملابسه ليكسر الكبر فى نفسه ان أعجبته نفسه فيما حدث له من تقدير الناس له ..
فأين نحن من معشار هذا ..!!
والنبي الرسول موسي بن عمران عليه السلام كليم الله ..
وواحد من أولى العزم من الرسل
شابت نفسه لمحة من العزة . لمحه فقط ..
فأرسله الله الى الخضر عليه السلام فى القصة الشهيرة ليدرك أنه ليس بعد علم الله علم ..
ولو صبر مع الخضر لتعلم أكثر وأكثر .. صلى الله عليه وسلم
اننى أتوجه اليكم بالنصح ومن قبلكم أنصح نفسي
ردوا أمر مواهبكم لله .
فلحظة واحدة من الكبر ..
كفيلة بسوء العاقبة التى نستعيذ بالله منها ..
والله من وراء القصد