الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة > قسم الرواية

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 16-02-2026, 11:17 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
عبدالكريم قاسم
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبدالكريم قاسم
 

 

 
إحصائية العضو







عبدالكريم قاسم غير متصل


افتراضي الامتداد الأخير....

الامتداد الأخير

في صباحٍ بلا شمس، كانت القاعة تشبه بطن وحشٍ حجريّ، يبتلع الكرامة كما يبتلع الأسرار.
وقف الحاكم أمام سيّده، عدوّ الشعب خانعاً مطأطئ الرأس؛ لا ملامح له إلا ما يُلقى عليه.

قال بصوتٍ مدرَّب على الطاعة:
— أنا طوع أمرك يا سيدي.

لم يرفع السيّد رأسه فورًا. ظلّ يقلّب أوراقاً لا يُعرَف إن كانت قرارات أم أعماراً مؤجلة. ثم قال بهدوءٍ بارد:
— الطاعة كلمة ثقيلة… فلنختبرها.
وتوقّف لحظة قبل أن يضيف:
— انهق.

ارتجف في صدر الحاكم شيء خائر، لكنه لم يسمح له أن يبلغ وجهه. فتح فمه، وأطلق صوتاً قصيراً، خشناً، خرج متردداً كأنه يعتذر عن نفسه.

تقلّصت شفتا السيّد، بدا عليه الامتعاض.
— هذا صوت بغل.
ثم اقترب منه، حتى صار أنفاسهما تتقاطع:
— الحمار أطول نفساً… وأعلى صوتاً. إن أردت أن تُرضيني، فانهق كما ينبغي.

أخذ الحاكم نفساً عميقاً، حتى امتلأ صدره، وأطلق نهيقاً طويلاً، ممتداً، متصلاً، حتى ارتجت الجدران وسقطت الصور المعلقة عليها. كان الصوت هذه المرة أكثر ثباتاً، أقل خجلاً، ولكنه بعث في نفس السيّد ارتياحاً شديداً.

أشار السيّد بيده أن يكف.
دار حوله ببطء، كمن يتفقد سلعة قبل اقتنائها، يربت على كتفه، ثم قال:
— لا تزال واقفاً كأنك رجل.
— كيف أكون كما تريد؟
— على أربع.

تردّد القلب لحظة، لكن الجسد انحنى بخنوع سريع.
لامست كفاه الأرض، وشعر بأن البلاط أقرب من اللازم إلى وجهه.
نهق مرة أخرى، وكان الصوت هذه المرّة أكثر طواعية، كأن الحنجرة بدأت تفهم دورها الجديد.

ابتسم السيّد نصف ابتسامة عريضة، خبيثة، تعبر عن عدم الرضى.
— ينقصك شيء.
رفع الحاكم رأسه من وضعه المنحني:
— ماذا يا سيدي؟
اقترب السيّد وهمس:
— ينقصك ذنباً… فبعضُ الناس لا يكتمل خضوعهم حتى يكون لهم ما يدلّ على أنهم خُلقوا ليتبعوا.

ساد صمتٌ ثقيل.
قال الحاكم، محاولاً أن يتشبث ببقايا منطق بعدما فقد العزة:
— لا أستطيع أن أخلق لنفسي ذنباً يا سيدي.

ضحك السيّد، ضحكةً خفيفة بلا دفء:
— ومن طلب منك أن تخلق؟ نحن نصنع ما يلزم.

دخل رجال بوجوهٍ بلا تعابير، ثبّتوا له ذنباً، أحكموا ربطه، حتى صار امتداداً طبيعياً لظهره الذي اعتاد الانحناء. وحين تحرّك، اهتزّ الذنب بانسجامٍ مريب، يتلوى كما ذيل البقر حين يهشّ الذباب عن مؤخرته.
قال السيّد:
— انهق.

فنهق نهيقاً عاليًا، كأنه يترنم بموال من تراث وطنه المسلوب.
هذه المرّة لم يكن الصوت مجبراً أو متكلفاً، بل انساب مع الوقت والمكان انسياب الماء في الجداول، كأنّه استعاد هيئته التي طالما انتظرها.

اقترب السيّد أكثر وقال:
— أريد شعبك كلّه أن ينهق لي كما تنهق أنت.

توقّف الحاكم. عاد إليه شيءٌ من الحساب.
— لن ينهقوا لك مباشرة، يا سيدي.

اشتدّ وجه السيّد واقتضب:
— ولماذا؟

قال الحاكم، وقد عاد صوته إداريًا بارداً:
— سيرفضون في البداية. لكن إن جعلتهم ينهقون لي أولاً، فسيتعلّمون الصوت. وحين يألفونه… لن يسألوا لمن يصل.

نظر إليه السيّد طويلاً، ثم ابتسم:
— لهذا اخترتك.

مرّت الأيام.
امتلأت الساحات بأصواتٍ متشابهة بضجيج يستحسنه الحاكم.
في البدء، كان النهيق خافتاً متردداً، فيه شيء من الخجل.
ثم ما لبث أن طال النفس وتصاعدت النبرات، واخذ القوم الذين حوله يتدربون على سيمفونية النهيق باحتراف، حتى إذا ذهبوا للعامة، وجدوا في النهيق نغمة تطربهم، ليغدو إهزوجة الحصادين والغلابة.

ثم صار الناس يتباهون بطول الصوت وقوّته، ويرتبون الأمسيات التي تمجد النهيق في أشعارهم، ويقيمون حفلات ساهرة يتنافس فيها الناهقون، وتهتز خصور الغواني بنشوة… وكل من لم ينخرط في النهيق صار شاذّاً، خصماً للظلال، غريباً على الصوت الذي صار لغة الجميعاً.

وقف الحاكم على شرفة قصره، يستمع إلى الجموع تهتف باسمه… أو تنهق باسمه.
كان الذنب خلفه يهتزّ بخفّة، يتراقص، وكأن الطاعة نفسها صارت موسيقى المكان.

فتح فمه ليخطب فيهم، أراد أن يقول كلمةً بشرية واحدة، لكن الذي خرج من فمه كان نهيقاً.
تجمّد. حاول مرة أخرى.
نهيق.
لم يعد يعرف كيف تُنطق الكلمات، وفي تلك اللحظة فُتح باب القاعة القديمة، دخل السيّد بوجهه البارد ذاته.
نظر إلى الحاكم طويلًا، ثم قال بهدوء:
— لقد نجحت. لم تعد تحتاج للتظاهر.

ثم أشار بيده نحو الساحة.

في الأسفل، كانت الجموع لا تزال تنهق…
لكنها هذه المرّة لم تكن تنظر إلى القصر.
كانت تنظر إلى بعضِها.

ولم يعد أحدٌ يعرف…
من بدأ النهيق أولاً،
ولا لمن يصل الصوت الآن.






 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 07:46 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط