القياس المنطقي والطاوية
عاش الإغريق القدامى قدرا من الحرية والثقافة في حين عاش معاصروهم في ظل حكم فردي مطلق، حيث كانت إرادة الملك هي القانون، فكان الإغريق يتمتعون بالفعالية الشخصية، الإحساس بأنهم مسؤولون عن حياتهم، واقترن ذلك بالنزعة الفردية، أي أنهم أفراد متميزون لهم صفاتهم وأهدافهم كما في الأوديسة والإلياذة، مما أدى إلى إذكاء تراث الجدل.
فكانت القضايا الكبرى والمسائل العامة موضوع مناقشة دون سلطة علوية، وكان الفضول المعرفي هو الخاصية الفريدة التي تخدم البشر عندهم، وكانوا يقضون وقتهم في رواية الجديد أو الاستماع إليه.
التناغم هو المقابل الصيني عند الإغريق، فكل صيني هو عضو في جمع أو عدد من الجمعيات، العشيرة والقرية ثم الأسرة خاصة، ولم يكن الفرد وحدة لها كيانها وذاتيتها المتفردة وسط أوضاع اجتماعية، وهذا لا يعني أنهم كانوا لا حول لهم ولا قوة، وإنما كان لديهم حس بالفعالية الجمعية، والمنظومة الأخلاقية الكونفوشيوسية، التي تعبر عن الالتزامات المتبادلة بين الإمبراطور والرعية، وبين الآباء والأبناء والزوج والزوجة.
وتفوقت الحضارة الصينية على حضارة الإغريق ثقافيا، فهم أصحاب الاختراع الأول، وإنجازاتهم تعكس عبقرية الممارسة العملية، وليس الولع بالنظريات العلمية والبحث العلمي.
يعتبر المخطط في الفلسفة اليونانية (الإغريقية) أهم ما فيها، ويتمثل في النظر إلى الموضوع باستقلال باعتباره المحور الصحيح للانتباه والتحليل، وتعتبر الصفات قاعدة لتصنيف الموضوع، وتصبح الفئات التي يصنف إليها الموضوع قاعدة أو قانونا، وهم يفهمون الأحداث باعتبارها نتائج لسلوك الموضوعات وفقا للقواعد والقوانين.
وقد عني الإغريق بالعلاقات الإنسانية ولكن دون أن تكون لها الصدارة لديهم كما هي عند الصينيين، وكان الاعتقاد في الفلسفة اليونانية أن العالم سكوني غير متغير، وقد رأى أرسطو أن الأجرام السماوية لا تتحرك، وبالرغم من أن الأحداث تجري والحركة تقع إلا أن جوهر الأشياء عديم التغير.
أما التوجه الصيني إزاء الحياة فتشكل بفضل مزيج من ثلاث فلسفات مختلفة هي الطاوية والكونفوشيوسية، وبعد فترة طويلة البوذية، وأكدت كل من هذه الفلسفات على التناغم وأعاقت التأمل الفكري المجرد.
فالموقف الأساسي لدى الشرقيين إزاء الحياة هو أن العالم دائم التغير وزاخر بالمتناقضات، ولكي يفهموا وصفا يتطلب ذلك وجود النقيض، وما يبدو حقا ربما يكون نقيضا لما بدا في ظاهره أول الأمر، وعلامة الطاوية التي تعني الطريق أو السبيل للوجود مع الطبيعة والبشر، تتألف من قوتين متعارضتين (بيضاء وسوداء) فالتعاسة تناقضها السعادة.
وكان كونفوشيوس فيلسوفا أخلاقيا اهتم بالعلاقات الصحيحة بين الناس، مثل مبدأ الوسط الذهبي (عدم الإفراط في الشيء) وامتزجت الطاوية بالكونفوشيوسية التي تبنت التقدير العميق للتناقضات والتحولات في الحياة البشرية، والنظر إلى الأشياء باعتبارها كلا واحدا، ثم استوعب الصينيون الجوانب الملائمة من البوذية، واتفقت التوجهات الثلاثة بالاهتمام بالتناغم الهرموني والنظرة الكلية للأمور والتأثير المتبادل بين كل الأشياء في الوجود.
يتبع ...