السلام عليكم
أخي ناجح سلهب ...لقد بعث الله تعالى رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بالرسالة الخاتمة، فكان -صلى الله عليه وسلم- خاتم الأنبياء والمرسلين، ورسالته خاتمة الرسالات جميعًا، فأنزل الله تعالى عليه القرآن بلسان عربي مبين في أُمَّة أُمية لها باعها الطويل والقِدْح المُعلَّى في البيان والفصاحة وروعة الأسلوب، حتى كانت لهم الأسواق والمنابر والمواسم يعرضون فيها أنفس البضائع، وأدق وأجود وأبرع صناعتهم البيانية، إنها بضاعة الكلام من الشعر والنثر والخطابة، وكان النقد والمساجلة والمناظرة، حتى يختاروا من هذه الصناعة البيانية أروعها وأحسنها في جو من التنافس الشديد، ليتفاخروا بما قدموه، ولتتناقله العرب بعد ذلك تذوقًا للُّغة التي تهذبت كلماتها وأساليبها واختيرت ألفاظها أحسن اختيار.
والقرآن هو معجزة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام الكبرى ,ودليله على النبوة وأنه لا ينطق عن الهوى إنْ هو إلاَّ وحي يوحى، وقد وقف أئمة اللُّغة من العرب عاجزين أمام القرآن أنْ يحاكوه أو يماثلوه في أزهى العصور للأُمَّة العربية بيانًا وفصاحة وبلاغة. فكان التحدي بألفاظ القرآن وكلماته في فصاحته وبلاغته وبيان أسلوبه.
والمعجزة في الاصطلاح: "هي الأمر الخارق للعادة، السالم من المعارضة يظهره الله تعالى على يد احد انبيائه، تصديقًا له في دعوته,ومن شروطها أن تكون فعلًا من الأفعال المخالفة لما تعوَّد عليه الناس وألفوه,وأن يكون الغرض من ظهور هذا الفعل الخارق هو تحدي المنكرين، سواء صرح النبي صاحب المعجزة بالتحدي أو كان التحدي مفهومًا من قرائن الأحوال. والقرآن لم يذكر صراحة كأن يقول :أتحداكم أن تأتوا بمثله ...ولكن كافة صيغ التحدي كانت مما يُفهم من الالفاظ العربية التي كانت على سليقة العرب في فهمهم وبراءة لسانهم من الإنحراف والعجمة.
ومضت القرون، وورث اللُّغة عن أهلها الوارثون، وكلما تطاول الزمان بين عصر المبعث والعصور التالية له، كان أهلها أشد عجزًا، وأقل طمعًا في هذا المطلب العزيز، لانحراف ألسنتهم وفساد سلائقهم، وكانت شهادة على إعجاز القرآن إلى أنْ تطوى صفحة هذا الوجود، ويرث الله تعالى الأرض ومن عليها....وهذا المطلب قد عز عليهم وهم أهل له وما يزال وسوف يبقى ابد الدهر,يقول الله تعالى في سورة البقرة:"فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ": 24,أي فإن لم تفعلوا ذلك أي الإتيان بسورة مثله ,وقال إبن عاشور :"وجيء بإن الشرطية التي الأصل فيها عدم القطع مع أن عدم فعلهم هو الأرجح بقرينة مقام التحدي والتعجيز؛ لأن القصد إظهار هذا الشرط في صورة النادر مبالغة في توفير دواعيهم على المعارضة بطريق الملاينة والتحريض واستقصاء لهم في إمكانها وذلك من استنزال طائر الخصم وقيد لأوابد مكابرته ومجادلة له بالتي هي أحسن حتى إذا جاء للحق وأنصف من نفسه يرتَقي معه في درجات الجدل؛ولذلك جاء بعده { ولن تفعلوا } كأن المتحدي يتدبر في شأنهم، ويزن أمرهم فيقول أولاً ائتوا بسورة، ثم يقول: قدروا أنكم لا تستطيعون الإتيان بمثله وأعدوا لهاته الحالة مخلصاً منها ثم يقول: ها قد أيقنت وأيقنتم أنكم لا تستطيعون الإتيان بمثله، مع ما في هذا من توفير دواعيهم على المعارضة بطريق المخاشنة والتحذير.اهـ
فالله سبحانه وتعالى يُظهر هنا تحديه الانس والجن ويدلل على أن هذا التحدي قائم الى أن يرث الله الاض ومن عليها ,حيث يقول تعالى:" وَلَن تَفْعَلُواْ" على التأبيــــــــــد,لأن لن تفيد نفي المستقبل فالنفي بها آكد من النفي بلا,قال الزمخشري:" إفادتها التأبيد حقيقة أو مجازاً وهو التأكيد، وقد استقريت مواقعها في القرآن وكلام العرب فوجدتها لا يؤتى بها إلا في مقام إرادة النفي المؤكد أو المؤبد".
وهي هنا مبالغة في التعجيز وإفحاماً لهم ...وأن مصيرهم جهنم فقد توعدهم الله حيث يقول تعالى في نفس الآية:"فَاتَّقُواْ النَّارَ"وهذه مبالغة في الوعيد، مع أن اللغةً لغتُهم، والكلامَ كلامُهم.
وقد ألف جمع كثير من العلماء في تحدي القرآن العرب بكلامهم ولم يُنكروا حتى هم أنفسهم هذا التحدي ومحاولاتهم الفاشلة في التحدي والقول بما يشبة القرآن_حاشا لله_,ومن هؤلاء الزركشي فقد أفرد فصلًا كاملاً عن التحدي في كتابه(البرهان في علوم القرآن ),والسيوطي في كتابه(الإتقان في علوم القرآن) في باب ( إعجاز القرآن ) ضمن العنوان ( اهتمام العلماء بمعرفة وجوه الإعجاز )...وغيرهما كثير.
والامر الآخر هو أن الله عزوجل غني عن العباد بما في ذلك الغنى عن تحديهم في الإتيان ولو بآية منه ,وإنما جاء بها للرسول وكان تحديه للعرب آنذاك لنصرة رسوله محمد عليه الصلاة والسلام ,ولله كل شيئ يقول الله تعالى:" وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)...والله سبحانه وتعالى لا يُسأل عما يفعل يقول الله تعالى :" لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)/الأنبياء.
وقول الله تعالى في سورة البقرة:" وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)"...
فإن لم يكن هذا تحدي...فلماذا طلب منهم أن يدعو شهداءهم...لا أظن للفرجة وإنما للفصل والشهادة فيما هم منكرون ...وهذا عين التحدي .
وأما قوله تعالى: " فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ "...فهو دليل على انهم وشهداؤهم لن يستطيعوا الاتيان بمثله على وجه التحدي.