تكملة الاختلاف بين المسلمين
الوجه الثاني : وهو السنة , و هي ما ورد عن رسول الله – صلى الله عليه و سلم – من قول أو فعل أو تقرير , و تأتي لتخصيص عموم , أو تفصيل مجمل , أو تقييد مطلق , و لا تكون متعارضة مع القرآن , إلا على سبيل النسخ .
و أما دليلها على إجازة الإختلاف في فروع الدين , لا في أصوله :
أولا : اقراره عليه الصلاة و السلام لصحابته في يوم الخندق حينما أراد غزو بني قريظة فقال " لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة " فمن الصحابة من صلاها في الطريق , ومنهم من أخرها الى أن وصل بني قريظة , فأقرهم الرسول _ صلى الله عليه و سلم _ على فهمهم و اختلافهم هذا , ولم يعنف عليهم , ولم ينكر عليهم ذلك , مما يدل على إباحة مثل هذا الاختلاف , وهو في الفروع وليس في الأصول .
ثانيا : قوله – عليه الصلاة و السلام- " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران , و إذا اجتهد فأخطأ فله أجر " و هذا كله في فروع الدين و ليس في أصوله , ولا في ما هو قطعي .
أما الفرق بين أصول الدين و فروعه , وبين القطعي و الظني فالتالي :
فأصول الدين هي المسائل الاعتقادية , و هي قسمان :
1) ما يتوصل إليه بالنظر و الاستدلال , و يسمى بالمسائل العقلية , أي التي يتوصل اليها عن طريق العقل و الادراك , كالايمان بالله و الايمان بأن القرآن من عند الله , و الايمان بأن محمدا رسول الله
2) ما يتوصل اليه عن طريق النقل و الإخبار , و يسمى بالمسائل النقلية كالايمان بالملائكة و بالجنة و النار , و البعث و النشور , و بالتوراة و الانجيل و الزبور , و الايمان بابراهيم و موسى و عيسى , و غير ذلك مما ينقل نقلا و كالايمان بان الله يحيي و يميت , و أنه هو الرازق , و أنه هو المعز .
أما فروع الدين , فهي المسائل الفقهية العملية المستنبطة من الأدلة التفصيلية و هي قسمان :
1) مسائل قطعية في الثبوت و الدلالة
2) مسائل ظنية , في الثبوت أو الدلالة , أو كلاهما معا .
أما المسائل القطعية في الثبوت , فهي التي تكون قطعية في ثبوتها عن الله و رسوله , أي أن تكون من القرآن , أو الحديث المتواتر .
و المسائل القطعية الدلالة , التي تكون قطعية في دلالتها أي في معناها , ولا تأخذ إلا معنى واحدا , كتحريم الخمرة , و تحريم الزنا , و تحريم الربا , و تحريم القتل و السرقة , و تحريم الجمع بين أختين , كل ذلك و أمثاله , ثابت قطعا , ولا يحتمل إلا معنى واحدا , وهو ما ذكرناه .
أما القسم الثاني من الفروع : و هو المسائل الظنية , و هي قسمان كذلك :
الاول : ظني في الثبوت
الثاني : ظني في الدلالة .
أما ظني الثبوت : هي المسائل التي لم تصل الى التواتر و القطع في ثبوتها , و ذلك كالنصوص الغير متواترة عن رسول الله ( ص ) فهي ليست قطعية في ثبوتها , كخبر الآحاد و المشهور .
أما ظني الدلالة : فهو المسائل التي تحتمل أكثر من معنى , ولو كانت قطعية في ثبوتها , و هذا موجود في القرآن و في السنة المتواترة و غير المتواترة و هو كثير .
فمحل الاختلاف و التنازع الذي أجازه الشرع و كما سيأتي بيانه في المسائل التي اختلفوا فيها و في اسباب الاختلاف , هو في القسم الثاني من الفروع و هو في المسائل الظنية , بفرعيها , الثبوت و الدلالة .
فإذا تقرر ما قلناه , يكون معنى قوله ( ص ) إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر و ان اجتهد و أصاب فله أجران انما يكون في الظنيات و ليس في أصول الدين , و لا في ما كان قطعيا بينا منصوصا من فروع الدين و أصوله و ذلك أن رسوله الله ( ص ) رتب لكل مجتهد منهما أجرا , و هذا يعني أنهما لو اختلفا في الفروع التي أشرنا اليها , فلا بأس عليهما في ذلك .
أما معنى كونه رتب لكل منهما أجرا , يعني أن كلا منهما مصيب في ذلك , الاصابة التي لا تنافي الخطأ , بخلاف الاجتهاد في اصول الدين و في ما كان بينا منصوصا قطعيا , لأن الحق فيها واحد , و المصيب فيها واحد , فإنه لا يمكن أن يأتي في العقيدة حكمين متضادين , أو متناقضين , و اضرب مثالا للتوضيح :
فلو قال أحه المخبرين : أن فلانا من الناس موجود الساعة في بيته .
وقال آخر : أن هذا الشخص ليس موجودا في بيته .
فلزم ان يكون أحد المخبرين صادقا , و الآخر كاذبا أو مخطئا , إذ يستحيل احتمال الخبرين معا , أن يكون و أن لا يكون ,
فكذلك الحال بالنسبة لأصول الدين , و ما كان قطعيا , فإنه لا يمكن أن يثبت أحد المخبرين بأن الصلاة فرض , و الآخر ينفي ذلك , و يكون كلاهما صوابا و مأجورا , كما لا يمكن أن يثبت أحد المجتهدين أن القرآن من عند الله , و الآخر ينفي ذلك , و أن يثبت أحدهم أن الزنا حرام , و الآخر ينفي ذلك .
وعليه فيكون الإجتهاد : هو بذل الوسع لتحصيل الظن بحكم شرعي , أو هو بذل الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من نفسه العجز عن المزيد عنه , أي فهم النص الشرعي من الكتاب و السنة بعد بذل أقصى الجهد في سبيل الوصول الى هذا الفهم لمعرفة الحكم الشرعي , وهو سبيل مسائل الفروع الظنية , وليس سبيلا لمسائل الأصول و المسائل القطعية , لأن الإجتاد في مسائل أصول الدين و في ما كان بينا منصوصا قطعيا , يؤدي الى الفسق و الفجور , و الكفر و يؤدي إلى الإختلاف و الفرقة , لأن الحق فيها واحد , و المصيب فيها واحد , و المخطئ فيها آثم , و هو الذي نهت عنه الآيات القرآنية , لأنه عين الإختلاف الذي اختلفه الكفار فيما بينهم في أصول دينهم .
و بالجملة أقول أنه يفهم من قول رسول الله ( ص ) و اقراره للاختلاف بجانب الآيات التي تنهى عن الاختلاف ضربين ,
الأول منها اختلاف محمود , وهو في المسائل الظنية من فروع الدين كالإختلاف الذي أقره الصحابة , و كاختلاف الصحابة فما بينهم , و اختلاف علماء السلف و سيأتي بيان ذلك .
الثاني اختلاف مذموم , وهو في أصول الدين , و في المسائل القطعية من فروعه , و في ما كان بينا منصوصا , كاختلاف الكفار و تفرقهم في دينهم , كما اسلفنا بيانه , و هذا ما عليه جمهور العلماء من السلف الصالح .
فهذا الشافعي رحمه الله يقول الاختلاف من وجهين , أحدهما محرم و لا أقول ذلك في الآخر , فكل ما أقام الله به الحجة في كتابه أو على لسان نبيه منصوصا بينا لم يحل الاختلاف فيه لمن يعلمه , و ما كان من ذلك يحتمل التأويل , ويدرك قياسا فذهب المتأول أو القايس إلى معنى يحتمله الخبر أو القايس و إن خالفه غيره , لم أقل أنه يضيق عليه ضيق الخلاف في النصوص , و احتج الشافعي في هذا التفريق بقوله : " ولا تكونوا كالذين اختلفوا من بعد ما جاءهم البينات "
وقال إمام الحرمين : " ولا يجوز أن يقال , كل مجتهد في الأصول الكلامية , أي العقائد مصيب "
ويقول ابن عبد البر " ونهى السلف رحمهم الله عن الجدال في الله جل ثناؤه في صفاته و أسمائه , و أما الفقه فأجمعوا على الجدال فيه و التناظر لأنه علم يحتاج فيه الى رد الفروع على الأصول للحاجة إلى ذلك , وليس الإعتقادات كذلك " .
ويقول أبو بكر ابن العرب التفرق المنهي عنه يحتمل ثلاثة أوجه :
1) التفرق قي العقائد لقوله تعالى " أن أقيموا الدين و لا تتفرقوا عليه " .
2) قوله عليه السلام " لا تحاسدوا ولا تدابروا و لا تقاطعوا و كونوا عباد الله إخوانا " .
3) ترك التخطئة في الفروع و التبري فيها , و ليعض كل أحد على اجتهاده , فإن الكل بحبل الله معتصم , و بدليله عامل
وقال إن الحكمة في ذلك أن الإختلاف و التفرق المنهي عنه إنما هو المؤدي الى الفتنة و التعصب و تشتيت الجماعة , فأما الإختلاف فهو من محاسن الشريعة , و استدل بالحديث الشريف " اذا اجتهد الحاكم " .
وفرق ابن تيمية – رحمه الله – بين فروع الدين و أصوله بقوله " و اما لعن العلماء , لأئمة الأشعرية فمن لعنهم عُزر , و عادت عليه اللعنة , فمن لعن من ليس أهلا للعنة , وقعت اللعنة عليه , و العلماء أنصار فروع الدين , و الأشعرية أنصار أصول الدين "
و ذكر الشوكاني – رحمه الله – " اعلم أن الخلاف في هذه المسألة تختص بالمسائل الشرعية لا العقلية فلا مدخل لها في هذا "
و قد ذهب الجمهور الى أن المسائل الشرعية تنقسم إلى قسمين :
1) قطعيا معلوما بالضرورة أنه من الدين كوجوب الصلوات الخمس و صوم رمضان , و تحريم الزنا و الخمر , فليس كل مجتهد فيها مصيب , بل الحق فيها واحد , فالموافق له مصيب و المخطئ غير معذور بل آثم .
2) المسائل الشرعية التي لا قاطع فيها , فذهب الكثيرون الى أن كل مجتهد مصيب , و حكاه الماردي و الروياني عن الأكثرين , و ذهب أبو حنيفة و مالك و الشافعي و أكثر الفقهاء الى أن الحق في أحد الأقوال , ولم يتعين لنا وهو عند الله متعين لاستحالة أن يكون الشيء الواحد في الزمان الواحد للشخص الواحد حلالا و حراما , و قد كان الصحابة رضي الله عنهم يخطئ بعضهم بعضا و يعترض بعضهم بعضا و لو كان اجتهاد كل مجتهد حقا لم يكن للتخطئة وجه .
يقول تقي الدين النبهاني – رحمه الله - : " و قد أجمع الصحابة على أن الإثم محطوط عن المجتهدين في الأحكام الشرعية في المسائل الظنية من الفقهيات , أما المسائل القطعية كوجوب العبادات , و تحريم الزنا و القتل فلا اجتهاد فيها ولا خلاف بشأنه , و لذلك اختلف الصحابة في المسائل الظنية و لم يختلفوا في المسائل القطعية , و المجتهد في المسائل الظنية مصيب فيما وصل اليه باجتهاده , و لو كان في رأيه قابلية للخطأ , إلا أنه ليس معنى كونه مصيبا أن تصويب المجتهد من الإصابة للحق مطلقا , لأن ذلك غير موافق للواقع بالنسبة للحكم الظني , و لأن الرسول – صلى الله عليه و سلم – سماه مخطئا , بل المقصود من أن المجتهد مصيب هو من الصواب الذي لا ينافي الخطأ , لا من الإصابة التي هي مقابلة للخطأ , فإن تسمية المخطئ مصيبا هي باعتبار قيام النص على أنه مأجور في خطأه , لا باعتبار أنه لم يخطئ , و على هذا فكل مجتهد مصيب حسب ظنه من الصواب الذي لا ينافي الخطأ , فهي من أصاب صوابا , لا من أصاب إصابة " .
و قال الألباني " فأما اختلاف الصحابة فإنما كان عن ضرورة , و اختلاف طبيعي منهم في الفهم لا اختبارا منهم للخلاف , يضاف الى ذلك من بعدهم , و مثل هذا الإختلاف لا يمكن الخلاص منه كليا و لا يلحق أهله الذم الوارد في القرآن لعدم تحقيق شرط المواخذة و هو القصد و الإصرار عليه " .
لذا نرى مما سبق أن الأمة مع وجود هذا الإختلاف فيما بينها في فروع الدين إلا أنها تبقى مسلمة و لا يجوز لأحد أن يكفر أحدا من المختلفين أبدا , لأنه اختلاف في فروع الدين و ليس اختلافا في أصوله .
يتبع