الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 19-02-2006, 12:15 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
أحمد الجميلي
أقلامي
 
إحصائية العضو







أحمد الجميلي غير متصل


افتراضي وجـــــــــهٌ عـــــــــــــــــربي

بقلم أحمَد العربي/ العراق.

و أخيراً، تخترق الطائرة سماء واشنطن. من فوق إرتفاع هائل شاهدَ معالم المدينة و تمتم بسريرته: عاصمة الإمبراطورية الجديدة المحتكرة للحرية و السلام. الساعة ترنو إلى العاشرة و الربع صباحاً، إذ بدت السماء باردةً نقيّة و شديدة الزرقة و التوهج، كأن ذرات الضوء قد تجمدت على إمتداد الأفق المحدودب. مقعد واحد يفصله عن السيدة العجوز النحيلة، ذات الملامح القوقازيّة و العينان الزرقاوتان القاسيتان. بدت له غير مبالية بشيء طيلة الرحلة، بل على النقيض تماما؛ كانت بعالمها الخاص، غارقة بين وهاد كتاب مجلّد بجلد بقرة، إذ تبدو بأنها قد قرأته لمرات كثيرة حتى فقدت مغزى التركيز بقرائتها، و تحولت القراءة لحالة آلية تتم بمجرّد وقوع العين على كلمة منه، لتتِم هي باقي الجملة بشفاه خرساء متحركة بسرعة و عينان زائغتان بكل الإتجاهات.

لم يفاتحها بأي موضوع، رغم ميل البشر للثرثرة بأسفارهم، إنما تشاغل بتأمل تعرجات اليابسة من تحته. الواقع أنه صنف إنطوائي من البشر، إذ لا تثيره أدنى رغبة للثرثرة مع الغرباء أو الثرثرة بحد ذاتها. أنهم يثيرون شكوكه دوما و يقضّون سكينة وحدته و لحظات تأمله الفكري البطيئة. كانت الطائرة قد بدأت بخوض سلسة من الإرتجاجات، منذرة ببدء هبوطها نحو المطار. و كعادة الأمريكيين المُملّة، ألتفتت العجوز إلى أقرب شخص منها- هو- لتسمعه تعليقها الذي يخفي قلقها: أنه يقود الطائرة كحيوان هائج.

ابتسم على نحو أحمق، موحياً إياها بأنه سائح إيطالي- كما يتوقعونه عادة- لا يتقن الإنجليزية. لكن السيدة تابعت حديثها، بعد أن أسندت الكتاب إلى حضنها، و قالت بأن خدمات الطيران سيئة للغاية بسبب الإرهاب، و أنها لا تفهم لماذا على الشعوب الحرّة أن تعاني من همجية شعوب بربرية معتدية؟ يجب علينا، أكملَت، أن نتعامل معهم بحزم أكبر. تأملتهُ منتظرة أي إشارة للتجاوب من لدنه، و إن كانت إيمائة رأس حتى، و كان هذا ضروريا لمتابعة الخُطبة المتفجعة التي أبدأتها. قال بإنجليزية محطمة تماماً:

-معذرة.. لغتي سيئة للغاية.

-لا مشكلة إطلاقا.

زفرَت بإنزعاج إثر الهزة القوية بعد ملامسة الطائرة لأرض المطار، و تابعت بذات اللهجة الفاقدة لصبرها:

-كان علينا أن نسيطر على كلّ بلدانهم و أن نبني حول مدنهم جدراناً عازلة كتلك التي بنيت في اسرائيل.

و هنا أبتسمت فجأة و أخرجت صورة من بين صفحات الكتاب الذي مازال بين يديها:

-هاكَ أنظر.. أنها أبنتي و تعيش في إسرائيل.. أذهبُ لزيارتها.

-أها..

-نعم، لكنني مستاءة لسفري إلى مكان محاط بالعرب.. جموع الهمج هذه.

-العرب؟

-ماذا, ألم تسمع بهم؟

أبتسم بخبث و هو يراقب باب الطائرة الذي فُتح أخيراً:

-لا.. لا أعرفهم.. ليس فعليا أقصد.

نهضت لتنزل حاجياتها من الصندوق المحاذي لرأسها، و قالت بينما تسحب حقيبة كبيرة نسبيا:

-أنهم شعب التناقضات.. أقوى الشعوب حيناً و أضعفها بحين آخر, رغم أنني لا أعتقد بأنهم كذلك الآن.. و هم أفقر الشعوب حينا و أغناها بحين آخر, لكنما الصفة الأهم برأيي- و مسحت زاويتي فمها بوسطاها و إبهامها- أنهم شعب مجهول للأغلبية في العالم.. يمكنك أن تقول حقا أنهم الأفقر حظاً بكل البحوث التأريخيّة المعاصرة حتى أنني لا أكاد أضمن أن هناك من سيتذكرهم بعد قرون من الآن.. و المضحك أنهم لا يكتبون عن تأريخهم بلغات أجنبية و لا يكترثون، و مامن أحد من المؤرخين الغربيين يود الكتابة عنهم، و إن فعل أحدهم فأنه يلمح لوجودهم بمادة أخرى أساسيّة...

-حقا؟

-أكيد..أنهم كما العاصفة الهوجاء التي لا غنى عن ذكرها في أسطورة البحارة الشجعان، و لكن هل من أحد يتسائل أيّ عاصفة قد واجهت أولئك البحارة؟ لا أعتقد لأن المهم هو تغلّب البحارة على العاصفة التي لا ترمز إلّا لكونها عامل طبيعي كريه، و هذا .. حسب إعتقادي.. هو موقف المؤرخين الغربيين من العرب و حروبهم مع دولة إسرائيل و مواقفهم المناهضة للرؤى الإستعماريّة المعاصرة.

-الإستعماريّة؟

-يا سيدي لنقل إستعماريّة ثقافيّة، و ما المشكلة؟ أفضل العهود على أوروبا و الأمم هو العهد الإستعماري.. لا تكن بعقلية شعوب العالم الثالث رجاءً.

كانت ماتزال تحدثه و هي تسحب حقيبتها في أروقة المطار المكتظ، سائرة لجانبه بجهد نسبة لخطواته السريعة و بدت كأنها تطارده.

-إنني أحدثكَ لأن فيَّ شعور خفي يوحي بأنك يهودي.

-و كيف ذاك؟

-يبدو أن إنجليزيتك قد تحسنت فجأة لدرجة إستعمال صيغ سؤال بليغة!

-يروقني أن أكون الطرف المستمع أحيانا.

-تبدو شابا ذكيا.. و لكن لم تسألني لماذا أخالك يهوديّا؟

-و لمَ؟

-ملامحك.. بشرتك الصافية البياض.. شعرك الأسود.. قامتك، عيناك، شكل شفتيك، لونهما.. كل ما بك يهودي صرف.

-ألا يمكن أن تكون هذه ملامح عرب أو إيطاليين حتى؟ أقصد، ها أنت يهوديّة و لكنك شقراء و ذات مخائل قوقازية.

توقفا عند المصعد المؤدي للطابق الأرضي للمطار. أبتعدت عنه لشراء شيكولاته ساخنة ريثما يصل دورهما لبلوغ المصعد، و رفعت كأسها قرب البائع نحوه، مشيرة برغبتها بشراء كأس أخرى له إن وافق، لكنه نفى بإشارة من رأسه. عادت مكملة الحوار وسط رشفاتها الحذرة لسخونة الشراب:

-و ماهي نقطتك؟

-إسرائيل دولة لشعب واحد لا؟

-أكيد.

-و اليهود الحاليين هم بنو إسرائيل الذين هُجّروا من فلسطين منذ زمن بعيد وفق الزعم اليهودي لا؟

-بلى، و هو زعم صادق.. ما الذي تريد الوصول إليه يا سيدي؟

-لحظة.. قلنا أن بني إسرائيل شعب واحد لا؟

-حسنا.. و قلتُ أنا ما الذي تـ....

-و قلنا بأنك يهودية لا؟

-بلى.. أنا كذلك.

-و لكنكِ تَرين بأنني أحمل صفاتً يهوديّة أليس كذلك؟

-نعم.

قالتها مع رشفة سريعة و عيون ضجرة و هي تتأمل الصف الطويل أمامها.

-فإذن، أنتِ شقراء قوقازيّة و أنا أبيض البشرة أسود الشعر و ذو ملامح ساميّة؟

-إذن؟ .. آسفة لإخبارك هذا لكنني بدأت أشعر بالضجر.

-إذن.. من بيننا هو اليهودي حقا؟

-ألا يمكن أن يكون كلانا يهودياً؟

-كيف و لكلّ منا مخائل أمّة مختلفة تماما؟

تشنج وجهها بشكل خفيف, لكنما صوتها ما يزال محتفظا بنبرة أستاذة التأريخ الجامعية:

-ألا تعتقد أن شعبنا قد أختلط بشعوب الأرض الأخرى مثلا؟

-ممكن فعلا، و لكن ألا يجعلكم هذا بحالة بُعد عن كونكم من سلالة واحدة صافية تعود لبني إسرائيل قبل ما يزيد عن ألفي عام؟

أستقلا المصعد و ساد صمت بينهما لسكينة من حولهم. توقفا ببوابة المطار بإنتظار دورهما بسيارات الأجرة.

-أين كنّا؟

-بسؤالي عن مدى صلة الإسرائيليين بمن كانوا كذلك قبل أكثر من عشرين قرنا مضى.

-حسنا.. نوعا ما نعم.

-و هذا يدحض التوافق العرقي حقاً، و الذي بُنيت إسرائيل عليه لا؟

-الواقع لا، لأن إسرائيل دولة لكلّ يهودي و لا يشترط أن يحمل مواطنها عناصر وراثيّة محددة.. نحن لسنا دولة نازيّة متعصبة للعنصر الآري مثلا.

-إذن فأساس فكرة بناء إسرائيل هي الشراكة الدينيّة فقط، و بهذا أنهينا إنتماء اليهود السامي الخالص و كونهم شعب ذا عرق واحد.

-إلى أين تريد أن تصل؟

-لحظة.. هل يمكن أن نتفق أن إسرائيل دولة تكسب سكّانها إنتماءً وطنيّا وفق ديانتهم اليهوديّة؟

-نعم يمكن.

-إذن فإن أيّ دولة تقام على أرض فلسطين هي دولة باطلة مالم تكن يهوديّة.. هذا إذا تذكرنا أن المواطنة الأولى لليهود فقط في تلك الأرض.

-مؤكد أن أي دولة باطلة ما لم تكن يهوديّة.

-لم؟

-لأننا ذوي شرعية بها.. سؤالك إستفزازي بالمناسبة.

-عندي نقطة أود الوصول إليها واقعا.

-أتمنى أن تصل إليها بسرعة.

-هل يمكن أن توضحي مصدر التشريع لتهويد أرض فلسطين و جعلها وقفا لليهود؟

-التلمود و التوراة طبعا.

-إذن فمن حق الهنود الحمر أن يطردوا الشعب الأمريكي الحالي و أن يستولوا على الأرض كلها.

-رباه.. لمَ؟

-لأن الهندي الأحمر قد يؤمن أن الأرض الأمريكيّة.. أو أيّا كان أسمها عنده.. هي أرض موطن أجداده و ديانتهم.

-هراء.. إن تنقلات الشعوب مستمرّة و إندماجها و تحولها لهي عوامل تأريخيّة مفهومة. كما أن هدم حضارة لإحياء أخرى قد أندثرت لهي جريمة شنيعة.. كمن ينتزع قلب طفل ما لإنقاذ آخر يموت، و النتيجة أنه أرتكب جريمة القتل لا محالة. إضافة إلى أننا لسنا مجبرين أو مطالبين بأن نؤمن بمقدساته هذه.. تباً.. كم يحملون الأديان من مصائب هي منها براء و كم...

بترت كلماتها بشفرة دهشة خطفت إلتماعتها كل الحماس المتدفق في وجهها. قالت بعد أن رأته يبتسم بثقة:

-أتقصد أن إسرائيل....

-نعم سيدتي.. تماماً.

-تباً.. من أنت يا هذا؟ أأنت عربيّ؟

-و رقم بطاقتي خمسون ألفاً.

ضحك ساخراً و هو يتجه إلى سيارة الأجرة، التي توقفت قريبا منه ببضعة أمتار، و لم يلتفت إليها مطلقا و إلى الأبد، كأنه رسول إلهي أنجز مهمته و مضى يصعد للسماء، و لم يعد يهمه مصير البشرية بشيء. السيارة دافئة و بهوائها رائحة خفيفة لمطاط محترق، و لقد تهاوى إلى المقعد الخلفي بصمت عميق، حتى أن صوت السائق بدى شديد الإزعاج بسبب وجوم المدينة المثلجة و الصمت المطبق داخل مربع السيارة.

-إلى أين؟

-إلى هذا العنوان.

سلّمه ورقَة صغيرة تحمل وجهته الأخيرة، و كان الصمت يطوقه كلما تقدمت السيارة إلى ذاك المكان. أنه حزين للغاية، شيء ما يتطاول بمعدته و يصعد إلى قلبه و يخنقه. و رأى وجهه جلياً على زجاج النافذة المغلقة: كان شديد الحزن و الندم. أنه شعورٌ مألوف عنده بعد كل محادثة أو مجاملة مع شخص غريب. كانت تلك "حماقات" لا يجب أن تُرتكب، خصوصاً مع أناس كتلك الصهيونية التي يمكنها أن تتبعه الآن، و ليس وحدها و إنما مع آخرين. "هُنا؟", قاطع أفكاره صوت السائق و هو يشدّ فرامله أمام بوابة حديديّة ضخمة لمبنى كلاسيكي، قد بُني بالثلاثينات من القرن العشرين. على الجانب الأيمن للباب، كُتبت لوحة نحاسية بالخط الكوفي: المنظمة العراقية لحقوق الإنسان.

-من حضرتك؟

سأله صوت بالإنجليزيّة محمّلا بلكنة عراقية ثقيلة. كانوا قد رأوه بالكاميرات المخفية دون شك.

-أنا حسن الجواهري، و عندي موعد مع المدير في الساعة الحادية عشرة و النصف.

-نحن ننتظرك.. ستُفتح الباب كهربائيا بعد ثواني.

أخترق الممر الضيق- الذي وضعت على جانبيه صور مربعة صغيرة لنباتات فراتيّة- و صعد الدرجات الوئيدة الخمسة و صافح موظف الإستقبال، الذي هبّ مصافحاً بحركة لم تكن موجودة بموظفي حكومة الجمهوريّة الأولى. و من خلفه بدت خارطة العراق هائلة، بألوان ذهبيّة و خطوط كثيرة مع مواقع بحار النفط و الغازات و المعادن التي في أعماقه. "نائبة المدير تنتظرك منذ يومين"، قال له هذا و هو يتقدمه و يستحثه للسير إلى مكتب نائبة المدير. الحقيقة أنه لطالما ظنّ بأن نائبة المدير سيدة في الثلاثينات من العمر، بسبب المراسلة القصيرة التي تمت بينهما لأجل العمل، لكنه ألفى فتاتا بعمره أو أصغر بشعر ذا حمرة كامدة كحبات رمان يانع، بعيون واسعة على نحو ملفت و سوداء بكحل شرقي، بإبتسامة واسعة و بشفة سفلى متدلية قليلا بحزن دفين. و ما إن رأته حتى أنهت الإتصال الذي كانت في غماره و تنحت عن مكتبها لتصافحه وجها لوجه و بعينيها دهشة أيضا: كلاهما كان مرتبكاً و متفاجأً بالآخر، و لكلّ منهما أسبابه أيضا.

-أستاذ حسن.. كم أنا سعيدة بلقائك أخيراً.

شعر برطوبة في أذنيه خجلا، و مدّ يده بتردد لإنهاء المصافحة التي حرص أن تكون سريعة و لا تذكر.

-أشكركِ يا أستاذة سوسن و لولاكِ لما كان هذا اللقاء ممكناً.

-على الإطلاق.. عندما قرأت بحثك الفلسفي عن سير عمل المنظّمة و أهدافها و رؤيتك الشخصية لتطويرها، شعرتُ بأنني مطالبة بدعوتك لواشنطن للنقاش مباشرة مع المدير كي يهبك منصبا يؤهلك لتحقيق وجهات نظرك المفيدة.

-أشكركِ جزيل الشكر.

عادت لتجلس خلف مكتبها لتدرس بعض الملفات، لكنها كانت تبتسم نحوه بعد كل فقرة تقرأها. قالت دون أن ترفع رأسها عن الملف:

-لن أدعوك لشرب شيء لأن الغداء قادم.

-أشكركِ لكن هذا لن يكون ضروريا.

-كلنا سنتغدى و لا يمكن أن تخرج دون غداء.

-لكن..

-لا داعي للخجل.. كيف كانت رحلتك؟

-جيدة بشكلها العام.

-ماذا حدث؟

-لا شيء يذكر.. نقاش مع امرأة صهيونيّة بالطائرة و المطار.

-صهيونيّة؟ .. لم أسمع بالمصطلح منذ زمن طويل.. تبدو قوميا.

-ليس القوميون وحدهم من يجب أن يطلق هذا اللقب على الغزاة..و بلى أنا عروبي محافظ.. و أنتِ؟

سألها بإبتسامة وديّة و لم يخفى عليه أن وجهها أحمر خجلا أو توتراً:

-أنا من أب آشوري مسلم و أم بريطانية مسلمة كذلك.

-هذا يفسر ملامحك إذن.

-حقا؟

قالتها مع ضحكة مرحة و هي تتجه بكامل إنتباهها نحوه. أرتبك هو بأعماقه و أيقن أنه تورط بمحادثة أخرى غير محببة مع شخص غريب.

-أعني أن حُمرة شعركِ لها علاقة بدماء الساكسون مثلا.

-فقط؟ أقصد ، و ضحكت كفأرة، لاشيء من العراق؟

-عيناكِ آشوريتان.. لا نقاش في هذا سيدتي.

-كيف؟

عندها أدرك أنها أكتشفت توتره و أنها تستدرجه لغزل خفي بها، و لذا أكسب صوته صرامة أكاديميّة بحتة و هو يشرح.

-العُنصر الآشوري له تأثير على الوجه العراقي و الذات العراقيّة أيضا، و أعتقد أن تمييز الملامح الآشورية سهل بعد رصد عينان واسعتان للغاية و ذوات سواد فاحم.

-هذا جميل، لكن لماذا تبدو مرتبكا لهذه الدرجة؟ كأنك متورط بحوار خطير؟

-أنا؟

أرجعت كرسيها الفخم لتريح أقدامها، و أنفلتت تضحك بقوة- الأمر الذي أثار إستيائه الخفي- و هي تمسح عينيها بمنديل ورقيّ.

-كما ترى.. لقد أفسد الضحك زينتي.

-إذن فتقبّلي عظيم أسفي يا سيدتي.

هزّت رأسها, و هي تلفّ بأحدى خصل شعرها الأحمر بين أصابعها، نافية جوهر المحاورة كلّها و شرحت بأنها تفعل هذا لتقلّص الرسميّات معه- و هذا يدلّ على جهل مرير بطبيعته المتماسكة كدرع محارب- و أنها متفاجأة بشكله أيضا.

-كيف..كيف؟

سألها بشرود و هو يتأمل لوحة لعشتار و هي تعرض حبها على جلجامش.

-لا أدري كيف واقعا, لكنما وجهك يحمل خاتماً محددا لا يمكن أن يكون إلّا ما يكونه الآن..وجه رجل عربي من أرض السَواد.

أعاد حسن الجواهري الحوار لشكله الرسمي بجملة خافتة كأنه يحدث ذاته.

-أنني متأكدٌ بأننا سنبذل جهدنا لأجل العراق.

-و الأمّة العربيّة؟

-ما بها؟

-ألن تبذل لها شيئا بوصفك عروبيّا محافظاً؟

-كلّ شيء سيكون على ما يرام.

كانت جملته هادئة أبويّة و مطويّة على كل تناقضات الدنيا، فيمكن أن تكون هروبا بائسا من محاورة، تصميما خفيّا، تحديا، جنونا، أو أيّ شيء آخر. لكنما أبدا, إنما أبداً أبداً، لم يخالطها الريب بأنها جملة عاديّة. شيء ما حرك كلّ إنتباهها نحوه، و ألفت ذاتها تفكر بالرجال فجأة. كامرأة، كان الرجال الأقوياء المناضلين يلفتون إنتباهها دوما، و هذا- ربما- أشد ما يحببها بالرجال الشرفاء المخلصين. "الشرفاء"، شددت على الكلمة بأعماقها و هي تستذكر أن الشرفاء عادة ما ينتصرون، رغم كل هستريا الجنون بهذا العالم، و ذا التأريخ يشهد: ألم يربط قراصنة قذرين يوليوس قيصر إلى صخرة بشاطيء البحر و لم يكن سوى رجل بائس بعد؟ ألم يكن قادة مشهورين و مصلحين عظماء سوى عاملي بناء أو كادحين بأول حياتهم؟ نعم، كلّ شيء جائز. كانت تهمهم لنفسها بأن كل شيء جائز، و سألها حسن الجواهري عما تعنيه، فقالت:

-ما معنى بأنها ستكون على ما يرام؟ ماذا عن الأقليات؟

-نحن سنوحد الأغلبيّة العربيّة بثقافة عربيّة مكتوبة و منطوقة، لكننا لن نمحق حق الآخر باللغة و الثقافة، إذ يمكنهم الدراسة و التحدث و التفاهم بلغتهم وفق النظام الفيدرالي الذي سيسمح لهم بسن قوانينهم حتى شريطة أن لا تتعارض مع الدستور الفيدرالي للدولة. ثم أن يكون المرء عروبيّا هو بأن يشترك بمدلولات ثقافيّة محددة يكون الدين و المصير و التأريخ المشترك أهم أجزائها، أما القوميّة العربية فهي قومية من قوميّات لا أكثر، و يمكن لدولة عروبيّة أن تضم عدة قوميّات عربيّة و كرديّة و آشوريّة و غيرها.

-دولة مواطنة إذن؟

-نعم, لكنما الأساس أقوى من مجرّد المصلحة العامة.

-ماذا ستسميها؟

-الجمهورية المتحدة.. الجمهورية العربية المتحدة... جمهورية الشرق.. أي أسم .. أي أسم.

-و الشعار هو من الخليج إلى المحيط لا؟

-لا طبعا، فنحن نريد دولة ذات موارد قوية بغض النظر عن إمتداد أراضيها.

-و هذا يعني؟

-يعني أننا سنعمل على تأسيس إتحاد يشمل العراق و الشام و مصر و الخليج و ربما ليبيبا.

-فقط؟

-و لماذا نريد أكثر و أغلب تلك الشعوب المحيطة لا تعترف بإنتمائها الثقافي للمشرق و لا تتكلم العربيّة تقريبا؟ إضافة لإفتقارها للموارد الإقتصاديّة المساعدة لبناء دولة جديدة. ربما بعد عقود سنقبل بإنضمامها للإتحاد بحال الإستفادة منهم.

ابتسمت بمرارة، كأنها ترثي لحاله، لكنها لم تتمالك سوى الإستهزاء بنفسها أمام يقينه و إشعاع عينيه أثناء الكلام. أعقبت مغيّرة دفة الحوار لجهة الرسميات و أسباب زيارته.

-لقد قرأ المدير سيرتك الشخصية..
-جميل.

-نعم، و لقد ذكرت أن حكومة الجمهورية الأولى قد أعدمت أعمام لك.

-هما أثنان بلى، لكن أين المشكلة؟

-أنه منتمي أسبق للحزب الحاكم آنها.. أقصد أنه أنزعج لتلك المعلومات.

كاد في تلك اللحظة أن يقول بأنه لا سبب لهذا المدير أن يكون هنا أصلاً، و أن عليه أن يكون بمكان ما خلف القضبان بدلاً من توليته منصبا رفيعاً كهذا. إلا أنه صمت، مبتسماً بهدوء بتلك الإبتسامة الصغيرة التي تشكل درعاً منيعاً، يحمي روحه من التلف المباشر. أشارت سوسن إلى صالة مؤاربة لمكتبها، طالبة منه بأن ينتظر المدير ليقابله.



تابع






 
رد مع اقتباس
قديم 20-02-2006, 05:19 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
أحمد الجميلي
أقلامي
 
إحصائية العضو







أحمد الجميلي غير متصل


افتراضي

أتجه للصالة بخطوات محسوبة، و سال خيط من العرق خلف أذنه. أنه متوتر للغاية، فالعمل هنا يعني كلّ شيء له، لأسرته، لدراسته، و لأحلامه بما فيها تلك الشبه ميتة. القاعة فسيحة و ذات جدران عالية للغاية، تتوسطها طاولة إجتماعات تتسع لثلاثين فرداً. و على الجدران رُسمت لوحات زيتيّة لعراقٍ ما، لعراق لم يعد موجوداً إلا بقلوب أهله، بعد أن مسحت الحروب بلادهم. رأى بعيون حالمة لوحة لغروب شمس صارخ بحزنه و بساطته، و ظلال امرأة تقود زورقاً من زوارق الأهوار، و قريبا منها بدت جبال الشمال بأشجار اللوز و البلوط، بينما راحت عصبة من الفتيات الكرديّات الجميلات يقطفن الأزهار الجبليّة من على السفح. و من بعدها بدأت صورا للمدن الكثيرة بأزمان كانت عامرة فيها، و رأى صورة لفنان يغمس ريشته بشريان معصمة القاطر دما، و هو يرفع ريشته إلى الأمام، كأنه يرسم من يراه. لقد بدى كارثيا بالحزن المتكدّس على وجهه كرفات حيوانات تعود لماقبل التأريخ، قد تمزّقت بفعل الزمن و شكّلت وجها آدميّا.

على الجانب التالي للجدار، رأى صورا فوتوغرافيّة للحضارات الكثيرة التي مرت على وادي الرافدين. وجه راقصة بابليّة، كتابة سومريّة، قلعة آشوريّة، امرأة أكديّة، جرار عيلاميّة، أواني فارسيّة, سيوف و قصور عربيّة، و مساجد و مراقد مقدسة- حتى آخر الجدار- لأنبياء و قادة و أئمة و خلفاء. في زاوية تالية، رأى العلم العراقي بحجمه الهائل، مَهيبا بدماء الأجداد و الآباء و الأعمام الذين سقطوا تحت ظلّه. كانت المرة الأولى التي يرى علم بلاده أمامه بمكان ما، دون أن يرسمه بحزن و هو يحلم بيوم كهذا. مدّ يده نحو قماشه برهبة، كمن يلمس أكسيراً مقدّسا، و أرتعش بمجرّد ملامسته للعلم، في الوقت الذي تلفت يمنه و يسرة كي يتأكد من خلو الموظفين و قام بما أراده و بشدة طيلة سنوات: طبع قبلة خرساء مرتجفة على طرف العلم. تراجع خطوتين إلى الوراء، و جلس إلى كرسي وثير. نصف ساعة مرّت دون قدوم المدير، و أُلحِقَت بربع ساعة أخرى. خرج أخيراً من الصالة و هو يحمل ذاك الشعور الخطير الحزين بأعماقه، فألفى سوسن محمرّة الوجه خجلا و غضباً، فاركة أصابعها ببعض و هي تتأمله بطيبة.

-سامحني يا حسن.

"أسامح؟ و لم لا؟ فالكل يقسو و يتحامق و ينتظر السماح من حسَن.. و حسَن لا يملك سوى السماح.. لكن لا يفكر أحدهم بالكف عن القسوة للحظة.. لأن حسَن يسامح.. هاتَ لنرَ لماذا تطلب السماح الذي ستحصل عليه؟" كان يفكر بهذا إثر جملتها، و لما شعر أن صمته قد طال، تمتم ببساطة و حشرجة إنكسار مخفيّة بإبتسامة مرارة لم تعرف هي حقيقتها:

-على ماذا؟

-المدير يرفض مقابلتك، و إنما يفضّل أن يمازح سكرتيرته الأمريكيّة في الغرفة المؤاربة لمكتبه.. أعتذر.

فصد جبينهُ عرقاً إثر المهانة الواضحة، فهاهو المدير يرفض أن يوظفه و هاهي أحلامه تتحطم من جديد على ساحة جديدة.

-ما بك؟

سألته سوسن بقلق و بعينين تمسحانه بتساؤل لمنظره الشارد و هو يتأمل الأرض دونما شعور. لكن كيف؟ أسترى ضعفه؟ "إطلاقا" قالها بعنفوان كل رجال الشرق العظماء بداخله، و عوضا عن الضعف رأته يبتسم بتلك الطريقة الهادئة التي تخفي كلّ شيء خلفها، لكنما كان صوته متعبا و هو يجيبها:

-لا بأس.

-كيف؟ أنا من حملك على القدوم إلى هنا، أنا من جعلك تضيع وقتك..أنني آسفة يا حسن.

تأملها حسن بشفقة، أفلهذا هي حزينة؟ لو أنها تعرف حجم الخسائر حقا لكان حزنها جللاً إذن. لكنما هي الأمور هكذا دوما، لا أحد يعرف حجم الخسارة فيه، و الجميع يجلده ظنا منهم أنه سيحتمل، أنه سيصمد، أنه سيصبر، أنه سيجد عملا آخر، حياتا أخرى، لكنما أبدا: لو أنه أنهار، فمحال- إنما محالٌ محالٌ- أن يعود ذاك الإنسان النقي الذي يجلده الغير دونما رأفة، بينما يبتسم هو محتسبا و حريصا على مشاعرهم من ألّا تتثلّم. و مشاعره؟ "هه، لها الله يا سيّدي" كما يقولها لنفسه كلّما تألم. عاد يخاطب سوسن:

-لا عليكِ فهناك عمل آخر بإذاعة عربية، و لي قريب لوالدي يعمل هناك.

-حقا؟ ما أسمها؟

-هذا عنوانها.

-هذا هائل، فمرتبك سيكون عظيما هناك.. ستة آلاف دولار يا رجل.. أنه ما يتقاضاه المدير هنا.

-عظيم إذن... و هكذا سأعود للجامعة بدلا من المعهد الأقل تكلفة و سأساعد أسرتي و بعض الأصدقاء المحتاجين.

-رباه كم هي أخبار سارة.. لا تبخل بالأخبار فهاتفي عندك لا؟ أم أنك أضعته؟

-لا، مازلت أحمله... عليّ أن أمضي الآن لأستيقاف سيارة أجرة.

ودعها بيده و مضى. لم يكن المبنى بعيداً حقا، لكنه أحتاج لأكثر من نصف ساعة كي يدخل الباب المحروس جيدا، بعد أن نزل الشخص المُراد ليقابله، و كانوا قد أعلموه بوجوده منذ نصف ساعة تماما. أسمه عادل منصور، قريب ما لوالده عن طريق عمته المتزوجة خال هذا الشخص، و قال والده بأن عادل منصور من أسرة غنيّة و أنه رجل ناجح إذ أنهى دراسة الطب ثم العلوم العسكرية ببغداد، و هاهو الآن مدير قسم الإعلام العراقي بإذاعة هائلة.

-حسن؟

-نعم يا أستاذ عادل.. سعيد برؤيتك أخيراً.

-جيّد جدا.. أتبعني من فضلك.

-شكراً.

أخترقا الباب المحروس بكاميرات و رجال أمن، إذ تقدم عادل منصور المسير و خاطب حسن الذي يسير خلفه دون أن يلتفت إليه:

-لقد قرأت الأجزاء التي بعثتها إلي من روايتك بعد أن أرسلتها على البريد الأليكتروني.. عليّ أن أعلمك أنني لم أود أن اقرأها لأنني لم أعتقد أنك "نجيب محفوظ" مثلاً.

-ثم؟

-ثم أنني قرأت الصفحة الأولى و لم أستطع الفكاك من كلابتك.. كنت بحاجة لأن أنهي الصفحة تلو الأخرى دون رغبة بمفارقتها.

-هذا أمر يسعدني سماعُه.

-مؤكّد.. حسناً.. نحن الآن في داخل الإذاعة حيث سأختبرك.. مستعد؟

-إن شاء الله.

-ماذا يعني هذا؟

-أعني أنني مستعد.

-فهمت.. بالمناسبة لك جسد رياضي يذكرني برجال أسرتك السالفين.

أبتسم حسن بخجل، بينما أكمل الآخر:

-الرياضة و التحدي بدمائكم.. بالمناسبة كم عمٍّ قد أعدموا لك؟

-إثنان يا سيدي.

-هل وجدتم رفاتهما.

-نعم.. دُفنوا أحياء في مقبرة أبو غريب.

-فهمت.. حسنا هيا.. لنعد للعمل.. أمامك نَص باللغة الإنجليزية و عليك أن تترجمه و تصيغه بشكل أشد إختصاراً مع تفادي تكرار الأسماء.. عندك ثلاثة دقائق.

-بسم الله الرحمن الرحيم.

مرّ الوقت سريعاً، و بالكاد أنهى الكلمة الأخيرة للمقال عندما مدّ عادل منصور يده إليه طالبا تسليم المقال: هات لنرى. تأمل الورقة لوهله ثم نادى زميل له:

-أنظر يا سلمان.. هذا أول خبر يكتبه حسن بحياته.

-غير معقول.. هه.. هذا الشاب سيغدو مديرنا بسنتين أو ثلاثة..أنا سلمان من البحرين، سعيد بالتعرف عليك يا سيّد حسن.

مدّ يده مصافحا حسن، الذي وجد صعوبة بإخفاء إبتسامة السعادة على محياه.

-الساعة قد قاربت على الواحدة ظهراً.

-نعم يا سيّد عادل.

-هذا يعني أنك ستستمع لبرامج إذاعيّة على الإنترنت لغاية الساعة الخامسة مساءً حيث ينتهي الدوام.

-إن شاء الله.

-الواقع أن العمل بحاجة لكفاح منك لنيله، ذلك أننا قد وظّفنا فتاة عراقيّة أيضا و منذ يومين.

-أها.

-نعم.. و رغم أنها ليست بقوتك الأدبيّة أو نقاء صوتك و سكينته الأكاديميّة، إلا أنها تمتلك صوتا أنثويا مما خولها لأن تعمل قبلك دون أن ينتظر المدير قدومك لمقابلتكما معا و إمتحانكما.. كما تعرف.. الصوت الأنثوي مطلوب كمادة جذب للمستمعين.

-ربما.. لكن من هو المدير؟

-أنا، و أبتسم بثقة ثم أكمل، و الآن أستمع إلى البرامج.

هزّ حسسن رأسه ببرود علامة الموافقة، و راح يستمع للبرامج المملة و بعض التحليلات السياسية التي بدت له "صهيونيّة بأصوات عربية" ثم همس لذاته بسخرية: و ماذا ننتظر من حفنة من السُخفاء؟ هه، و بمجرّد أن نعترض على سوقيتهم و تأمركهم ينعتوننا بأننا أعداء الحضارة و أنصار كهوف تورا بورا، أي أنه لا يمكن الوصول لحل وسط بين دولة متشددة علمانيّا أو دولة متشددة دينيّا. لتذهبوا للجحيم فلن أعمل بإذاعتكم المنتنة. إن الإستماع لهذه البرامج قد حوّل الوقت إلى عربة تجرّها دودة حقل، و لم يصدق أذنيه عندما هزّ عادل منصور كتفه ليخبره أن الخامسة قد أزفت. دسّ عادل منصور حاسوبه المحمول بحقيبته، أرتدى معطفه الأسود الفخم، القفازات البنيّة الداكنة، ثم خاطبه و هو يتثائب:

-ملابسك لا تلائم برودة الليل الثلجي هنا.

-أظن ذلك أيضا.

-لكن عليّ أن أعترف أن لك ذوق غريب و راقي بملابسك.. فالبذلة الكلاسيكيّة السوداء و القميص الأسود و ربطة العنق السوداء أيضا.. كلها ترمز لدقة متناهية بتفاوت اللون الأسود بين قطعة و أخرى... أنه الكمال يا رجل.

-الكمال محال إدراكه بهذا العالم.. اللهم عدى معرفتنا بالكمال الرياضيّ.

-تبدو أفلاطونيا نوعا ما... و الأمر مدهش.

-لطرح رأي لأفلاطون؟

-بل لإهتمامك بالفلسفة.

أبتسم حسن بسخرية دفينة و أجابه:

-نعم.. عندي بكلاريوس فلسفة.

-حقا؟

قالها عادل منصور و هو يهزّ رأسه بشيء من اللاتصديق و ربما الإستخفاف حتى. غيّر الموضوع فورا لأنه لم يود الإصطدام بحوار مع شخص له باع بالفلسفة، فهزائم حواراته الفلسفية الماضية مازالت تؤرقه.

-هل أنتَ جائع؟

-قليلا.. أودّ لو تساعدني بحجز غرفة لليلتي هذه.

-قد نتعشى بمطعم فاخر..هل تشرب؟

-الخمرة؟

-تقصد "الكحول".. نعم.. هل تشرب الكحوليات؟

-لا... إطلاقاً.

-حسنا إذن، إتبعني.

سارا بخطوات مستعجلة بشوارع واشنطن، التي تجوبها نسمات شديدة البرودة لدرجة لا تطاق. أنعطفا يسرة بسرعة (إن وحش البرد يطاردهما) و نزلا سلّما متجهاً إلى قطار الأنفاق، و عندها بدى الطقس أشد رحمة داخل النفق.

-أنتبه جيدا للطريق من هنا لأنك ستعود وحدك غدا.

-لكن إلى أين نمضي؟

-ما بك خائف؟ ألست رجلا؟

-بلى يا رجل لكن عليّ أن أعرف أيضا.

لم يجبه بل دلف إلى القاطرة فتبعه حسن الجواهري و قد بدأ الإستياء واضحا على وجهه. سار القطار بسرعة هائلة فعاد حسن يسأله:

-هل نحن ماضيان لفندق ما؟

-لا.. نحن ماضيان إلى منزلي.. مادمت لا تشرب فلا فائدة من العشاء خارجا.. الشرب عندي أمر مهم بالعشاء خارج المنزل.

-و لكن يا أخ..

-ماذا؟

-كنت أودّ فعلا لو أنك أخذتني إلى فندق ما.

-الوقت قد تأخر و عليّ الذهاب لأطفالي و زوجتي.. ثم أن عليك أن تحجز مسبقا.

-سأتصل بسوسن كي تحجز لي خلال دقائق.

-من سوسن هذه؟

-أنها نائبة مدير المنظمة العراقيّة لحقوق الإنسان.

-تلك السوسن!

-ما بها؟

-لاشيء، لكنها فتاة ذات نفوذ رهيب.. والدها سياسي بارز بالحكومة الحالية و لها أعمام وكلاء وزارة و مفتشين عامين و قادة كبار بالجيش، و لعائلتها نفوذ مالي لا يطاق ببريطانيا و العراق و هنا حتى.. من أين تعرفتها؟

-لم أعرف عنها سوى أنها "سوسن" و لقد أتصلت بالمنظمة كي أقدم إقتراحات لتطوير العمل فيها..

-ثم؟

-ثم أعجِبت بالأفكار و دعتني للعمل، لكن المدير لم يقبل بتوظيفي رغم موافقته الأوليّة.

-و لهذا أتيت للإذاعة؟..على العموم.. تأخر الوقت و المنظمة مغلقة.

-أعطتني رقم هاتفها المحمول.

-حقا؟ يبدو أنها معجبة بك بلا شك.

-لا أظن يا سيدي فهي تحاول المساعدة لا غير.

-هذا شأنكما.

صمتا معاً و بقيا يصغيان لصوت سير القطار على سكته، فيما يتوقف الأخير بكل دقيقتين بمحطة ما.

-بماذا تفكر؟

-لا شيء..

أجابه حسن، لكن عادل أستطاع أن يحزر ما كان يدور بساحات أفكاره.

-نعم..ستة آلاف دولار شهريا لمبلغ ممتاز بالنسبة لشاب مثلك.. بل هو مبلغ هائل.. لا تخسره على بنات الهوى أو المقامرة.. ركّز على عشيقة واحدة.

-هذا لن يكون سببا مقلقا لي لأنني لا أمارس الجنس حاليا إذ أنتظر زواجي ممن أحبها.. سأغدق مالي على الدراسة و مساعدة أهلي و بعضا من المحتاجين من أصدقائي.

-هل تعمل حاليا؟

-نعم.. بمحطة لضخ البنزين؟

-غير معقول.. حقا؟

-نعم ياسيدي.. "حقا".

وصلا للمحطة المشودة، فنزلا و سارا بصمت عبر شوارع خالية. أعلمه حسن أنه يود الإتصال بسوسن بمجرّد الوصول إلى البيت.

-و لماذا لا تتصل بها الآن؟

-لا أمتلك هاتفا نقالا.

ضحك عادل منصور بتهكم واضح على إجابة حسن الجواهري، و الواقع أن الأخير لا يمتلك هاتفا نقّالا لأسباب ماديّة بحتة، و إنما لأنه يحب العزلة أيضا، و يرى بالهاتف رمزا للتدخل بنقاء الروح المتأملة. توقفا أخيرا أمام منزل عادل منصور، و دلف الأخير داره بينما أنتظر حسن خارجا ريثما يعلم زوجته و أطفاله. ثواني قطبيّة طويلة مرت حتى سمع حسن الدعوة للدخول، فدخل الدار مقطّب الحاجبين، يحسبه الرائي إستياء من البرودة الهمجيّة، إنما- واقعا- كان شعورا دفينا، هائلا و مدويا، بالسخط. جلس على أقرب أريكة، دون الإكتراث لرقي الأثاث، إنما مندهشا لخلو البيت من أي كتابة عربيّة و لا حتى كلمة "الله" (جلّ و على).

أتت زوجته من أحدى الغرف، و كانت شابة تصغره بكثير، الأمر الذي أثار سخطه – عندما يغضب فسخطه يطال كلّ كريه - على بعض تقاليدنا الإجتماعيّة الحمقاء، التي تقبل زواج المرأة من رجل يكبرها بعشر سنوات أو أكثر دونما أكتراث. لم يرها واقعا، إذ أنه أخفض نظره بأدب بمجرّد رؤيته لشبحها. حيّته بإقتضاب و مضت للمطبخ لأنجاز العشاء. خاطبه عادل منصور ببرود و هو يدعوه للمائدة:

-لن أخفي عليك، فنحن حاليا لم نعد نحتاج لمن يعمل معنا.

أكمل بعد أن تناول صينيّة الطعام من يد زوجته:

-هل تفهمني يا حسن؟

-القضية ليست بفهمي لك أو لا، و إنما بتقبل وقائع محددة من عدمها.

هزّ رأسه موافقا و كلّمه و هو يلوك قطعة من السمك المقليّ:

-الإعلام يخوض حربا ضد الإرهاب.

-أعرف.

-بالمناسبة يا حسن.. ما رأيك بما يحدث بالعراق؟

-من أية ناحية؟

-بشكل عام، و شرب قليلا من اللبن و أكمل، كيف ترى الأمور؟

-نحن نرضخ لأحتلال يا سيدي و...

-العفو؟

أحتدت لهجته فوراً، و عاد يسأله بلهجة محقق متمرّس:

-أي أحتلال هو هذا يا سيّد حسن؟

-الأحتلال الأمريكي~الساكسوني.

-من قال هذا؟ أنت؟

-بلى أنا قلته فالكلمة لي أولا لأنني مواطن عراقي، و من ثَم فإن قوانين الأمم المتحدة تصف أي دولة تسيطر على حكومة أخرى و لها جنود هناك بأنها دولة محتلة, و ..

-و ما العيب بإحتلال حررنا؟

-الشيء لا يعطي نقيضه بذات حالته يا سيّد عادل.

-هل من المفترض أن أفهم رموزك الفلسفيّة؟

-أقصد أن الحرارة لا يمكن أن تعطي برودة و حرارة بالوقت ذاته.

-ماذا يعني كل هذا؟

-يعني أن الإحتلال هو رمز للإستعباد، و الحرية نقيضة الإستعباد دوما. و هكذا فالإحتلال لن يعطي حريّة لأن هذا خطأ عقلاً.

-أسمح لي أن أخبرك بأن ما تتفوه به هو الهراء عينه.

كان قد وصل إلى حدّ الصراخ تقريباً، و لذا وجد حسن نفسه محرجا و مضطراً لأن يناور بقوة محددة لأنه لا يستطيع إستعمال كلّ مهاراته الفائقة الفذّة بالحوار لوجوده ببيت الرجل، و لعدم رغبته بإظهار عادل منصور بمظهر "الحمار" أمام زوجته، التي كانت تستمع للحوار بشغف، و هي تجلس إلى مقعد وثير و تراقب التلفاز المعدم الصوت. عاد حسن الجواهري يؤكد:

-إن الملاحظ لتأريخ المنطقة سيتأكد أن العراق هو البلد العربي الوحيد المالك لطاقات بشرية و باطنية هائلتين بين الدول العربية، فبينما تمتلك مصر طاقة بشرية هائلة و بالتالي عسكرية و لكنها تفتقد للثروات الباطنية التي تعد الأقل كلفة و الأسرع للتمويل و الضروريّة للتسليح، و بالجانب الآخر هناك الخليج العربي الذي يفتقد للطاقة السكانيّة و الصناعية و يعتمد على الموارد النفطية. العراق وحده من يمتلك جيشا قد ساد المنطقة لفترة و يمتلك ثاني أكبر إحتياطي نفطي بالعالم.

-ماذا يعني كلّ هذا.

-هذا يعني أن العراق يستطيع أن يطوّر جيوشه العظيمة و جحافله العملاقة من جديد لكي يؤسس ترسانة عسكرية عظيمة، و يمكنه أيضا أن يصبح الدول الأقوى بالشرق الأوسط من ناحية الإقتصاد و المشاريع الإجتماعيّة، و بالتالي سيتحول العراق لدولة قادرة على التوازن عسكريا مع الكيان الصهيوني و..

-الكيان الصهيوني..

-نعم هو كيان و محال أن يكون دولة مادام عندي رمق و ما دمت أؤمن بأن "قُدس" ستلد يوما..

-من قدس هذه؟

-لاشيء أنه مفهوم شخصي يطول شرحه، لكن لنعد لموضوعنا.

-هات..

-بتوازننا عسكريا مع كيان العدو فأننا سنسود المنطقة من جديد و المراحل التالية ستأتي.

-أي مراحل.

أبتسم حسن بهدوء و أجابه و هو يشرب قليلا من اللبن:

-كلّ شيء بوقته.

-و ما علاقة كل هذا بالإحتلال كما تسميه؟

-الإحتلال لن يسمح ببلوغ هذا كله.

-هراء.. أنت نوع أعرفه من الرجال يا حسن الجواهري.. عنيدين، شرسين، و لا يتوقفون إلا بعد أن يروا الموت نفسه.. لكني أود أن أخبرك لا أكثر، بأن حشد جيش عظيم غير وارد بالعراق.

-و لمَ؟ بالجمهورية الأولى حشدنا سبع فيالق كاملة و أسرائيل حشدت أربعة، أي تغلبنا عليها من ناحية العدد، و كنا يومها سبعة عشرة مليون نسمة و نحن اليوم ستة و عشرون مليون عراقيا بالعالم.

-و لماذا العراق يا رجل؟ هل أبتلينا بالأمة العربية لنقاتل طيلة عمرنا دونها.

-لأن العراق يمتّ للعرب، لأنه بوابة الشرق لوطننا الأكبر، لأنه موطن الإمبراطوريات و لأنه الهدف الصهيوني الأول و الأشد طمعا.

رمقه عادل منصور بحقد واضح:

-أنت.. أنت خطير جدا.. و لم أتخيل أن شخص ذو ملامح بريئة يمكن له أن يكون بهذا الدهاء.. أنت خطير.

-و لماذا؟ لأنني أريد المجد لبلادي؟

لم يجبه عادل منصور، و إنما حمل الطعام بعد أن أنتهيا تماما، و أعاد الموضوع لبدايته:

-إذن أنت مع هذه العمليات الأرهابيّة القذرة لا؟

-من فضلك..

-آسف..

-حسنا، لا لست معهم فهؤلاء طغمة تحاول العودة للسلطة أو ربما هم الموساد أو غيرهم حتى.. من يعرف أي شياطين تقتل شعبنا هي هذه؟ لكنها تبقي الإحتلال و الإضطراب لفترة أطول. أنهم يريدون تدمير مفصليات المجتمع العراقي، بعد أن يمزقونه أمنيا و أنت تسمع أن المخدرات و مواد الدعارة أصبحت تهرب للعراق بالأطنان.. أي أن هناك من يريد بناتنا مومسات و يريد رجالنا متأنثين يرقصون بالنوادي الليليّة. أتفهمني؟ يجب قمع هذا الشر لأجل العراق لا لأجل أي إنسان.

-و كيف تقمعهم؟

-القوة طبعا.. و إن لم تنفع القوة فمزيد من القوة. و أؤكد لك أننا سننتصر على أنصار الموساد و الإرهابيين.. لحمنا مرّ و دمائنا سمّ لمن يشربها... و إما الحياة بعزة أو ليأخذنا القبر.

-طبعا طبعا.. هراء أبو فراس الحمداني ذاته..

-أنا لم آخذ الكلام من أبو فراس الحمداني.. أنه ما أفكر به حقا. ألا تشعر بالمثل؟

لم يجبه، و كانت زوجته قد هربت من المواجهة متعللة بمساعدة أطفالها بتنويمهم. سأله عادل منصور بخبث:

-ألا تعتقد أن لهذا الإحتلال الفضل بإزالة الطاغية؟

-كلا، فهو من أتى به أصلا و هو من قواه علينا و قمعنا لثلاثة عقود من خلاله. و هو من حرَم العراقيين من حقوق الإنسان و كذلك أموالهم و حقوقهم الطبيعيّة و البسيطة.

-إذن فالإحتلال عندك بلا إحترام لحقوق الإنسان... و ماذا سأسمع أيضا؟ من يحشي هذي الأفكار برأسك بالمناسبة؟

-لا توجد حقوق إنسان و الدليل هو ما رأيناه بأبو غريب, و لا يوجد من يتلاعب بعقلي فأنا رجل بالغ راشد و أفهم الأمور.

-من عذبهم الإحتلال هم إرهابيون.

-و أفرض أنهم كذلك مثلا.. أليسوا بشرا لهم كرامة على الأقل لكي لا يدفعوا لممارسة الشذوذ و لكي لا تغتصب العذراوات و لا يجبرن على أرتكاب الشذوذ أيضا؟ ثم يا رجل، هم من قال أن 10% فقط من المحتزين مذنبين لا أكثر و ..
-و الباقين؟
-أخوة لمشتبه بهم أو أخوات أو أبناء.. أنها الأخلاق الإمبرياليّة.

-أتدافع عن الإرهاب؟

صرخ بقوة, فخرج صوت حسن بثبات:

-بل عن الإنسان أيّا كان أدافع، و هذا بصميم ديننا الإسلامي.. عن الذين يبكون حزنا أدافع.. عن أهلك و أخواتك أدافع.. عن أناسك يا عادل منصور.

-واضح أن والدك قد أنشأك على التشدد الأخلاقي.. قلّ لي ماذا سيحصل لو أن هناك مغتَصَبة تزوجت؟ هل الرجل الشرقي لا يرضى إلا بالعذراء؟ أي تفكير هو هذا؟ أين حقوق المرأة؟

-يا سيدي الأمر لا يرتبط بحقوق المرأة أو بحقوق الرجل بالدرجة الأولى، بل بحقوق الإنسان.. و كلا و أبداً الأمر أعمق مما تحسبه و أنت أعرف.

-لا داعي للإحتداد يا سيّد حسن.

-الواقع أنني متعب، لذا استأذنك.

-إلى أين؟

-لحجز غرفة بفندق ما.

-نم هنا..

-أبدا... أقصد، لا أريد إزعاجك.

ضحك بوجه أبله:

-أنه عملي فلا تنزعج من النقاش.

-لا تقلق فلست منزعجا، لكنني سأستريح بالفندق أكثر.

-كما تشاء.

تأمله عادل منصور كمن يتأمل تمثالا يعود لحقبة ما يجهلها، لكنه يعرف أنها كانت موجودة حقا. قال بأنه سيحجز غرفة لحسن، و أنه سيدفع أجر ليلة واحدة. لكنما كان رفض حسن قاطعا، و سلّمه مائة دولار و أستعد للمضي. تنحنح عادل منصور و تمتم:

-بأمر سوسن.

-ما بها؟

-أنها فتاة أرستقراطية و قد لا تكلمك لو أنها عرفت بطبيعة عملك.. لا تعتبر هذا إهانة خفيّة مني أرجوك.. أنني أحذرك.

-حقا؟

-نعم أنه الواقع.

-بلى هو دوما كذلك.

شيّعه عادل منصور إلى الباب، و كان يتأمله بعدوانيّة و مازال يبحث عن حقبة هذا الكائن.

-يؤسفني أنني لم أستطع أن أوظفك يا سيّد حسن.

-لا داعي للأسف .. المسألة مفهومة.

صافحه مرغما و مضى وسط الظلام، و تعلقت أنظاره بأنوار المحطة النائية. غمغم لذاته و بعد أن أبتعد عن دار عادل منصور: المسألة مفهومة بأكثر مما تتخيله أيها الوغد. كانت المسافة حيث المحطة طويلة نسبيا، الأمر الذي أدهشه، لأنه لم يلاحظ طول المسافة عند قدومه منها!


تابع







 
رد مع اقتباس
قديم 21-02-2006, 06:32 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
أحمد الجميلي
أقلامي
 
إحصائية العضو







أحمد الجميلي غير متصل


افتراضي

الليل رحب و هاديء في أحياء واشنطن الراقية، و كان يسير مصغيا لأفكاره و التي تسير هي الأخرى، بذهول حزين و برغبة عارمة للبكاء تحت لحاف هذا الليل، المخلوط بنور مائع للنجوم، لا يكاد يلحظ كما الأحلام البريئة وسط الشجون. آه لكم يحب النجوم، لكم يثق بها، ربما لأنه يراها رمزا للخلود، إذ أنها تشع بنور ماضيها الذي يصلنا. قد تكون ميتة الآن، لكنما- ورغم ذلك- هاهي تشع. و ماذا عنه؟ و ماذا لو مات حتى؟ من سيهتم؟ منذ ذاك اليوم الذي أُبعِدت عنه حبيبته حتى تحول لوحش هائج، يريد النجاح بأي ثمن كي يعود إليها يوما. و هاهو، يسير تحت مطر خفيف، بمدينة منعزلة و حزينة مثله، متوحدة مثله، و باكية مطرا مثله. كان يبكي بأعماقه ذكراها، و ذكراه أيضا، لأنه أضاع من يكون هو حقا من دونها. كانت المرارة تغتصب أنفاسه، ففي كل ليلة من ليالي عمله بمضخة البنزين، كان يبكي بصمت و حرقة أثناء عودته إلى منزله أبان الفجر. كانت دموع غزيرة حارقة و مخلوطة بصلاة و دعاء مريرين إلى الله كي يعيدها له. بأحد المرات كاد يموت طحنا تحت شاحنة هائلة، و هو يقود سيارته المتواضعة بعد أن أغرورقت عيناه دمعا سدّ الرؤيا عليه.

يعود للمنزل، يصلي الصبح بوجوم ثم يجلس على سريره مفكرا بها، محصيا ساعات عملها و ما يمكن أن تفعله الآن. يرى نفسه يبتسم فجأة لظنه أنها تلعق بعض الحساء بمغرفة الطعام ببيت أهلها، و لكنه يعود للأسى عندما يكتشف بأنه لا يعرف عنها شيئا، و كان هذا إحساسا مطبقا بالضياع. أنه لا يستطيع الإستمرار من دونها، و إن فعل فإنما سيكون شخصا مشوها غاضبا و حاقدا على الحياة. كلّ ما أراده بحياته هو قليل من حب و سلام، و أيضا، أن تحبه كثيرا و تتمسك به كضرورة لحياتها. كانت تصيبه حالات من الهلوسة، إذ يبدأ حوارا مع خيالها، و أنه ليعلم بأنه حوار لمواساة ذاته، لكنه فجأة ينسى العالم و ينشغل بالحوار حقا حقا! كأنها هناك فعلا، و أنه ليرفض حتى أن يُقاطع أثناء حواره معها. و كان يتمزق شفقة على حاله بعد أن يكتشف و بذهول أنها ليست موجودة, و أنه يعانق وسادته و يطبع قبله الحارة المتلهفة على قماش بائس. كان قد قرر الإنتحار جديّا بيوم ميلاده بعد أربعة أشهر من الآن، و لقد أشترى ما يلزم: حبّات مرخية للعضلات و كثرتها تشل القلب. كان يريد أن يموت بهدوء و دون الإلتفات للوراء، دون أن يسمع صرخات أمه المفجوعة، دون رؤية دماء، دون تحقيقات تتعب أهله بسبب موته، و دون إتعاب أي إنسان بسببه. كان سيكتب رسالة حارّة إليها، يعزف مقطوعة "حلم رجل ما" و يضم صورتها إلى صدره و كل ما كتبه بحياته. و سيرتدي ملابس أنيقة بلا ربطة عنق، لأنه يكرهها. هكذا قرر أن يرحل بلا إزعاج أحد أو أحد يزعجه، و آخر ما سيفعله هو كتابة ورقة بجيبه تشرح الإنتحار و أسبابه و الوسيلة المتبعة. ذلك لأن الحياة لم تعد شيئا يريده دونها. كان يشعر بالكرب و هو يعمل ليلا، و هو يطاردها بخياله، و هو يحمل الصناديق الثقيلة، مفكرا بها تعمل بمكان ما بالشرق، و لكن هل هي بالشرق؟ ألم تسافر ربما؟ لكن إلى أين؟ ليته يعرف، فالآن سيبيع سيارته و مجموعة من دمه ليرحل لها لأجل ساعة لقاء. نعم، يبيع دمه لأجلها. كانت قد سألته يوما عن المال الذي أنفقه بآخر إتصال مكلف لها، فأجابها أنه "من داخلي" إلا أنها لم تفهم مغزاه، بل أكملت موضوعها الأساسي.

لم يكن ليجرؤ على قراءة رسائلها إليه، لأن نبرتها تثير جزعه حنينا إليها، إلى نحافتها اللطيفة، إلى طباع العصفورة الصغيرة المتوحدة، التي يريد حضنها و تقبلها و وضعها بعش صغير يخبئه بقلبه. لكم يحبها. كانا يريدان أنجاب طفلة يسميانها "قدس"، و كانتا هي و "قدس" تعنيان له كل النضال الحقيقي لأجل القدس، لأن عوائق زواجه بها هي ذات عوائق ظفرنا بحقنا في فلسطين.

كانت فكرة العمل بمؤسسة عراقية قد شعّت عليه كنجم وحيد بسماء بلا نجوم، و لقد أكدت له سوسن بأنه سيعمل لا محالة. و كيف ينسى إلتماع السعادة على وجوه أسرته؟ صلّى والده ركعتي شكر لله، أما أمه فقد أشتركت بإعداد الرحلة بحماس شديد. أشترت جوارب جديدة، حقيبة متوسطة لم يأخذها معه، لكنه شكرها لأنه قد يسافر للقاء حبيبته و سيحتاج الحقيبة. شاهدته يبتعد عن باب المنزل بوجه يقطر تفاؤلا، دون أن تغفل عادة الأمهات العراقيات بقذف الماء خلف الإبن المسافر أو الملتحق لجبهة القتال خصوصا. كان إيماناً شعبيّا ساذجاً بأن الولد سيعود لأمه بعد قذف الخير (الماء) خلفه. و بلى هاهو عائد إليها بعد يوم أو إثنين، إنما بلا عمل عائد و بلا أمل على وجهه. سيغصّ ألماً لرؤية وجهها الدافيء يحتقن حزنا، و ستمضي مطرقة للمطبخ لتعدّ له طعامه. كانت هكذا دوما: تعدّ الطعام لأي مسافر و كأنه لم يأكل منذ رحيله، و لا تقف عند هذا بل تحفظ طعامه عن كلّ وجبة يأكلونها يوميّا. و ماذا عن زملائه بالعمل؟ سيضحكون، يهرجون و يستهزؤون. "هه.. ألم نقل لك بأنك حالم بائس؟ تزوّج امرأة أمريكيّة غنيّة و أحيا معها لتستمتع هي بشبابك و أنت بمالها.. أنها الحياة يا رجل". سينهرهم بأن يخرسوا جميعا، أن يجدوا أي قبر يواري أجسادهم لأنهم موتى دونما شك.

وصل إلى المحطة أخيراً، فألفاها راكدة و الرياح تعصف بمُزَق صغيرة للجرائد، و كانت تبعث الشعور بأنها مقبرة. توجه إلى النفق حيث رصيف الإنتظار. وحيدة تماما، وقفت امرأة مشعثة الشعر. شاردة، منهكة، و حاملة لحقيبة سفر جلديّة باهتة. كانت تبدو شديدة البؤس تحت أضواء النفق الصفراء. تأملها لهنيهة سريعة، مفكراً بمعضلة المعاناة الإنسانيّة و القدر أيضا. هل نصنع المعاناة أم أنها تُفرض علينا؟ و من يَفرضها؟ لو قلنا أنها نتيجة أفعالنا فهل يبرر موت الأبرياء حتى؟ أليسوا هم جزء متأثر في هذا العالم؟ و من قال إن على العالم أن يغص بالعدالة هذه؟ و هل لقصف الصهاينة بيوت الفلسطينيين، و موت الأطفال و الأبرياء أي صلة بالعدالة؟ هل صمتهم هو سبب المعاناة؟ و ماذا بوسع الأعزل أن يفعله أمام لص وغد شنيع أتى لسرقة أرضه, و متسلحا بكل عتاد الدنيا و دعم العالم المسيحي له؟ هل هم يدفعون تكاسلنا الأحمق عقدا بعد عقد؟ و من سيحاسبنا نحن؟ و متى سنستفيق أيضا؟ أنحن بحاجة للصفعات الجسام كي نفهم و نعمل لواقعنا؟ إذن لتتوالى علينا. هزّ رأسه موافقا، ثم عاد يتأمل المرأة التي صعدت للقاطرة التي توقفت لوهلة، و سارعت بعد ثوان بالإنطلاق مخلفة ورائها زوبعة أوراق، تحمل أخبارا لمآسي شرقنا.

جلس على مسطبة باردة، و عاد يفكّر بكل ما يمكن لأفكاره أن تطوله بأصابعها الأخطبوطيّة. تأمل قطة تسير بهدوء على الجانب الآخر للنفق، و تفاجأ بأنه كان يبتسم على نحو أبله و بلا أسباب محددة. و بلا تلك الأسباب أيضا، ربما لرغبة دفينة بأن يتلائم مع وحدته، فاجأته شفاهه القرمزيّة المرتجفة بردا بغناء لحن بطيء لأغنية "التحديات" لكاظم الساهر.

أتحدى كلّ من عاشرتِهم
من مجانين و أطفال
و مفقودين ببحر الحنين
أن يحبوكِ بأسلوبي و طيشي و جنوني
أتحداكِ أن تجدي وطناً مثل فمي
و سريراً دافئاً مثل عيوني.*

أنه يشتاق إليها للغاية، كذاك الشوق الذي لا يروى إلا بعد ساعات من العناق و القبل الحارة التي تطال كلّ شيء فيها. ضغط على فكيه فور تذكره لفكرة عناقها، و ابتسم لنفسه بمكر ظريف بأنه لا يخاف على شيء قدر خوفه من تحطيم أضلاعها من جنون ضمها لصدره. أنها تحمل فلسفة مقدّسة عنده: أنها الوطن. نعم، لأن الوطن لا يحتاج جبالا و أنهاراً لصناعته، ذلك أنه مجموعة آمال و أحلام و أفكار نحلم بها، و نحاول تحقيقها على أرض ما و التعايش وفقها. لكنما أبداً، إذ يمكن لهذا أن يتحقق مع امرأة تكون وطنا لدموعنا و لجانبنا الرقيق الذي يحفظ تماسكنا الروحي. الذي يدفعنا لإبتلاع العالم عند خروجنا إليه كرجال أشداء، لكنما الحقيقة أننا نحتاج للحظة سلام فوق كتف امرأة تفهم لماذا و متى و كيف تكون الوطن بالنسبة لنا. ليس متأكدا هو أكانت تلك شاعريّة الرجال، أم أنها- ربما- رجولة الشعراء؟ و لكن أيّ الإحتمالين لن يكون مهماً لأنها بعيدة عنه، و لا غاية ترجى من إدراك الأمر بعيدا عنها. أشدّ ما يؤلمه أنها لا تدرك كم يشتاق إليها من مجلسه هنا، بساعة تكون هي قد عادت فيها من عملها و توضأت لتصلي. راح يعدّ نقوده القليلة، مفكراً بأنه سيقوم بعملية عاصفة لبيع مقتنياته و يزورها لآخر مرة قبل إنتحاره. يبتسم للفكرة و ترتاح أوصاله المتجمدة للموت، و لكن أشد ما كان يقلقه هو رغبته بنشر أعماله، فعلى الأقل سيفهمه (و لو متأخراً) من كان عليهم فهمه بحياته. كان الوضع مأساويا بحق، و قد أخبره أحد أصدقاءه قبل أن ينتحر بليلة واحدة: ليس هناك من وحدة أشد وطأة من وحدتك في ذاتك، ذلك أنك تنسلخ تماما حتى عن ذكرياتك و ما تحمله من أمل. وافقه حسن الجواهري يومها بهزة رأس واجمة، و لم يلاحظ الحزن بوجه بسّام و هو يتأمل من حوله بعيون بعيدة، لم تكون عيون أحد من أهل هذه الدنيا. كان يقول بتأكيد في تلك الليلة: كلّ منا له هدف مقدس و حالة أستقرار معينة نوجدها بتأسيس الهدف أو بعد تأسيسه أو بحالة موازية للسعي نحو الهدف، لكنما دوما ترى البشر يسعون لهدف و يرتكزون على حالة إستقرار و لو جزئية، و الكارثة معي و أمثالي، و أبتسم بسخرية يومها، أننا خسرنا الهدف المقدّس و ضاع الإستقرار أيضا. هذا آخر ما قاله لهم.


وصلَ القطار بعد زهاء عشر دقائق. دلف إليه و جلس بهدوء على أقرب كرسي، بينما أندفعت تلك الآلة (الأقرب جوهرا للحياة) بجنون إلى جهة ما. وجهه ينعكس على زجاج النافذة، مرة أخرى، و لكنه جامد ببرود الأسى. يتوقف القطار أخيرا بالمحطة المنشودة، و ينزل منه ليسير نحو الشوارع التي ستوصله للفندق، و كان الليل خفيفا بسبب الأضواء الكثيفة للمدينة الصغيرة. سار كيفما أتفق، واضعا كفّاه بجيبي بنطاله، ناظرا إلى الأرض الباردة التي تنفث دخانا أبيضا من فوهات الأنفاق و المجارير. فتح طوية ياقته ليدفي رقبته و ألفى نفسه يفكّر بعادل منصور- كأن هناك إتصال بين المجارير و الأخير- إذ بصق بسخرية و همهم بكلمات السيّاب كما لو كانت كلمات أستوحاها لتوّه:

"إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون
أيخون إنسان بلاده؟
إن خان معنى أن يكون، فكيف يمكن أن يكون؟"**

وصل أخيرا إلى النِزل، و أشارت ساعة البهو إلى التاسعة و عشر دقائق. أبدى ورقة الحجز و هويته، ثم أستلم المفتاح الممغنط ليمضي لغرفته في الطابق السابع. توجه إلى المصعد حيث يستقله عجوز و زوجته، و أضطر لأن يستمع لحديثهما المرح و أسلوب تحاورهما الأشبه بتحاور خطيبين أو زوجين ودودين، خبِرا جمّا من المشاكل بينهما حتى توصلا للطريقة الصحيحة للتعايش. تمنى بحرقة آنها لو أنه أمتلك الفرصة للتفاهم مع من يحب، فبالنهاية الحب لا يشترى و لا يعوّض. ربما يجد البعض حبا آخر، أو يتوهمون بحب آخرن لكنما أبدا لن تعاد تلك الأحاسيس الصادقة الشديدة النقاء، لأنها تستعمل لمرة واحدة، و إما أن تثمر لتبقى إلى الأبد أو أنها ترحل لتخلف إنسانا آخر شديد الحذر مع مشاعره و الثقة بالآخر.

و بمجرّد قفله لباب حجرته جيدا حتى خلع ملابسه كلّها و توجه للحمام، يغزوه شعور بأن الأدران تتكوم على جلده، لكنه أكتشف- و هو يجلس بحزن في حوض الماء اللاهب- أن سبب الثقل لا يعود للأدران الوهمية، و إنما،حقا، كانت بسبب ثقل الدمع في صميم محاجره.

تحطمي أيتها الأحلام
بفوضى.. فوق صخور أحداقي.

لفّ المئزر على خصره النحيل، و أرتمى إلى السرير الفخم المعدّ لشخصين. تأمل الفراغ الكامل إلى جانبه الأيمن، و تخيلها ترقد قربه نائمة لكنما الخاطر طار سريعا، كعصفور خائف، بعد أن هزه يقين بحرمة ما تقترفه أفكاره و بخجل فطريّ أيضا. لم يكن قد تخيلها بمفاتن كباقي النساء، و إنما كانت دوما رمزا شديد النقاء و الجوهريّة للخير عنده. أنه يؤمن بها.


تابع







 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 02:41 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط