هذا هو واقع القرآن، وهو يدل دلالة صريحة واضحة أنه نصوص عربية جاء بها رسول من عند الله، لا تفسَّر بغير اللغة العربية وسنّة رسول الله. أمّا تفسيره بناء على دليل شرعي وَرَد في كيفية تفسيره، فغير واقع ولا أصل له مطلقاً. لأن القرآن نفسه لم يبين لنا كيف تفسَّر آياته، والرسول لم يصح عنه بيان لكيفية معينة للتفسير. والصحابة رضوان الله عليهم إن كان الذي فسروه سبب النزول فهو من قبيل الحديث الموقوف، وليس من قبيل التفسير. وإن كان من قبيل الشرح والبيان فقد اختلفوا في الآيات، وقال كلٌ بما يرى ما يدل على أنه لم يحصل إجماع منهم على كيفية معينة للتفسير. فمنهم من كان يأخذ عن أهل الكتاب بعض الاسرائيليات ويرويها عنه التابعون، ومنهم من كان يرفض أخذها. إلاّ أنهم جميعاً كانوا يفهمون القرآن بما عندهم من علم في اللغة العربية وبما يعرفون من سنّة رسول الله قولاً وفعلاً وسكوتاً ووصفاً لخَلْق وخُلُق رسول الله، وذلك مشهور عنهم جميعاً. ومن كان يتحرج عن تفسير بعض الكلمات أو الآيات، كان تحرجه للوثوق من معنى، لا اقتصاراً على ما ورد به النص، حتى لا يعطي إلاّ عن علم موثوق. إلاّ أن ذلك لا يسمى إجماعاً لأنه لا يكشف عن دليل من الرسول، لأن بيان الرسول سنّة وليس تفسيراً. إلاّ أنه لمّا كان الصحابة أقرب الناس جميعاً إلى الصواب في تفسير القرآن لعلو كعبهم في اللغة العربية، ولملازمتهم للذي أُنزِل عليه القرآن، كان فيما اتفقوا على سلوكه، من جعل العربية كالشعر الجاهلي، والخُطَب الجاهلية وغيرها الأداة الوحيدة لفهم مفردات القرآن وتراكيبه، ومن وقوفهم عند حد ما ورد عن الرسول، ومن إطلاق عقلهم في فهم القرآن على ضوء هاتين الأداتين، خير طريقة تُسلك لفهم القرآن.
ولذلك فإنا نرى أن طريقة تفسير القرآن أن تُتخذ اللغة العربية والسنّة النبوية، الأداة الوحيدة لفهم القرآن وتفسيره من حيث مفرداته وتراكيبه، ومن حيث المعاني الشرعية، والأحكام الشرعية، والأفكار التي لها واقع شرعي، وأن يطلَق للعقل أن يفهم النصوص بقدر ما يدل عليه كلام العرب ومعهود تصرفهم في القول، وما تدل عليه الألفاظ من المعاني الشرعية الواردة بنص شرعي من قرآن أو سنّة، غير مقيَّد بما فَهِم الأولون السابقون، لا العلماء، ولا التابعون، حتى ولا الصحابة، فإنها كلها اجتهادات قد تخطئ وتصيب، وربما أرشد العقل إلى فهم آية برز واقعها للمفسر من خلال كثرة مطالعاته للعربية والشريعة، أو برز من خلال تجدد الأشياء، وتقدم الأشكال المدنية، والوقائع، والحوادث، فبإطلاق العقل في الإبداع، بالفهم لا بالوضع، يحصل الإبداع في التفسير في حدود ما تقتضيه كلمة تفسير، مع الحماية من ضلال الوضع لمعانٍ لا تمت إلى النص المفسَّر بصلة من الصلات. وهذا الانطلاق في الفهم وإطلاق العنان للعقل بأقصى ما يفهمه من النص دون التقيد بفهم أي إنسان ما عدا من أُنزل عليه القرآن، يحتم أن ينفي الاسرائيليات كلها مقتصراً في القَصص على ما ورد به القرآن عنها، وأن ينفي ما يزعمون من علوم تضمنها القرآن، واقفاً عند حد ما تعنيه تراكيب القرآن من الآيات الباحثة في الكون، وما قُصد منها من بيان عظمة الله.
هذه هي طريقة تفسير القرآن التي يجب أن يلتزمها المفسر، وأن يقوم بأعبائها من يريد تفسير القرآن.