وفيما يلي حوار مع الدكتور الجعيدي منقول عن مجلة فلسطين المسلمة
الدكتور محمد عبد الله الجعيدي لفلسطين المسلمة
لقضية فلسطين حضور واضح في شعر المقاومة الأمريكي اللاتيني المعاصر
ولد في سنة 1948، في قرية عراق السويدان، على بعد خمسة وثلاثين كيلومتراً، شمال شرقي غزَّة هاشم، على الطريق الذي يشد هذه الأخيرة لخليل الرحمن، مروراً بالفالوجة والمجدل – فلسطين.
أستاذ اللغة العربية وآدابها في جامعة مدريد، ومنسق برنامج التعاون مع الجامعات في الوطن العربي، ورئيس اللجنة الدولية لحقوق اللغات والحوار..
شارك في العديد من الملتقيات العلمية وحاضر، كأستاذ زائر، في العديد من الجامعات والمراكز العلمية والثقافية في الوطن العربي والعالم الإسلامي وأوروبا والأمريكتين.
حاضر ونشر أعماله، باللغتين العربية والإسبانية، في أدبيات المقاومة في الوطن العربي وإسبانيا وأمريكا اللاتينية، وفن الترجمة، وتعليم العربية لغير الناطقين بها في كتب ودوريات صدرت في الوطن العربي وإسبانيا وأمريكا اللاتينية.
- مشاركتك في مؤتمر ثقافة المقاومة العلمي بعمان كانت حول المقاومة في الشعر الأمريكي اللاتيني المعاصر، فهل لك أن تحدثنا عن تطور هذا التيار؟
•من الطريف أن يضرب شعر المقاومة في أمريكا اللاتينية بجذوره في شعر وصف الطبيعة والشعر الرومانسي، فقد مثل هذان الغرضان حاضنة لشعر المقاومة، فكان الدفاع عن الذات وعن أرض الوطن يتلاقيان ويتعانقان ويتعالقان في أكثر من صورة فنية لهذا الشعر، فخذ على سبيل المثال صورة الفدائي فيه وقد تراوحت بين كونه بشراً يعيش بين الناس وبين ما أضفى عليه الشعر من صفات البيئة ومكوناتها في أمريكا اللاتينية.
وإن مثّل هذان الغرضان قاعدة لشعر المقاومة في أمريكا اللاتينية، فقد استفاد هذا الشعر من مختلف التيارات والمذاهب الأدبية السابقة، واستخلص منها جميعاً هوية له غدت تُميزه عن غيره من شعر المذاهب الأخرى.
- إلى أي مدى يصل التقارب بين التجربتين الأدبيتين العربية والإسبانية، وبخاصة على صعيد الأدب المقاوم؟
• التجربة الأدبية في إطارها الإنساني تتشابه وتتشابك في العديد من توجهاتها وطبيعتها، وتنبع عند كل شعب من ظروفه المعيشية وثقافته المحلية مع شيءٍ من التأثير القادم من ثقافات معاصرة أكثر شيوعاً وأشد حضوراً.
ومن هنا لا يمكننا التحدث عن تشابه بين الثقافتين من هذه الناحية. وإن كنت تشير إلى تجربة الثمانية قرون الأندلسية، فهذا أمر يقتصر حضوره على أوراق الباحثين أو على بعض الرؤى المشوشة، وبالعودة إلى الجانب الإنساني. والإنسان هو الإنسان مهما اختلف موطنه أو تباين عرقه فهو دائماً يتمسك بالأنا ويرفض هيمنة الآخر عليها، ومن هنا تتشابه التجربة الأدبية عند كل الشعوب التي تضطر إلى الدفاع عن نفسها وهويتها ضد المعتدين والغزاة. وفي أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين تعرضت أمريكا اللاتينية في عمومها لعدوان واحتلال وهيمنة يانكية بغيضة، كما تعرض الوطن العربي لظروف مشابهة فرضها عليه الغرب الاستعماري، وفي هذا الإطار يمكننا البحث عن متوازيات ومتشابهات في الثقافتين.
وإن كنت في هذا الإطار تتحدث عن تقارب، فثمة تقارب في التجربة الإنسانية، المقاومة وربما في هذا السياق حضرت القضايا العربية وعلى رأسها قضية فلسطين بوضوح في شعر المقاومة الأمريكي اللاتيني المعاصر، كما حضرت قضايا التحرر في أمريكا اللاتينية في شعر المقاومة العربي وبخاصة الثورة الكوبية.
- لا زلنا نتذكر كتابك عن إرنستو كاردينال شاعر الثورة الساندينية، فلماذا هذا الشاعر بالذات؟
• يمثل الأب إرنستو كاردينال شخصية فريدة في عالمنا المعاصر من حيث كونه رجلاً متديناً فَهم أن الدين هو مصدر خير للإنسان ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتأتى منه أو يستخدمه أحد ضد الإنسان.
وجاء انحيازه إلى جانب الفقراء وانخراطه في صفوف الثورة الساندينية اليسارية وقيادته لما عرف بلاهوت الثورة، وهي ظاهرة انتشرت في أمريكا اللاتينية بين القساوسة، وقد امتزجت هذه التجربة الإنسانية بعبقرية إرنستو كاردينال الخلاقة وقدرته على التجديد المتواصل وامتلاكه ناصية الشعر حتى غدا بلا منازعٍ شاعر الثورة الساندينية، بل شاعر الثورة في أمريكا اللاتينية. فقد كان إرنستو كاردينال صادقاً مع نفسه وصادقاً مع الغير، فجاء شعره ناطقاً بالحقيقة والحق ومفعماً بالأمل بالمستقبل وبخلاص المستضعفين وانتهاء سطوة المستكبرين والمستعبدين، فيوم كان الطاغوت سوموثا في أوج قوته تحميه وكالة المخابرات اليانكية قال كاردينال:
قصائدنا تتناقلها الأيدي
مكتوبة أو مصورة
غداً سيمحى اسم الطاغية
الذي ضده كتبت
وستظل هي مقروءة
وبالفعل، بعد عقدين من الزمان، أصبح سوموثا في عالم النسيان، وعاد كاردينال من المنفى ينشد
يا نيكاراغوا
دون حرس وطني
أرى الفجر الجديد!وقد غلب الطابع الإنساني على شعر هذا الشاعر واستمع إليه كيف يخاطب الوطن في صورة المحبوبة:
يوم أخبروني بأنك تعشقين آخر
ذهبت إلى غرفتي
وكتبت ضد الحكومة
هذه القصيدة
التي بسببها أنا الآن معتقل
فالحديث عن كاردينال شيق وممتع ويجد القارئ نفسه في أشعاره.
- هل لك أن تحدثنا عن تلقي فلسطين في الشعرين الإسباني والأمريكي اللاتيني المعاصرين؟
• تجتمع الصفتان في صفة واحدة، فنقول الشعر الهسباني. وليكن الأمر كذلك. دعنا نعود إلى التأكيد ما ذكرنا من قبل من تلاقي التجربة الإنسانية في إطارها الشمولي، فمأساة فلسطين هي أفظع جريمة اقترفت في حق الإنسانية بكل المقاييس ومن هنا يتأتى حضورها عند كل إنسان يحس بقيم الحق والخير والجمال، ومن هنا أيضاً كان حضور فلسطين قوياً في أشعار أولئك الشعراء الذين عاشوا الظلم والقهر في لحمهم النيء وشردوا من أوطانهم بسبب مواقفهم الإنسانية وتمسكهم بالإنسان قيمة لا يمكن مقايضتها أو التخلي عنها. فخذ على سبيل المثال ما يقوله الشاعر الأرجنتيني خوليو أُواسي:
إما أن يكون للفلسطينيين وطنهم
أو لا يكون هناك وطن لأيِّ كان
من هنا جاءت فلسطين في أشعار شعراء هسبان مثل كارلوس ألباريث وخابير بيان وخوليو بيليث وداسو سالديبار وديموديس داثا وبدرو غودينيث وغيرهم تصرخ في وجه القتلة والغاصبين أن ردّوا الحقوق لأصحابها قبل فوات الأوان صاغرين!
- يتميز أسلوبك من خلال ما استمعنا إليك بالتوجه للمستمع كما لو كنت تحاول موضعته في بؤرة الفكرة التي توجهه إليها فهل هذا صحيح؟
• نعم، وإن كنت عن غير قصد أقوم بذلك فإنها العادة المستعصية في أستاذ محاضر قضى شرخ الشباب في التوجه إلى طلابه أو إلى جمهور تتباين مواقفه ومستوياته.
وقد أزعم بأن معظم كتاباتي قد ولدت على ضفاف هذه التجربة وبخاصة تلك التي تعالج موضوع المقاومة، فكتاب إرنستو كاردينال هو ثمرة معرفتي بالشاعر والتقائي به وإعجابي بشخصه إنساناً ومبدعاً، ومن هنا قد أكون في محاولتي تصويره قد خلقت له صورة فصلتها كما أريدها عبر قراءاتي الشخصية لأشعاره، دون أن أعير انتباهاً كبيراً لثناء النقاد عليه إنساناً ومبدعاً وثائراً. وعلى ذلك قس، فكتاب ((رحماك إسبانيا خلصيني من هذا العذاب)) هو خلاصة دورة دراسية ألقيتها على طلبة قسم الأدب الأمريكي اللاتيني في جامعة لاهافانا بكوبا، وكذلك ((استدعاء الأندلس في الأدب الفلسطيني الحديث)) فهو نتاج تجربة امتدت عبر الجامعات العربية والفلسطينية والإسبانية وأنا أعتقد أن الكتابة هي رسالة الكاتب إلى قارئه أو مستمعه، وللإقناع الموضوعي المتوازن دور كبير في توصيلها.
- في الثقافة العربية اليومية يسيطر هاجس حضور العنصر العربي على الثقافة الإسبانية والأمريكية اللاتينية، فما هي أبعاد هذا الهاجس وتقييمك لها؟
• الثقافة العربية ثقافة إنسانية قدمت للعالم أرقى نماذج الفكر إنسانيةً ونجاعةً، والعنصر العربي ليس غريباً عن العالم الهسباني، فما زالت التجربة الأندلسية حقيقة حضارية وإنسانية تتلمذ عليها الغرب في حضارته المعاصرة. وبعيد سقوط آخر الحواضر الأندلسية عمدت محاكم التفتيش إلى تصفية الأندلس عرقياً ودينياً فحملت أكثر من مليون أندلسي إلى أمريكا اللاتينية. وبتجاوز التأثير الطبيعي للثقافة العربية على كتاب أمريكان لاتين أقحاحٌ، ففي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين هاجر إلى العالم الجديد أكثر من مليون عربي من بلاد الشام وحدها: سوريا ولبنان وفلسطين، عرفهم العالم الجديد باسم ((الأتراك)) وهو ما يضفي بظلاله على الحياة الثقافية في هذه القارة، ويُغني نسيجها الإثني والعقيدي. ففي البرازيل وحدها اليوم يتجاوز عدد البرازيليين العرب أو من أصل عربي الإثني عشر مليوناً. وفي تشيلي والأرجنتين وكولومبيا وأمريكا الوسطى أعداد أقل من ذلك لكنها تقدر أيضاً بالملايين.
وفي بعض هذه الأقطار تلاحقت الأجيال العربية حتى أن بعضها اليوم قد نسي لغته العربية ولكنه لم ينسَ جذوره الإثنية والقومية والتراثية. وهذا الواقع ينعكس على عشرات الشعراء من أصل عربي في أمريكا اللاتينية، والذين نتطلع إلى تقديم مجموعة منهم قريباً للقارئ العربي، في كتابنا ((فلسطين في الشعر الهسباني المعاصر))، ومنهم مبدعون أعلامٌ في الأدب الهسباني.
- من خلال تجربتك الشخصية مع الثقافة الهسبانية نقلتَ العديد من النصوص إلى العربية، فكيف تقيّم عملية الترجمة من الإسبانية إلى العربية والظروف المحيطة بها؟
• للترجمة أسسها ودوافعها. ومن المألوف أن تكون الترجمة من لغة أقوى وأشد حضوراً على المستوى الثقافي والعلمي والتداول العالمي إلى لغة أخرى أقل منها حضوراً على المستويات نفسها، وهنا تسهل عملية النقل وتغدو أمراً طبيعياً في سياق قانون الحاجة. أما عندما تكون اللغتان متقاربتان في حضورهما فإن النقل من إحداهما إلى الأخرى يصبح ثقيلاً ويحتاج إلى دوافع إضافية لكي يأخذ مجراه الطبيعي ولو في أدنى حدوده. ومن هنا يتوقف الاهتمام بترجمة الأدب الهسباني إلى العربية عند مستويات شخصية وبصورة عشوائية، ولم يحدث الاهتمام به بصورة ملحوظة إلا بعد أن طارت شهرة أدباء هسبان لسبب أو لآخر في الآفاق، ومع ذلك فمعظم ما نقل عن الإسبانية إلى العربية نقل عبر لغة وسيط وكذلك ما نقل من العربية إلى الإسبانية.
http://www.fm-m.com/2005/Oct2005/story26.htm