النحّات أحمد البحراني.. [frame="7 80"]
الحديد يشكّل الإحساس[/frame]
[frame="3 80"]
يؤكد حضوره الأسلوبي والجمالي في إطار المحمل التشكيلي العراقي [/frame]
[frame="2 80"]طلال معلا
(سوريا/ الإمارات)[/frame]
[frame="7 80"]تلقى أعمال النحات العراقي أحمد البحراني القبول في أغلب صالات ومواقع العرض لأسباب كثيرة يأتي في أولها الأحاسيس التي تعبر عنها كتل الحديد بكثير من الحرفية والإبداع. صالة "جرين آرت" استضافة أعمال الفنان الحديثة التي يسعى من خلالها لتأكيد حضوره الأسلوبي والجمالي في إطار المحمل التشكيلي العراقي الذي قدم أسماء مهمة في مجال النحت على المعادن والسباكة وسواها.
ما بين قشرة العمل النحتي وما يخفى في جوفه الكثير مما يمكن الحديث عنه في أعمال النحات أحمد البحراني، واذا كانت قسوة المعدن وبرودته تشي بأحاديث مباشرة عما يحتاجه المعدن من النحات كي يبلغ بالمادة المستوى الذي تتشكل عليه فإن هذه الأعمال تحمل على نحو فذ الرؤى الشعرية والعمق التشكيلي البنائي الذي يقصده البحراني لإدهاش متلقيه بالجمع بين البارد المعدني والنار التي تطوع السطوح لتبلغ الحد البنائي المستمد من ألغاز المادة وهي توفق ما بين شكلها والمحتوى الذي يعني تاريخ المادة من جهة وتاريخ الحالة النحتية بمن في ذلك الفنان الوسيط ما بينهما.
في مشاهدتي الاولى للأعمال المعدنية للنحات البحراني قبل سنوات لمست الهدف الذي يسعى إليه لتحرير العناصر الشكلية من دلالاتها المباشرة، بل من أوزانها بتسليمها للفضاء العام، حيث يمكن قراءة الكتلة عبر ما توحي به، وبالشغف والمثابرة والجهد الذي أنجزت به، ما يمنحها بعداً إنسانيا ومناخاً يتفوق على الجاذبية، وعلى فوضى التقاط الحالة النحتية، ليبدو العمل أكثر تنظيما في الرؤية والاستيعاب وأبلغ في تمثل الحالة الشعرية الناتجة عن الالتواءات الدينامية.
خارج المعهود
سعي البحراني لدخول النحت شكّل له هاجساً مستمراً لتطوير أدواته وإسهامه في رسم صورة النحت العربي المعاصر خارج المعهود العام، واذا كانت الأسماء التقليدية قد كرست مفاهيمها لفترة طويلة فإن الجيل العامل حالياً ومنهم البحراني إنما يستمد أهميته من القدرات البحثية الذاتية، والتعريف بعالم نحتي أبعد من حدود الوصف الشكلي لتطال تحليلاً للمادة واستكشافاً للفضاء بما يحمل من دلالات وحيوية الصلة بالعمل النحتي الفراغي تساعده على ذلك الإمكانات التعبيرية المتنامية، التي تربطه بعمله والحرفية الواعية التي تقود أعماله للتصريح بحرية انتمائها الى مطلق العملية النحتية وليس الى اتجاه أو أسلوب بعينه، ولعله في معارضه الأخيرة يؤسس لنقطة انطلاق على هذا المستوى توفر له إمكانية الحوار مع التجارب النحتية المختلفة حوله والامتداد خارج إبداعه الفردي ليتقاطع مع تجارب تحمل الاهتمامات التقنية والتعبيرية نفسها وبالتالي تؤمن قراءة أعماله على أساس رؤيوي ونظري محدد.
إسهامات البحراني المتعددة لإنتاج عمل نحتي مسطح أو معلق على الجدار جزء من تجربته أيضا التي يحاكي من خلالها الإمكانات التصويرية الكامنة في الكتلة، وإذ يحاول ان يبقي القيمة النحتية هي البارزة، فإن الصلابة تبقى صفة أساسية في تناول القراءات المختلفة لعمله النحتي، إضافة الى إيهامه بخفة العمل، وهذا قصد دينامي على صلة بالثقل، وبمواجهة العمل الفني من قبل المشاهد كأي عمل تصويري بدلاً من الانطلاق من القاعدة أو الأرض التي يستقر عليها العمل النحتي.
إن الخصائص المشتركة ما بين التصوير والنحت تبرز في الأعمال الجدارية بشكل جلي حتى وإن غاب اللون بتنوعه الفيزيائي ليحضر لون يمتلك قيماً تجريدية تضفي على الموضوع درامية لا يمكن تجاوز دلالاتها الشعورية أو الرمزية وهي تقدم حالها كصورة مجسمة يسهل التقاطها والتقاط ترسيماتها بخاصة حين تتطابق موجوداتها والبناء التصوري لدى المشاهد الذي يقتضي التراكم المعرفي النحتي وبمثل الصياغات التي تكون المبدأ العام للجهد النحتي المتراكم المبذول من قبل النحات، والذي يقود الى تدخلات عقلية واضحة لحل كثير من إشكاليات الدلالة والوزن والبريق والقفز فوق جوهر المادة المستخدمة الى جوهر الإمكانات الفكرية الكامنة فيها.
لا شك في ان تغييراً في التصور ينشأ عن الفرق بين اللوحة المسندية والمنحوتة المسندية - على الأقل في مستوى الشكل - وما يهم الفنان البحراني منطق صياغة العمل النهائي والحالة التي سيبدو عليها على المستوى الجمالي، ولهذا فإن الإمكانات التركيبية تبرز من خلال ذاكرة تشكيلية دقيقة تمتد في المكان الى جانب الزمان لتحقيق أعلى سوية جمالية في المساحة المشغولة بالحديد والنار، وكلا العنصرين يؤسسان لاشتقاقات معنوية الى جانب تحققهما المادي وفي حدود الموضوع العام لتوجه الفنان في إضفاء المشاعر والأفكار والموضوعات على المادة الخام في زمن تحولها وإخضاعها للفهم الإنساني، أي بامتلاك كينونتها وتحويلها الى كينونة واعية قابلة للفهم واعتبارها مادة للحوار: أي الاعتراف بانبثاق الجمال منها وانتشاره بشكل دائم عن مادة تعبيرية، تعبر عن ذاتها وعن مبدعها وعن متلقيها وتتفاعل مع مجموعة من الحالات ليس الفضاء أولها أو التأويل آخرها.
صياغة الفراغ
ما وراء القشرة المعدنية فعاليات مختلفة تخترق الرؤية وتفرض خطابها التجاوزي المنتقى، وكذلك طقس إيجادها لحظة بلحظة وعبر الإجراءات الاستعبادية لشكل والإحلالية لشكل جديد يحمل قيم حلم يشكله الحديد، يعيد البحراني "صياغة الذاكرة وصلتها بالأشكال والموجودات في انتقال ما بين المادي والروحي وفق كتل تعيد صياغة الفراغ سواء بتحقق هذه الكتلة في موقعها أو بما يمثله انعكاس الفضاء على تمايلات سطوحها، ما يؤكد الحالة التي يسعى إليها الفنان لتقديم آثار الجسد الإنساني بما تتحمله العين من إحالات الى حركة النور وما يفصحه كل سطح من حالات انفعالية شديدة التأثير في طريقة المتلقي بضبط تلقيها، وفي مختلف الأحوال فإن الفنان يؤكد بأعماله التي يترجرج الضوء على أبعادها الدعوة للبوح وما يمكن للخيال ان يحوله الى سرد يعمق صفات الفراغ من خلال تماسك الشكل وقوته.
إن حضور الشكل تأكيد لحضور النحت في حقيقته الفلسفية والجمالية، بل لعل جسد المنحوتة بصقالته ووهجه المعدني يعبر عن جرأة الإيحاء بما يمكن ان يحققه المبدع في صراعه مع المادة من جهة ومع الأفكار من جهة أخرى سعياً الى تطوير محقق للتحليلات الجديدة التي يبتكرها البحراني في هذه الأعمال، حيث يتجاوز الشكل مهمته في التعبير الى القبض على الخيال واختراق الكتلة الى مواقع تكون فيها حبكة الفراغ أكثر إثارة للأحاسيس مما تراه العين، انها دعوة للمس الشكل والتحرر من الوعي المسبق لوجوده.[/frame]
[frame="2 80"]الخليج الثقافي
2004-04-26[/frame]
[frame="10 80"]
مع اطيب التحيات لكم اخوكم عبود سلمان هنا الرياض[/frame]