(*) ..
نظــــــــــــــرات في أدب علي الطنطاوي رحمه الله
إن أدب الطنطاوي يرتكز على محاور عدة جعلت منه أديبا محلقا يرفرف في سماء الأدب العربي هذه المحاور لم تأت في أدب الشيخ علي الطنطاوي اعتباطا، وإنما هي تعكس مقدرة الشيخ البيانية والأدبية والثقافية والتاريخية كذلك والدينية .
وبما أن الأدب لابد له من قالب يصاغ فيه يرتكز على اللغة والأسلوب فإن أول ما أبدأ به هو :
أولا : اللغة والأسلوب عند الشيخ علي الطنطاوي :
لغة الشيخ علي الطنطاوي في أدبه من السهل الممتنع، تقرؤه فتفهمه ويطربك، وتظن أنك قادر على صياغة مثله حتى إذا أمسكت القلم وشرعت في الكتابة بتلك الروعة والسهولة ندّ منك وتملّص. كما إنها لغة قريبة إلى النفس تمتاز بأجراس صوتية عذبة فلا خشن ولاغريب ولا نفور ولا تعقيد و لأن الشيخ ذو ثقافة لغوية واسعة فهو يجد لكل فكرة في رآسة لفظة في معجمه اللغوي أي أن عدة الأديب لا تنقصه بل إنه أحيانا يبتكر بعض الأساليب ويطرح بعض الصور الجديدة .أما أسلوبه فان أديبا هذه لغته فلا شك أن أسلوبه سيكون في حجم لغته فهو أسلوب سهل لذيذ , كل لفظة تنقل القارئ إلى اللفظة التي بعدها .. وهكذا حتى تصل إلى النهاية وأنت تقول هل من مزيد؟ . كما تمتاز لغته بأنها لغة تصويرية، أي أن الكلمة هي أشبه ما تكون بكاميرا لاقطة مصورة، تلتقط ما حولها لتبرزه أمام القارئ مع زيادة في الحسن والتألق وإضافة في البيان والتقريب، يقول في كتابة هتاف المجد:
(إن النهار لنا , لقد أذن مؤذن النهضة فينا : حي على الفلاح , فقمنا وصاحت ديكة الفجر تطرد بقايا النوم من عيون الزهر .
والمستقبل لنا الذين أدركوا أن لهم أجنحة النسر الذي خلق ليضرب في كبد السماء مشرقا يحدّق في عين الشمس، لا لمن يطير بجناحي دجاجة , يلتقط باقيا مائدة الغرب من مز ابل الحياة .للذين عرفوا أنّهم حملة رسالة الله الأخيرة إلى الدنيا،فاستعدوا ليكونوا أئمة الدنيا
للذين حقروا الأرض وما فيها ،وطمحت بهم هممهم ليسيروا على درب المجرة الذي فرشت أرضه بالنجوم , ليصلوا بقلوبهم إلى الله
ثانيا الخيال المتزن :
و أدب الشيخ علي الطنطاوي لا يغفل الخيال، بل هو يجنح له كثيرا ولكن خيال لا مبالغة فيه ولا إفراط , إنما خيال جمالي لا غنى للأدب عنه وبدونه لا يمكن أن تقرأ قطعة أدبية، وهو من يفترض وقوع أحداث ربما لم تقع ولكن السياق يفرضها ويدل عليها . فهو يصنع من السطرين اللذين يجدهما في أسفار التاريخ قصة أدبية رائعة لا تشعر فيها بخلل ولا مبالغة بل يتخيل الأحداث من واقع السطرين اللذين قرأهما , فلا تشعر أن خياله أقحم في القصة وكأنّ الأحداث التي تصوّرها في أجزاء القصة وقعت كما هي ! وهذه حاسة سادسة تظهر تأثّره الكتابي بالمنفلوطي الأديب البارع , وكتابه قصص من التاريخ شاهد على هذا الخيال الجمالي الرائع ولا سيما قصة معلم الصبيان والتي تتحدث عن الحجاج حيث ربت على خمسة عشر صفحة من ثلاث أسطر تاريخية , لكن القارئ إذا خاض غمار القصة شعر أن الكاتب لم يدخل بقلمه وإنما روى ما وقع دون زيادة أدبية . يقول في قصة ابن الحب
( ومن حّرم الكلام في الحب والله الذي أمال الزهرة على الزهرة حتى تكون الثمرة , وعطف الحمامة على الحمامة حتى تنشا البيضة وأدنى الجبل من الجبل حتى يولد الوادي ولوي الأرض في مسارها إلى الشمس حتى يتعاقب الليل والنهار وهو الذي ربط حب القلب بالقلب يأتي الولد ولولا الحب ما التف الغصن في الغابة النائية ولا عطف الظبي على الظبية في الكناس البعيد ولا حنى الجبل على الرابية الوا دعة ولا أمد الينبوع الجدول الساعي نحو البحر . ولولا الحب مابكى الغمام لجدب الأرض ولا ضحكت الأرض بزهر الربيع ولا كانت الحياة ).
ثالثا الحجج العقلية المقنعة
إن الأديب الحق هو الذي يخاطب عقل قارئه كما يخاطب عاطفته فلا بد من وضع الأمرين في كفتين متوازيتين , ولو قلنا أن الأدب لا يعتمد اعتمادا كليا على العقل لان العقل يميل إلى التقرير المباشر والأدب بعيد عن هذين الامرين، إنما يعتمد على إثارة المشاعر وتحريك العواطف، لكن الشيخ علي الطنطاوي لم يغفل جانب العقل بل إن صوره الفنية في مقالاته الإصلاحية التي تحتاج إلى إقناع كثيرا ما ترتكز على الحجة والبرهان العقلي كتصويره مثلا المستقبل بحزمة الحشيش المربوطة أمام الفرس، هي تسير وهو يسير فلا تبعد عنه ولا يصل إليها، وهو تصوير رائع قائم على حجة عقلية مقنعة , وهي أن المستقبل لا يوصل إليه، لأنه يستحيل إلى حاضر, وغير هذا كثير في مقالات الشيخ الأديب الطنطاوي وتتجلى هذه كثيرا في كتابه ( مع الناس) يقول:
((...وليس في الدنيا أحد لا يجد من هو أفضل منه في شيء, ومن هو أقل منه في أشياء . إن كنت فقيرا ففي الناس من هو أفقر منك وإن كنت مريضا أو معذبا ففيهم من هو أشد منك مرضا، فلماذا ترفع رأسك لتنظر من هو فوقك ولا تخفضه لتنظر من هو تحتك , إن كنت تعرف من نال من المال والحياة ما لم تنله أنت، وهو دون ذكاء ومعرفة وخلقا,فلِم لا تذكر من أنت دونه أو مثله في ذلك كله , وهو لم ينل بعض ما نلت؟ وفلسفة الرزق أدق من أن تدرك، وأبعد من أن تنال , وأنظر إلى الناس ترى منهم الغواصين الذين جعل الله خبزهم وخبز عيالهم في قرارات البحار فلا يصلون إليه حتى ينزلوا إلى أعماق الماء، والطيارين الذين وضع خبزهم فوق السحاب فلا يبلغونه حتى يصعدوا إلى أعالي الفضاء . ومن كان خبزه مخبوءا في الصخر الأصمّ فلا يناله إلا بتكسير الصخر ))
رابعا العاطفة الصادقة :
وبما أن الأدب لا بد أن يؤثر في النفوس ويستدر عواطفها فقد جعلت العاطفة في الأدب مرتكزا أساسيا بدونه تكون الكتابة الأدبية حروفا وكلمات وعبارات بلا روح، فالعاطفة هي التي تسري في جسد القالب الأدبي فتكسبه التألق والتأثير في الآخرين .
والشيخ علي الطنطاوي لم يغفل جانب العاطفة في أدبه فهي عاطفة حارة صادقة لا تشعر تجاهها بزيف ولا تكلف لأنها عاطفة الأديب المسلم الذي يرجو الخير لأمته والرقي لمجتمعه والسمو للفرد وهي عاطفة الأديب الذي يحترق بعيدا عن النور والأضواء مع أنه أحق من غيره بها، وهذه الأخيرة تتمثل في الزفرات التي كتبها وضم كتابه(( من حديث النفس)) زفرتين.. زفرة وزفرة أخرى (3)(4)
فيها يشكو أهل الزمان ويشكو أرباب الثقافة وهم يقبلون على الغث ويمجدونه ويتركون الثمين ويطرحونه كما هو حال زماننا الآن!!، كما يشكو حاله مع النقاد الذين يهملون ما كتب، ويقبلون على ما عند غيره من الأدب . قلت : وقد أصاب الطنطاوي وهو يزفر تلك الزفرات، لأنه لا أتعس من أديب يكتب ويحلق ومن حوله يغضون أبصارهم وينكرون ما كتب!! فما أتعس الأديب الذي يعيش في أمة تهمله على ما عنده من الروعة والطموح كما عند الشيخ علي الطنطاوي الذي ضن عليه النقاد سابقا وحاضرا بلقب أدبي من سلة الألقاب التي توزعها أمتنا على من يستحق ومن لم يستحق .
خامسا الطرفة الهادفة :
أحيانا يغلف الشيخ علي الطنطاوي هدفه الذي يسعى إليه في طرفة هادفة، ويقدمه لقارئه في قالب من السخرية فيجعل القارئ يغرق ضحكا وهو يقرأ أدبا ساخرا غير خال من هدف وهذا الأسلوب من شأنه الترويح على القارئ من السأم والملل والجدية . ومن هذه الطرف اقرأ مقالته ( أعرابي في سينما ) في كتابه صور وخواطر .
سادسا : الهدف :
أدب بلا هدف، كلمات مصفّفة وعباراتٌ منمقة جوفاء ،.وفرق بين أديب يكتب من أجل أن يكتب فقط وأديب يكتب من أجل أن يبني .
وأديبنا الطنطاوي لا يكتب لأجل الكتابة , وإنما ليشيد صرحا للأمّة شامخا وليبني الأفراد والمجتمع على أساس من الأيمان والتقوى والفضائل الحسنة فهو عالم نفس يعالج ويقنن ويسبر ردود فعل النفس واستجابتها وما يثيرها !
وهو عالم اجتماع يحلل مشكلات الأسر والمجتمعات يبسط أسبابها ويضع حلولها .
وهو شيخ فاضل يوجه ويرشد، وناقد ومبدع يؤسس قواعد نقدية ويحلّل نصوصا أدبية.
وهو أيضا كاتب وروائي وقاص يملك أدوات الأديب المكتمل غير أنه ليس بشاعر ولا فرق بينه وبين الشاعر إلا الوزن الذي هو العمود الفقري للشعر وما عدا ذلك فكل ما عند الشاعر عنده بل أوضح بيانا وأقوى لغة .
وكل هذا السبيل التي يسلكها الأديب الطنطاوي إنما تصب في طريق واحد وهدف سام هو بناء الفرد والمجتمع على أسس من الفضيلة والأيمان بالله والاعتزاز بالدين وبالشخصية الإسلامية
((منقول))