|
|
|
|||||||
| منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا.. |
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||
|
بقلم أحمَد العربي/ العراق. و أخيراً، تخترق الطائرة سماء واشنطن. من فوق إرتفاع هائل شاهدَ معالم المدينة و تمتم بسريرته: عاصمة الإمبراطورية الجديدة المحتكرة للحرية و السلام. الساعة ترنو إلى العاشرة و الربع صباحاً، إذ بدت السماء باردةً نقيّة و شديدة الزرقة و التوهج، كأن ذرات الضوء قد تجمدت على إمتداد الأفق المحدودب. مقعد واحد يفصله عن السيدة العجوز النحيلة، ذات الملامح القوقازيّة و العينان الزرقاوتان القاسيتان. بدت له غير مبالية بشيء طيلة الرحلة، بل على النقيض تماما؛ كانت بعالمها الخاص، غارقة بين وهاد كتاب مجلّد بجلد بقرة، إذ تبدو بأنها قد قرأته لمرات كثيرة حتى فقدت مغزى التركيز بقرائتها، و تحولت القراءة لحالة آلية تتم بمجرّد وقوع العين على كلمة منه، لتتِم هي باقي الجملة بشفاه خرساء متحركة بسرعة و عينان زائغتان بكل الإتجاهات. لم يفاتحها بأي موضوع، رغم ميل البشر للثرثرة بأسفارهم، إنما تشاغل بتأمل تعرجات اليابسة من تحته. الواقع أنه صنف إنطوائي من البشر، إذ لا تثيره أدنى رغبة للثرثرة مع الغرباء أو الثرثرة بحد ذاتها. أنهم يثيرون شكوكه دوما و يقضّون سكينة وحدته و لحظات تأمله الفكري البطيئة. كانت الطائرة قد بدأت بخوض سلسة من الإرتجاجات، منذرة ببدء هبوطها نحو المطار. و كعادة الأمريكيين المُملّة، ألتفتت العجوز إلى أقرب شخص منها- هو- لتسمعه تعليقها الذي يخفي قلقها: أنه يقود الطائرة كحيوان هائج. ابتسم على نحو أحمق، موحياً إياها بأنه سائح إيطالي- كما يتوقعونه عادة- لا يتقن الإنجليزية. لكن السيدة تابعت حديثها، بعد أن أسندت الكتاب إلى حضنها، و قالت بأن خدمات الطيران سيئة للغاية بسبب الإرهاب، و أنها لا تفهم لماذا على الشعوب الحرّة أن تعاني من همجية شعوب بربرية معتدية؟ يجب علينا، أكملَت، أن نتعامل معهم بحزم أكبر. تأملتهُ منتظرة أي إشارة للتجاوب من لدنه، و إن كانت إيمائة رأس حتى، و كان هذا ضروريا لمتابعة الخُطبة المتفجعة التي أبدأتها. قال بإنجليزية محطمة تماماً: -معذرة.. لغتي سيئة للغاية. -لا مشكلة إطلاقا. زفرَت بإنزعاج إثر الهزة القوية بعد ملامسة الطائرة لأرض المطار، و تابعت بذات اللهجة الفاقدة لصبرها: -كان علينا أن نسيطر على كلّ بلدانهم و أن نبني حول مدنهم جدراناً عازلة كتلك التي بنيت في اسرائيل. و هنا أبتسمت فجأة و أخرجت صورة من بين صفحات الكتاب الذي مازال بين يديها: -هاكَ أنظر.. أنها أبنتي و تعيش في إسرائيل.. أذهبُ لزيارتها. -أها.. -نعم، لكنني مستاءة لسفري إلى مكان محاط بالعرب.. جموع الهمج هذه. -العرب؟ -ماذا, ألم تسمع بهم؟ أبتسم بخبث و هو يراقب باب الطائرة الذي فُتح أخيراً: -لا.. لا أعرفهم.. ليس فعليا أقصد. نهضت لتنزل حاجياتها من الصندوق المحاذي لرأسها، و قالت بينما تسحب حقيبة كبيرة نسبيا: -أنهم شعب التناقضات.. أقوى الشعوب حيناً و أضعفها بحين آخر, رغم أنني لا أعتقد بأنهم كذلك الآن.. و هم أفقر الشعوب حينا و أغناها بحين آخر, لكنما الصفة الأهم برأيي- و مسحت زاويتي فمها بوسطاها و إبهامها- أنهم شعب مجهول للأغلبية في العالم.. يمكنك أن تقول حقا أنهم الأفقر حظاً بكل البحوث التأريخيّة المعاصرة حتى أنني لا أكاد أضمن أن هناك من سيتذكرهم بعد قرون من الآن.. و المضحك أنهم لا يكتبون عن تأريخهم بلغات أجنبية و لا يكترثون، و مامن أحد من المؤرخين الغربيين يود الكتابة عنهم، و إن فعل أحدهم فأنه يلمح لوجودهم بمادة أخرى أساسيّة... -حقا؟ -أكيد..أنهم كما العاصفة الهوجاء التي لا غنى عن ذكرها في أسطورة البحارة الشجعان، و لكن هل من أحد يتسائل أيّ عاصفة قد واجهت أولئك البحارة؟ لا أعتقد لأن المهم هو تغلّب البحارة على العاصفة التي لا ترمز إلّا لكونها عامل طبيعي كريه، و هذا .. حسب إعتقادي.. هو موقف المؤرخين الغربيين من العرب و حروبهم مع دولة إسرائيل و مواقفهم المناهضة للرؤى الإستعماريّة المعاصرة. -الإستعماريّة؟ -يا سيدي لنقل إستعماريّة ثقافيّة، و ما المشكلة؟ أفضل العهود على أوروبا و الأمم هو العهد الإستعماري.. لا تكن بعقلية شعوب العالم الثالث رجاءً. كانت ماتزال تحدثه و هي تسحب حقيبتها في أروقة المطار المكتظ، سائرة لجانبه بجهد نسبة لخطواته السريعة و بدت كأنها تطارده. -إنني أحدثكَ لأن فيَّ شعور خفي يوحي بأنك يهودي. -و كيف ذاك؟ -يبدو أن إنجليزيتك قد تحسنت فجأة لدرجة إستعمال صيغ سؤال بليغة! -يروقني أن أكون الطرف المستمع أحيانا. -تبدو شابا ذكيا.. و لكن لم تسألني لماذا أخالك يهوديّا؟ -و لمَ؟ -ملامحك.. بشرتك الصافية البياض.. شعرك الأسود.. قامتك، عيناك، شكل شفتيك، لونهما.. كل ما بك يهودي صرف. -ألا يمكن أن تكون هذه ملامح عرب أو إيطاليين حتى؟ أقصد، ها أنت يهوديّة و لكنك شقراء و ذات مخائل قوقازية. توقفا عند المصعد المؤدي للطابق الأرضي للمطار. أبتعدت عنه لشراء شيكولاته ساخنة ريثما يصل دورهما لبلوغ المصعد، و رفعت كأسها قرب البائع نحوه، مشيرة برغبتها بشراء كأس أخرى له إن وافق، لكنه نفى بإشارة من رأسه. عادت مكملة الحوار وسط رشفاتها الحذرة لسخونة الشراب: -و ماهي نقطتك؟ -إسرائيل دولة لشعب واحد لا؟ -أكيد. -و اليهود الحاليين هم بنو إسرائيل الذين هُجّروا من فلسطين منذ زمن بعيد وفق الزعم اليهودي لا؟ -بلى، و هو زعم صادق.. ما الذي تريد الوصول إليه يا سيدي؟ -لحظة.. قلنا أن بني إسرائيل شعب واحد لا؟ -حسنا.. و قلتُ أنا ما الذي تـ.... -و قلنا بأنك يهودية لا؟ -بلى.. أنا كذلك. -و لكنكِ تَرين بأنني أحمل صفاتً يهوديّة أليس كذلك؟ -نعم. قالتها مع رشفة سريعة و عيون ضجرة و هي تتأمل الصف الطويل أمامها. -فإذن، أنتِ شقراء قوقازيّة و أنا أبيض البشرة أسود الشعر و ذو ملامح ساميّة؟ -إذن؟ .. آسفة لإخبارك هذا لكنني بدأت أشعر بالضجر. -إذن.. من بيننا هو اليهودي حقا؟ -ألا يمكن أن يكون كلانا يهودياً؟ -كيف و لكلّ منا مخائل أمّة مختلفة تماما؟ تشنج وجهها بشكل خفيف, لكنما صوتها ما يزال محتفظا بنبرة أستاذة التأريخ الجامعية: -ألا تعتقد أن شعبنا قد أختلط بشعوب الأرض الأخرى مثلا؟ -ممكن فعلا، و لكن ألا يجعلكم هذا بحالة بُعد عن كونكم من سلالة واحدة صافية تعود لبني إسرائيل قبل ما يزيد عن ألفي عام؟ أستقلا المصعد و ساد صمت بينهما لسكينة من حولهم. توقفا ببوابة المطار بإنتظار دورهما بسيارات الأجرة. -أين كنّا؟ -بسؤالي عن مدى صلة الإسرائيليين بمن كانوا كذلك قبل أكثر من عشرين قرنا مضى. -حسنا.. نوعا ما نعم. -و هذا يدحض التوافق العرقي حقاً، و الذي بُنيت إسرائيل عليه لا؟ -الواقع لا، لأن إسرائيل دولة لكلّ يهودي و لا يشترط أن يحمل مواطنها عناصر وراثيّة محددة.. نحن لسنا دولة نازيّة متعصبة للعنصر الآري مثلا. -إذن فأساس فكرة بناء إسرائيل هي الشراكة الدينيّة فقط، و بهذا أنهينا إنتماء اليهود السامي الخالص و كونهم شعب ذا عرق واحد. -إلى أين تريد أن تصل؟ -لحظة.. هل يمكن أن نتفق أن إسرائيل دولة تكسب سكّانها إنتماءً وطنيّا وفق ديانتهم اليهوديّة؟ -نعم يمكن. -إذن فإن أيّ دولة تقام على أرض فلسطين هي دولة باطلة مالم تكن يهوديّة.. هذا إذا تذكرنا أن المواطنة الأولى لليهود فقط في تلك الأرض. -مؤكد أن أي دولة باطلة ما لم تكن يهوديّة. -لم؟ -لأننا ذوي شرعية بها.. سؤالك إستفزازي بالمناسبة. -عندي نقطة أود الوصول إليها واقعا. -أتمنى أن تصل إليها بسرعة. -هل يمكن أن توضحي مصدر التشريع لتهويد أرض فلسطين و جعلها وقفا لليهود؟ -التلمود و التوراة طبعا. -إذن فمن حق الهنود الحمر أن يطردوا الشعب الأمريكي الحالي و أن يستولوا على الأرض كلها. -رباه.. لمَ؟ -لأن الهندي الأحمر قد يؤمن أن الأرض الأمريكيّة.. أو أيّا كان أسمها عنده.. هي أرض موطن أجداده و ديانتهم. -هراء.. إن تنقلات الشعوب مستمرّة و إندماجها و تحولها لهي عوامل تأريخيّة مفهومة. كما أن هدم حضارة لإحياء أخرى قد أندثرت لهي جريمة شنيعة.. كمن ينتزع قلب طفل ما لإنقاذ آخر يموت، و النتيجة أنه أرتكب جريمة القتل لا محالة. إضافة إلى أننا لسنا مجبرين أو مطالبين بأن نؤمن بمقدساته هذه.. تباً.. كم يحملون الأديان من مصائب هي منها براء و كم... بترت كلماتها بشفرة دهشة خطفت إلتماعتها كل الحماس المتدفق في وجهها. قالت بعد أن رأته يبتسم بثقة: -أتقصد أن إسرائيل.... -نعم سيدتي.. تماماً. -تباً.. من أنت يا هذا؟ أأنت عربيّ؟ -و رقم بطاقتي خمسون ألفاً. ضحك ساخراً و هو يتجه إلى سيارة الأجرة، التي توقفت قريبا منه ببضعة أمتار، و لم يلتفت إليها مطلقا و إلى الأبد، كأنه رسول إلهي أنجز مهمته و مضى يصعد للسماء، و لم يعد يهمه مصير البشرية بشيء. السيارة دافئة و بهوائها رائحة خفيفة لمطاط محترق، و لقد تهاوى إلى المقعد الخلفي بصمت عميق، حتى أن صوت السائق بدى شديد الإزعاج بسبب وجوم المدينة المثلجة و الصمت المطبق داخل مربع السيارة. -إلى أين؟ -إلى هذا العنوان. سلّمه ورقَة صغيرة تحمل وجهته الأخيرة، و كان الصمت يطوقه كلما تقدمت السيارة إلى ذاك المكان. أنه حزين للغاية، شيء ما يتطاول بمعدته و يصعد إلى قلبه و يخنقه. و رأى وجهه جلياً على زجاج النافذة المغلقة: كان شديد الحزن و الندم. أنه شعورٌ مألوف عنده بعد كل محادثة أو مجاملة مع شخص غريب. كانت تلك "حماقات" لا يجب أن تُرتكب، خصوصاً مع أناس كتلك الصهيونية التي يمكنها أن تتبعه الآن، و ليس وحدها و إنما مع آخرين. "هُنا؟", قاطع أفكاره صوت السائق و هو يشدّ فرامله أمام بوابة حديديّة ضخمة لمبنى كلاسيكي، قد بُني بالثلاثينات من القرن العشرين. على الجانب الأيمن للباب، كُتبت لوحة نحاسية بالخط الكوفي: المنظمة العراقية لحقوق الإنسان. -من حضرتك؟ سأله صوت بالإنجليزيّة محمّلا بلكنة عراقية ثقيلة. كانوا قد رأوه بالكاميرات المخفية دون شك. -أنا حسن الجواهري، و عندي موعد مع المدير في الساعة الحادية عشرة و النصف. -نحن ننتظرك.. ستُفتح الباب كهربائيا بعد ثواني. أخترق الممر الضيق- الذي وضعت على جانبيه صور مربعة صغيرة لنباتات فراتيّة- و صعد الدرجات الوئيدة الخمسة و صافح موظف الإستقبال، الذي هبّ مصافحاً بحركة لم تكن موجودة بموظفي حكومة الجمهوريّة الأولى. و من خلفه بدت خارطة العراق هائلة، بألوان ذهبيّة و خطوط كثيرة مع مواقع بحار النفط و الغازات و المعادن التي في أعماقه. "نائبة المدير تنتظرك منذ يومين"، قال له هذا و هو يتقدمه و يستحثه للسير إلى مكتب نائبة المدير. الحقيقة أنه لطالما ظنّ بأن نائبة المدير سيدة في الثلاثينات من العمر، بسبب المراسلة القصيرة التي تمت بينهما لأجل العمل، لكنه ألفى فتاتا بعمره أو أصغر بشعر ذا حمرة كامدة كحبات رمان يانع، بعيون واسعة على نحو ملفت و سوداء بكحل شرقي، بإبتسامة واسعة و بشفة سفلى متدلية قليلا بحزن دفين. و ما إن رأته حتى أنهت الإتصال الذي كانت في غماره و تنحت عن مكتبها لتصافحه وجها لوجه و بعينيها دهشة أيضا: كلاهما كان مرتبكاً و متفاجأً بالآخر، و لكلّ منهما أسبابه أيضا. -أستاذ حسن.. كم أنا سعيدة بلقائك أخيراً. شعر برطوبة في أذنيه خجلا، و مدّ يده بتردد لإنهاء المصافحة التي حرص أن تكون سريعة و لا تذكر. -أشكركِ يا أستاذة سوسن و لولاكِ لما كان هذا اللقاء ممكناً. -على الإطلاق.. عندما قرأت بحثك الفلسفي عن سير عمل المنظّمة و أهدافها و رؤيتك الشخصية لتطويرها، شعرتُ بأنني مطالبة بدعوتك لواشنطن للنقاش مباشرة مع المدير كي يهبك منصبا يؤهلك لتحقيق وجهات نظرك المفيدة. -أشكركِ جزيل الشكر. عادت لتجلس خلف مكتبها لتدرس بعض الملفات، لكنها كانت تبتسم نحوه بعد كل فقرة تقرأها. قالت دون أن ترفع رأسها عن الملف: -لن أدعوك لشرب شيء لأن الغداء قادم. -أشكركِ لكن هذا لن يكون ضروريا. -كلنا سنتغدى و لا يمكن أن تخرج دون غداء. -لكن.. -لا داعي للخجل.. كيف كانت رحلتك؟ -جيدة بشكلها العام. -ماذا حدث؟ -لا شيء يذكر.. نقاش مع امرأة صهيونيّة بالطائرة و المطار. -صهيونيّة؟ .. لم أسمع بالمصطلح منذ زمن طويل.. تبدو قوميا. -ليس القوميون وحدهم من يجب أن يطلق هذا اللقب على الغزاة..و بلى أنا عروبي محافظ.. و أنتِ؟ سألها بإبتسامة وديّة و لم يخفى عليه أن وجهها أحمر خجلا أو توتراً: -أنا من أب آشوري مسلم و أم بريطانية مسلمة كذلك. -هذا يفسر ملامحك إذن. -حقا؟ قالتها مع ضحكة مرحة و هي تتجه بكامل إنتباهها نحوه. أرتبك هو بأعماقه و أيقن أنه تورط بمحادثة أخرى غير محببة مع شخص غريب. -أعني أن حُمرة شعركِ لها علاقة بدماء الساكسون مثلا. -فقط؟ أقصد ، و ضحكت كفأرة، لاشيء من العراق؟ -عيناكِ آشوريتان.. لا نقاش في هذا سيدتي. -كيف؟ عندها أدرك أنها أكتشفت توتره و أنها تستدرجه لغزل خفي بها، و لذا أكسب صوته صرامة أكاديميّة بحتة و هو يشرح. -العُنصر الآشوري له تأثير على الوجه العراقي و الذات العراقيّة أيضا، و أعتقد أن تمييز الملامح الآشورية سهل بعد رصد عينان واسعتان للغاية و ذوات سواد فاحم. -هذا جميل، لكن لماذا تبدو مرتبكا لهذه الدرجة؟ كأنك متورط بحوار خطير؟ -أنا؟ أرجعت كرسيها الفخم لتريح أقدامها، و أنفلتت تضحك بقوة- الأمر الذي أثار إستيائه الخفي- و هي تمسح عينيها بمنديل ورقيّ. -كما ترى.. لقد أفسد الضحك زينتي. -إذن فتقبّلي عظيم أسفي يا سيدتي. هزّت رأسها, و هي تلفّ بأحدى خصل شعرها الأحمر بين أصابعها، نافية جوهر المحاورة كلّها و شرحت بأنها تفعل هذا لتقلّص الرسميّات معه- و هذا يدلّ على جهل مرير بطبيعته المتماسكة كدرع محارب- و أنها متفاجأة بشكله أيضا. -كيف..كيف؟ سألها بشرود و هو يتأمل لوحة لعشتار و هي تعرض حبها على جلجامش. -لا أدري كيف واقعا, لكنما وجهك يحمل خاتماً محددا لا يمكن أن يكون إلّا ما يكونه الآن..وجه رجل عربي من أرض السَواد. أعاد حسن الجواهري الحوار لشكله الرسمي بجملة خافتة كأنه يحدث ذاته. -أنني متأكدٌ بأننا سنبذل جهدنا لأجل العراق. -و الأمّة العربيّة؟ -ما بها؟ -ألن تبذل لها شيئا بوصفك عروبيّا محافظاً؟ -كلّ شيء سيكون على ما يرام. كانت جملته هادئة أبويّة و مطويّة على كل تناقضات الدنيا، فيمكن أن تكون هروبا بائسا من محاورة، تصميما خفيّا، تحديا، جنونا، أو أيّ شيء آخر. لكنما أبدا, إنما أبداً أبداً، لم يخالطها الريب بأنها جملة عاديّة. شيء ما حرك كلّ إنتباهها نحوه، و ألفت ذاتها تفكر بالرجال فجأة. كامرأة، كان الرجال الأقوياء المناضلين يلفتون إنتباهها دوما، و هذا- ربما- أشد ما يحببها بالرجال الشرفاء المخلصين. "الشرفاء"، شددت على الكلمة بأعماقها و هي تستذكر أن الشرفاء عادة ما ينتصرون، رغم كل هستريا الجنون بهذا العالم، و ذا التأريخ يشهد: ألم يربط قراصنة قذرين يوليوس قيصر إلى صخرة بشاطيء البحر و لم يكن سوى رجل بائس بعد؟ ألم يكن قادة مشهورين و مصلحين عظماء سوى عاملي بناء أو كادحين بأول حياتهم؟ نعم، كلّ شيء جائز. كانت تهمهم لنفسها بأن كل شيء جائز، و سألها حسن الجواهري عما تعنيه، فقالت: -ما معنى بأنها ستكون على ما يرام؟ ماذا عن الأقليات؟ -نحن سنوحد الأغلبيّة العربيّة بثقافة عربيّة مكتوبة و منطوقة، لكننا لن نمحق حق الآخر باللغة و الثقافة، إذ يمكنهم الدراسة و التحدث و التفاهم بلغتهم وفق النظام الفيدرالي الذي سيسمح لهم بسن قوانينهم حتى شريطة أن لا تتعارض مع الدستور الفيدرالي للدولة. ثم أن يكون المرء عروبيّا هو بأن يشترك بمدلولات ثقافيّة محددة يكون الدين و المصير و التأريخ المشترك أهم أجزائها، أما القوميّة العربية فهي قومية من قوميّات لا أكثر، و يمكن لدولة عروبيّة أن تضم عدة قوميّات عربيّة و كرديّة و آشوريّة و غيرها. -دولة مواطنة إذن؟ -نعم, لكنما الأساس أقوى من مجرّد المصلحة العامة. -ماذا ستسميها؟ -الجمهورية المتحدة.. الجمهورية العربية المتحدة... جمهورية الشرق.. أي أسم .. أي أسم. -و الشعار هو من الخليج إلى المحيط لا؟ -لا طبعا، فنحن نريد دولة ذات موارد قوية بغض النظر عن إمتداد أراضيها. -و هذا يعني؟ -يعني أننا سنعمل على تأسيس إتحاد يشمل العراق و الشام و مصر و الخليج و ربما ليبيبا. -فقط؟ -و لماذا نريد أكثر و أغلب تلك الشعوب المحيطة لا تعترف بإنتمائها الثقافي للمشرق و لا تتكلم العربيّة تقريبا؟ إضافة لإفتقارها للموارد الإقتصاديّة المساعدة لبناء دولة جديدة. ربما بعد عقود سنقبل بإنضمامها للإتحاد بحال الإستفادة منهم. ابتسمت بمرارة، كأنها ترثي لحاله، لكنها لم تتمالك سوى الإستهزاء بنفسها أمام يقينه و إشعاع عينيه أثناء الكلام. أعقبت مغيّرة دفة الحوار لجهة الرسميات و أسباب زيارته. -لقد قرأ المدير سيرتك الشخصية.. -جميل. -نعم، و لقد ذكرت أن حكومة الجمهورية الأولى قد أعدمت أعمام لك. -هما أثنان بلى، لكن أين المشكلة؟ -أنه منتمي أسبق للحزب الحاكم آنها.. أقصد أنه أنزعج لتلك المعلومات. كاد في تلك اللحظة أن يقول بأنه لا سبب لهذا المدير أن يكون هنا أصلاً، و أن عليه أن يكون بمكان ما خلف القضبان بدلاً من توليته منصبا رفيعاً كهذا. إلا أنه صمت، مبتسماً بهدوء بتلك الإبتسامة الصغيرة التي تشكل درعاً منيعاً، يحمي روحه من التلف المباشر. أشارت سوسن إلى صالة مؤاربة لمكتبها، طالبة منه بأن ينتظر المدير ليقابله. تابع |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 2 | |||
|
أتجه للصالة بخطوات محسوبة، و سال خيط من العرق خلف أذنه. أنه متوتر للغاية، فالعمل هنا يعني كلّ شيء له، لأسرته، لدراسته، و لأحلامه بما فيها تلك الشبه ميتة. القاعة فسيحة و ذات جدران عالية للغاية، تتوسطها طاولة إجتماعات تتسع لثلاثين فرداً. و على الجدران رُسمت لوحات زيتيّة لعراقٍ ما، لعراق لم يعد موجوداً إلا بقلوب أهله، بعد أن مسحت الحروب بلادهم. رأى بعيون حالمة لوحة لغروب شمس صارخ بحزنه و بساطته، و ظلال امرأة تقود زورقاً من زوارق الأهوار، و قريبا منها بدت جبال الشمال بأشجار اللوز و البلوط، بينما راحت عصبة من الفتيات الكرديّات الجميلات يقطفن الأزهار الجبليّة من على السفح. و من بعدها بدأت صورا للمدن الكثيرة بأزمان كانت عامرة فيها، و رأى صورة لفنان يغمس ريشته بشريان معصمة القاطر دما، و هو يرفع ريشته إلى الأمام، كأنه يرسم من يراه. لقد بدى كارثيا بالحزن المتكدّس على وجهه كرفات حيوانات تعود لماقبل التأريخ، قد تمزّقت بفعل الزمن و شكّلت وجها آدميّا. |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 3 | |||
|
الليل رحب و هاديء في أحياء واشنطن الراقية، و كان يسير مصغيا لأفكاره و التي تسير هي الأخرى، بذهول حزين و برغبة عارمة للبكاء تحت لحاف هذا الليل، المخلوط بنور مائع للنجوم، لا يكاد يلحظ كما الأحلام البريئة وسط الشجون. آه لكم يحب النجوم، لكم يثق بها، ربما لأنه يراها رمزا للخلود، إذ أنها تشع بنور ماضيها الذي يصلنا. قد تكون ميتة الآن، لكنما- ورغم ذلك- هاهي تشع. و ماذا عنه؟ و ماذا لو مات حتى؟ من سيهتم؟ منذ ذاك اليوم الذي أُبعِدت عنه حبيبته حتى تحول لوحش هائج، يريد النجاح بأي ثمن كي يعود إليها يوما. و هاهو، يسير تحت مطر خفيف، بمدينة منعزلة و حزينة مثله، متوحدة مثله، و باكية مطرا مثله. كان يبكي بأعماقه ذكراها، و ذكراه أيضا، لأنه أضاع من يكون هو حقا من دونها. كانت المرارة تغتصب أنفاسه، ففي كل ليلة من ليالي عمله بمضخة البنزين، كان يبكي بصمت و حرقة أثناء عودته إلى منزله أبان الفجر. كانت دموع غزيرة حارقة و مخلوطة بصلاة و دعاء مريرين إلى الله كي يعيدها له. بأحد المرات كاد يموت طحنا تحت شاحنة هائلة، و هو يقود سيارته المتواضعة بعد أن أغرورقت عيناه دمعا سدّ الرؤيا عليه. |
|||
|
![]() |
|
|