المناقشة:
ذهبت كتب التفسير إلى أن المقصود بالمثل في الآية (41) من سورة العنكبوت هو أن مثل المشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله يرجون نصرهم ونفعهم ورزقهم عند حاجتهم إليهم ويتمسكون بهم في الشدائد كمثل العنكبوت في ضعفها اتخذت بيتا ضعيفا لا يغني عنها شيئا عند حاجتها إليه (الطبري وابن كثير وآخرون).
وذهب بعض المفسرين إلى أن الأولياء المقصودين هنا هم الأصنام والأوثان (زاد المسير في علم التفسير للجوزي)،
وبمراجعة المواضع التي ذكرت بها كلمة أولياء في القرآن الكريم نجد أن الآيات نصت على ذكر الأولياء في أغلب المواضع (20 من أصل 33) على أنهم من الأحياء، كما فصل سابقا ولم تنص أي من آيات القرآن الكريم على أن الأولياء يكونون من الأوثان والأصنام،
وهذا يتوافق على معنى كلمة أولياء ومعنى الولاية، كما وردت في لغة العرب حيث تعني الولاية النصرة وهي تشعر بالتدبر والقدرة والفعل، والولي هو المحب والصديق والنصير، وهذه الأفعال والتصرفات لا تصدر عن جماد.
وبمراجعة الحقائق العلمية الحديثة عن نسيج العنكبوت ومسكنه نجد أن العلم الحديث يظهر بما لا يدع مجالاً للشك أن نسيج العنكبوت يعد من أقوى الأنسجة الطبيعية حيث يتصف بالمرونة والصلابة التي تفوق صلابة الحديد الصلب وأن بيت العنكبوت المادي بمعنى المسكن يعد من أقوى المساكن حيث يستطيع إيقاف نحلة تفوق حجم العنكبوت مرات عديدة وتطير بسرعة فائقة بدون أن يصيبه تلف أو تمزق.
وعلى ذلك فإني أرى ـ والله أعلم ـ أنه من غير الراجح أن المقصود ببيت العنكبوت الذي وصفه القرآن بأنه أوهن البيوت هو شبكة العنكبوت التي يتخذها سكنا ومصيدة لفرائسه.
بل لعل المقصود ببيت العنكبوت ـ والله أعلم ـ أسرة العنكبوت التي هي بحق أَوْهَى الأسر ترابطا وتآلفا، كما بيّنّا. وقد ذكرنا أن العرب استخدمت كلمة (بيت) بمعنى امرأة الرجل وعياله.
وقد أثبت العلم الحديث أن العلاقة الأسرية بين العناكب علاقة تحكمها المصلحة حتى إذا انقضت المصلحة انقلبوا أعداء يقتل بعضهم بعضا كما فصّل سابقا، ولا تجتمع هذه الخصال السيئة والعلاقات الهشة في أي بيت لمخلوق آخر مما يجعل بيت العنكبوت بمعنى المرأة والأولاد هو أوهن بيوت المخلوقات قاطبة.
وإذا قبلنا أن المقصود في الآية الكريمة هذا المعنى للبيت، أي بمعنى العلاقات الأسرية، فإن وصف القرآن الكريم له بأنه أوهن البيوت يتطابق مع ما بينه الله تعالى لعباده من خلال ملاحظات العلم الحديث لحياة العناكب. ويكون وجه الشبه في المثال المضروب في القرآن الكريم واضحا جدٌّا حيث إن الذين يتخذون من دون الله أولياء إنما يتخذونهم لمحاولة تحقيق مصالح دنيوية حتى إذا تحققت هذه المصالح انقلبوا أعداء، إما في الدنيا أو في الآخرة، يقول تعالى: (الأَخِلآَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلاَّ المُتَّقِينَ) (الزخرف الآية 67) وهذه العلاقة المؤقتة والمصلحة الآنية تنطبق على العنكبوت وأهل بيته كما ذكرنا.
ومن ناحية أخرى:
إذا نظرنا إلى وجه الشبه في المثل المضروب بين الذين اتخذوا من دون الله أولياء ـ وأوليائهم وبين العنكبوت وبيتها بمعنى المسكن، نجد أن الفرق كبير فالعلاقة بين الذين اتخذوا من دون الله أولياء وأوليائهم هي علاقة بين أحياء وهي علاقة محبة وصداقة ونصرة وذلك تحقيقا لمعنى الولاية. أما العلاقة بين العنكبوت وبيتها المادي بمعنى المسكن فهي علاقة بين كائن حي وجماد فلا تتحقق الولاية بمعنى الصداقة والنصرة لعدم قدرة الجماد على التدبر والقدرة والفعل.
وتتجلى في هذه الآيات صورة من صور الإعجاز العلمي للقرآن الكريم فهذه الحقائق عن بيوت وحياة العناكب لم يتم اكتشافها إلا حديثا وهي تصف بدقة واقع حال بيت العناكب على أنها أوهن البيوت حيث أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة قبل أكثر من ألف سنة من اكتشافها.
وعند النظر إلى آخر الآية المذكورة نجد أنها ختمت بقوله تعالى (لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ) وهذا يوحي بأنهم لم يكونوا يعلمون المقصود لأن هذه الحقيقة العلمية لم تكن معروفة للبشر وقت نزول القرآن الكريم.
وفيما يمكن أن يؤخذ على أنه إيحاء آخر على أن المقصود بالمثل يختلف عن المعنى الظاهر ما جاء في الآية التي تلي المثل وهي قوله تعالى: (وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إلاَّ الْعَالِمُونَ) (العنكبوت الآية 43)، جعلنا الله وإياكم منهم.
هذا والله أعلم وأصلي وأسلم على رسول الله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
___________________
"بقلم د. صلاح رشيد
منقول
عن موقع الإعجاز العلمي في القرآن والسنة "