|
|
|
|||||||
| منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا.. |
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع |
التقييم:
|
انواع عرض الموضوع |
|
|
|
|
رقم المشاركة : 1 | ||||||||||||||
|
الجزء الأول الفصل الأول .... ذاكرة أزلية كنت في الليل, ودخان التبغ يحوم كهالات رمادية فوق سهري. تابعتها بعيني, وهي تهاجر كسحب صغيرة باهتة, خارج تلك النافذة المطلة على فضاء داكن وبلا ملامح. أوراقي أمامي على الطاولة, بيضاء وبلا حروف, والقلم يغفو فوقها, ويتابع الصمت معي بكل اهتمام. حتى كأننا نغفل عن دقات الساعة ببعض الصمت, وصوت يأتي من بعيد, لحفيف أشجار يداعبها النسيم. ودون أن أدري, تباعدت الجدران من حولي, وتلاشت ملامح الأشياء. فشعرت ببعض البرد, كرعشة الليل على الطرقات الترابية بين الأشجار. أفقت من غفلتي على رطوبة عشب ندي, وكذلك كل ما حولي.أين أنا؟, وكيف هنا, وما هذا الدرب معتماً وصامتاً؟, تصطف أشجاره على جانبيه كالمراسم المسائية. كنت أغفو على ذاك المفترق الترابي, ولأي درب يرسم توجهي؟. أين كنت ومجلسي ذاك والسحب الصغيرة الباهتة ونافذتي؟. لم اصدق ملكتني الدهشة, وسرت مع ذلك الدرب المؤدي إلى أنوار بعيدة وخافتة جدا, لعلي أتبين أين أنا, وكيف أتيت, أكان حلماً؟ أم أنني الآن أحلم. بدأت أسير وتقترب الأضواء مني, وتخرج من الصمت حولي كلمات بعيدة, وضحكات خافتة, وكأنها تأتي من رجع ذكرى. بدأت أتذكر الآن. أنا على أعتاب تلك القرية الجبلية حيث يعيش ذلك المدرس, وحيث تبدأ القصة بسرد وقائعها المرسومة على جدران الذاكرة الأزلية. صرت عند الساحة الدائرية, ورأيت نافذة مضاءة. كان يجلس هناك مطرقاً برأسه بين كتب وأوراق, يلتفت نحو النافذة ويراقب الحركات العفوية لذاك الليل الهادئ. لم يكن هناك أحد, سوى أولئك الجالسين في المقهى. ضحكات وبعض الهمسات, والتي لا تعني سوى التسامر في الركن الوحيد من القرية, حيث ملتقى الأصدقاء, للخروج من حاجز الصمت والسكون القابع خلف جدران البيوت المتلاصقة على جوانب الدروب. اقتربت من المكان أكثر. وكنت بين الحين والآخر, أختبئ خلف الأشجار خوفاً من أن يراني أحد. لم أكن أريد أن أدخل أكثر, وأتلاعب في سير القصة وأحداثها. فجأة لاحظ وجودي أحد الكلاب على باب بيت, وابتدأ بالنباح, فسارعت بالتراجع. تعثرت قدمي بأحجار على الدرب, سقطت وعاودتني الغفلة, لولا النباح الذي أخذ يزداد. جعلني استفيق من جديد, لأجد جسدي على الأريكة أنظر حولي, لا زلت مكاني وتلك الساعة ونافذتي. سيجارتي على أرض الغرفة, و أوراقي مبعثرة أمامي. هي لم تعد بيضاء و بلا حروف. نظرت ملياً, فوجدت كل ما كنت به حلم من كلمات. قرأت القرية والدرب, والأشجار والمقهى. ثم درت برأسي أنظر حولي, فلم أجد أية إجابة. أقفلت النافذة وتركت الضوء, لعلي أتبين أمري ومن أين أبدأ سطوري عن ذاك المكان. كان الصباح يولد من ربيع مزهر وعبق. ساحرة تلك القرية حين تستفيق ذابلة العيون, يملؤها الضوء, ويتسلل إليها الانتعاش, وتنسحب الظلال كسلا. بدأ البريق يتلألأ على الأغصان الندية مع تفتح الزهور, وأصوات طيور يطربها الشروق, بدأ الناس على الطرقات يسرعون نحو أشغالهم وكأنهم يخرجون من زمن لآخر, يحيط بأماكن ودروب تحلق فيها ابتسامات وتحيات صباح. كان عزيز يرتب المقاعد والطاولات الصغيرة أمام المقهى, يغني كعادته ويقطع غناءه بابتسامة, حين يلقي التحية أو يردها على المارين من أمامه. فتحت تلك النافذة الصغيرة, ونظر أحمد نحو الساحة, يلتفت هنا وهناك مشيراً بيده, ويقول: صباح الخير, كيف حالك يا عزيز؟, أراك في غاية النشاط والسرور. صباح النور أستاذ أحمد, هل شيئاً من السوق؟ شكراً, اليوم سأعفيك من هذه المهمة, فلقد تأخرت عن المدرسة قليلاًً. عاد يلتفت من جديد نحو المارة. ثم نظر إلى السماء الصافية كي ينساب إليه الشعور بالارتياح, غادر النافذة حين سمع صوت والدته من الداخل وهي تقول: هيا, لقد أعددت لك الفطور, ولم يبق هناك وقت. صباح الخير يا أجمل أم في الدنيا, ها أنا قادم. خرج إلى الحديقة الخلفية للمنزل, وجلس مع والدته, ثم أشعل سيجارة وتناول فنجان القهوة. لماذا ابتدأت بالسيجارة؟, ألن تتناول شيئاً قبل ذهابك؟ . مستعجل يا أمي, لا أستطيع الآن, أكملي إفطارك. أراك لا تتغير أبدا, فدائما تأخذني بابتسامتك, كم أتمنى أن أزوجك, عندها لن تقول لها لا أستطيع. متى يأتي ذاك اليوم؟, حين أراك وزوجتك وأحفادي الصغار يملأون البيت. لا تقلقي يا أمي, سيأتي ذاك اليوم, فلست في عجلة من الأمر, أمامي وقت طويل. كيف يا بني؟ أصبحت فوق الثلاثين, ولم أراك تفكر بذلك أبداً, كم أتمنى أن يهدأ بالي, وأطمئن عليك قبل أن أموت. بعد عمر طويل يا أمي. اقترب وقبل يدها وابتسم وهو يغادر. ثم التفت نحو الياسمينة قرب الباب, ولامس أزهارها البيضاء. كانت والدته تتبعه بنظراتها وهي لا تصدق نفسها, فهو وحيدها وليس لها غيره. كانت الطريق المؤدية إلى المدرسة ككل دروب الطفولة, تختلف في بعض الملامح, إلا أنها هي نفسها الدروب التي تعيدنا إلى الملعب والدراسة والأصدقاء, حتى المدرسون يملكون نفس الشعور مع اختلاف الوعي, فالمعلم قد أعاد المشهد آلاف المرات حتى أصبح الأمر روتينا وإعادة لمشاهدات يومية ووجوه صغيرة, ومقاعد خشبية أرهقها المكان والزمان. غادر البيت واخذ يعبر الساحة الدائرية, ويبتسم لمن يصادفهم في الطريق, كان يحاول أن يستحضر في ذاكرته واجبات اليوم, ويعد النفس لروتين يأخذ جزءاً من يوم يمضيه بين تلك الوجوه الصغيرة, حتى ينتهي الدوام ليفارق ذاك الجزء المعتاد من يوم, و كأنه يخبئه بين الشجيرات الصغيرة على جانب المنعطف, والذي يؤدي إلى خارج القرية حيث حقول القمح الخضراء وذلك المبنى القديم المطل من بعيد فوق التلال الهادئة, بأسواره العالية, وبابه الحديدي الضخم والذي يحمل ملامح المدرسة. في الداخل كان كل شيء مهترئاً وهرماً, حتى ذلك المدير الجالس على مكتبه المغطى بأوراق وكتب وأقلام من كل نوع. بعض المعلمين يتحدثون في أمور يومية, وآخر هناك يراجع الأوراق لامتحان شهري. دخل وألقى التحية, وتراجع إلى الغرفة الأخرى, ثم جلس ينتظر صديقه حمدي لكي يتناول معه فنجان القهوة المعتاد, قبل أن يقرع الجرس المعلق على الحائط الخارجي, وكأنه معلق هناك من قبل أن تبنى تلك الجدران والأبواب. وصل حمدي وقال: صباح الخير يا صديقي, أين القهوة ؟ ليرحمنا الله من العمل هنا ومن هذه البلدة, لولاك يا عزيزي لغادرت منذ زمن طويل. فأحلامي تبدأ هنا, لكنها ستسافر معي إلى العاصمة حيث الفرص الجيدة, مدارس أفضل ودروس خصوصية, أتعلم ما تعنيه الدروس الخصوصية ؟ تعني دخلاً أفضل وانطلاقة نحو مستقبل يرحمنا من وجع الفقر والحاجة, فنحن نسير بأحلام تضيع في آخر النهار تحت خطى الغد, ولا ندري؟. ضحك أحمد وقال: كنت أعلم بأنك ستقول هذا, وكم أصاب بالملل من شكواك المتكررة. فلماذا لا تصبر يا صديقي؟ ما كتب لك سيأتي, ولكن خبئ أحلامك وكن واقعياً, نحن هنا, وهذا هو المكتوب. ألا تستطيع أن ترى أشياء أخرى أجمل من قصيدة الصباح البائسة, تلك التي تحملها معك طوال الطريق إلى هنا؟. اشرب قهوتك ولنسارع إلى قاعة الدرس, ألم تسمع الجرس؟. أجل اسمعها الأجراس, فهي تثير أعصابي, و كأنها تهزأ بي في نهاية الأمر, ومن كل ما أقوله وأحلم به. لم يكن أحمد بلا طموح, بل كان يتعامل مع الأمور ببعض البرود, هو دائم المتابعة لما حوله بصمت, وكأنه زائر يمارس الحياة بما تتطلبه أمورها البسيطة. يحمل آمالاً اكبر, ولكن ما يشغله الآن هو حبه للتعليم و لوالدته, تلك التي أمضت حياتها وهي تعمل بكل جد, في الأرض التي تركها لهم والده. كانت امرأة نشيطة, علمتها الحياة أن الكفاح مهمتها لتقدر على تكاليف معيشتها وولدها الوحيـــــد, راقبته وهو يكبر, وعلمته القيم التي تحمل, ونشأته بأخلاق حسنة وأغرقته بكل حنانها وحبها. ربما هذا ما جعله يحمل القناعة والتمهل, صارعت الحياة كثيرا لتؤمن دراسته الجامعية في العاصمة, وها هو الآن بجانبها, وهل هناك أمنية أجمل من ذلك. اعتاد أن يأتي من المدرسة كي يذهب إلى الأرض ويساعدها في أعمال الزراعة هناك, ثم يعود إلى البيت عند الغروب ليجلس في غرفته, كي يستريح من عناء اليوم. كان يحب القراءة كثيرا, ويحب الذهاب في الليل إلى المقهى ليتحدث مع أصدقائه, ثم يعود من جديد إلى غرفته التي هي جزء من أعماقه, ويحضر واجبات اليوم التالي. ثم يجلس ليكتب خواطره وأشعاره, فهو ينقل ما يحمله في داخله من مشاهدات و أفكار, على أوراق أصبحت كثيرة ومبعثرة هنا وهناك. كان في كل يوم يخرج من ضوء الشمس, ومن الوجوه العابرة على الطرقات, ومن الأحاديث والتناقضات, ومن جماليات المكان وأنغام الموسيقا, تلك التي تتنوع حسب الأماكن والأشخاص والزمن. يخرج من ذلك ليدخل في آخر الليل إلى عالمه الخاص, حيث تدور بفكره كل ملامح التواجد ومؤثراتها, فيبدأ بمداعبة الكلمات بأحرفها , وينثر على الأوراق تراتيل وأفكاراً تخرج من وعي آخر, يتملكه بعد رحيل الصوت إلى صمت وتراكيب ظلمة, ونسيم هادئ وعبق ليل, و يصير الكون ملكا له وحده, ليرتقي به حتى يمتزج الحلم بالمشاهدة في آن واحد. هكذا تسير الأيام كعربات قطار لا ينتهي, عربات متشابهة تسير إلى ما لانهاية, ليس في تلك القرية فقط , بل في كل القرى والمدن وفي كل تقاسيم العمر, يتخللها بعض المحطات التي تجعلنا نخرج من العربات ولو قليلاً, لندخل في عوالم أخرى, لا تأسرها السكك الطويلة الممتدة على طول السنين. يتبع .... كل يوم فصل احمد النوباني
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 2 | ||||||||||||||
|
الفصل الثاني ... طائرة ورقية
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 3 | ||||||||||||||
|
الفصل الثالث ....صمت على الطرقات
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 4 | ||||||||||||||
|
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 5 | |||
|
سارة و نافذة أخرى 1 قطرة من فيض ، أو زخة مطر فى صيف ربيعى ، تأتى من قريحة حبلى بآلاف الزخات ، و بيض الذاكرة .. لتضع بذار الياسمين كلمات تصيغ الحياة ..وتغافل كلاب الليل .. و الأشجار المتعانقة كأشباح فى ليل القرية .. بينما هو هناك يغزو سدرتها ، مقتربا من ذاته التى يطالبها المثول .. وعبر نافذته .. يتسلل .. و يقترب .. فتطارده كلابها .. يتوارى .. و يختبىء .. ثم ينهكه التربص .. فينهار بعد أن أصبح على قيد خطوات منه هو .. أحمد .. ذلك المدرس الذى يحوم حوله .. وهو يتأبط أمرا . يالصبح القرية .. و قهوة أول النهار .. هو أحمد يعيش و أمه .. هو حيدها .. نعم مدرسا كان .. يعود من مدرسته إلى فلاحة أرض خلفها أبوه مع ما خلف وراءه .. أم حانية .. قوية .. تتمنى لو رفع عنها الإصر .. وزوجته .. و انتهت من رسالتها معه .. وصديق يحلم بالثراء بعيدا فى العاصمة .. حيث الدروس الخصوصية ، تلقى غلالها غنى و اصطبارا يتعدى خط الفقر و العوز .. من عقول و أفئدة الصغار .. من تعبئة أرواحهم بما يرفعه هو فى السماء ، و يلقى بهم إلى حضيض الفهم و الغباء .. أحلام غير .. نعم .. هذا أحمد يكتب الشعر و الخواطر .. رخى البال .. بلا معاناة .. ليس من وجع حقيقى ، فلا فقر يطارده .. ليس سواها روحه الشاعرة .. حجزت مقعدا هنا " أحمد " معك أواصل مع فصولك الشيقة ، و هذا الزخم اللغوى ، و اللغة المدهشة !!! ربيع عقب الباب |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 6 | |||||||||||||||
|
اقتباس:
اخي ربيع تحية وتقدير اراك فعلا قد حجزت مقعدا هنا ... يسعدني وجودك واهتمامك لا زالت سارة تحكي .... اشكرك صديقي احمد النوباني
|
|||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 7 | ||||||||||||||
|
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 8 | ||||||||||||||
|
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 9 | ||||||||||||||
|
الفصل الثاني .... رجل المنارة سار الاثنان حتى وصلا الطريق, واستمر بهم المسير حتى وقفا أمام درجات تؤدي إلى طريق يعبر من بين البيوت المصطفة على السفح. فقال فارس: الآن بعد أن نصعد هذا الدرج الطويل, سأعلمك كيف تعود إلى البيت وحدك. وقف الاثنان عند آخر الدرجات ونظر أحمد من ذلك المكان نحو البحر, فبدت له ملامح الشاطئ أكثر وضوحاً واتساعاً, ورأى المراكب أصغر حجماً وأجمل, ثم قال: كم هو منظر رائع, ويعجبني أن آتي إلى هنا كل يوم . ابتسم فارس وقال: أجل ستأتي إلى هنا كثيراً, ولكن انظر خلفك إلى تلك المنطقة المطلة على البحر والمدينة, انظر جيداً وقل لي ماذا ترى؟ التفت حيث أشار فارس, وما أن شاهد المنارة والدرب المؤدي إليها حتى غاب في عالم لا يحمل أي التصاق بما حوله. تابع فارس يقول : اجل, تلك هي المنارة وهناك التلة المطلة على البحر, وذاك هو الدرب المؤدي إلى البرج الأبيض, هو كما ترى محاط بالأشجار على جانبيه. قاطعه أحمد وهو يقول: ما هذا لا أصدق, هي كما رأيتها في الحلم, كيف يكون ذلك؟ إن كانت كما تقول, فهذا أمر غريب. على كل حال, من هنا تستطيع أن تكمل نحو المنارة التي تراها. ماذا تعني ألن نذهب إلى هناك الآن , فأنا لن أصبر حتى أتأكد من المكان وبكل تفاصيله لأعرف إلى أي أمر غريب تذهب بي الحياة. لا ليس اليوم, فلقد قاربت الشمس على المغيب, والمنطقة ليست قريبة كما تراها من هنا, واعلم يا عزيزي بأني لن آتي معك غدا, فأنت ستأتي وحدك لأنها رؤياك أنت ولم أكن في الحلم., أما أنا فعندي أمور أخرى أفعلها. كانت المنارة على التلة وكأنها تنتظر ما يحمله الأفق, بيضاء كتلك الأشرعة فوق المراكب. استمر أحمد ينظر إلى الحلم وكأنه رجع ذكرى لمكان يخرج من أحداث لم تكن, هو الزمن يدخل في رقصة حول نار بخطوات بدائية, لا تعرف معنى الظلال العالقة فوق الرؤية الحقيقية لما يحصل حقاً, خارج إرادة العقل والمنطق . استدار نحو فارس ولم يكن يملك سوى الصمت, وعيوناً تكاد تبتعد خلف الأشياء, وكأنها تسافر نحو عالم لا نراه ولا نملكه. أكمل الاثنان السير نحو البيت, وكان أحمد يخرج من كل الدنيا نحو عالم آخر, لا يملك منه سوى رؤيا وبعض كلمات تأتي من أعماق صامتة, كلمات يحملها المشهد والمساء ولفافة تبغ وأرجوحة, هو بحاجة لذلك الرجل ولحديث يأتي من الشجرة الأم. بدأ يشعر بالغربة أمام منارة وبحر, لكنه لن يغادر إلى واقع لا يأتي به الحلم, بل سيترك ما قبل ذلك, حتى تعود به الأيام نحو شمس تشرق وواقع لا يحتمل المزج بين حقيقة وحلم. وكيف سينتهي هذا المساء كي يتبعه الليل ودقات الأرق على الانتظار؟, لا مكان للسؤال بلا إجابة, ولا مكان للأحاديث بلا ذكريات وحقيقة, عليه أن يغمض عينيه حتى تأتيه الرؤى, هكذا كانت كلمات الرجل والأشجار. في صباح اليوم التالي خرج من غرفته, كان الهدوء سمة المكان, فلم يكن هناك أحد غيره في تلك الساعة الصباحية, وفي الصالة وجد ورقة على الطاولة موضوعة أمامه مباشرة كي يراها, كان فارس قد كتب له رسالة يقول فيها: *صباح الخير, لقد أعددت لك الفطور ووضعت لك مفتاحاً للبيت بجانب هذه الورقة. خرجت مبكراً فلدي بعض الأعمال وزيارات لبعض الأصدقاء. أعلم بأنك تريد الذهاب إلى المنارة, لذلك أتركك لكي تكون وحدك فهذا أفضل. أخبرت والدي عن قصة الحلم وقد أعجبه ما قلته له, مع أنه كان مندهشاً مما يسمع, على كل حال هو يخبرك بأنه معك أيضا حتى نجد لهذه الرؤى تفاسيرها, ما دامت مدينتنا هي من دعتك إليها. اذهب يا صديقي وابدأ ما أتيت من أجله, وأنا سأكون قريبا منك. لم أحب أن أوقظك لأني أعلم بأنك لم تنم في الليلة الماضية سوى القليل من الوقت*. ابتسم ثم أكمل إفطاره, وتناول المفتاح من على الطاولة أمامه. وبدأ يشعر وكأنه يمتلك الدنيا, خصوصا وأنه يحظى بصديق مثل فارس وترحيب كما وجد من والده أيضا, فهو لن ينسى هذه الرعاية والاهتمام طوال حياته. خرج من البيت ثم أخذ يتبين المكان حوله, وسار في الطريق المؤدي إلى تلك الدرجات حيث سيرى من هناك منارة الحلم. كان لا يحمل في داخله سوى متاهة الرؤى ولا يعلم كيف سيكون وذاك المكان, هو ليس إلا زائرا لمكان يذكره جيداً, فلقد التصق بأعماق الذاكرة. استمر بالسير وما هي إلا دقائق حتى تراءت له المنارة من بعيد, أعاد النظر إليها وكم هي وذاك البرج في الحلم توأمان. لأول مرة في حياته يقف أمام الحقيقة والحلم في آن واحد. تسارعت الخطوات نحو المكان, وابتدأت غربة الخطى حين تتراءى المعالم لأول مرة. أحس بأنها بعيدة عنه فعلاً, لكنها تقترب مع اقتراب عينيه من رؤيا تتجسد أمامه, فهو الآن جزء من حلم حين تبدأ ملامح المكان باحتواء إدراكه وأحاسيسه المعلقة على أمل وفضول . هاهو الآن على بداية الدرب المؤدي إلى المنارة, لم تعد تتملك الدهشة عينيه, بل صار يفارق كل معاني التواجد حين ابتدأ رحيق أزهار بنفسجية وبيضاء يرسم ثنايا الدرب, اجل عيناه لم تعد, بل غابت في أثير يعبق بالأصداء لأحاديث تتراكم على مسامع الوقت والمصير. لم يدرك شيئاً سوى أنه في بداية اليوم الأول لاستفاقة الرؤى, ويعلم بأنه أمام ستين يوما من تلك الإجازة في أرض الحلم. هو اليوم الأول وإلى أين يؤدي لم يكن يدري, ولا يملك غير الخطى نحو ما يتجسد هناك, أخذ ينظر حوله فشاهد الأشجار الصغيرة, والمقاعد الخشبية التي تلتصق بالرصيف العالق على أطراف الدرب. ثم التفت نحو الأعلى حين سمع أصوات الطيور القادمة من البحر, وكأنها جاءت للقاء زائر لا يعي معنى المكان ولا الزمن الصامت في اللحظات , ومن دون بوح خرجت من عينيه سعادة الأمل في انتهاء نحو منارة تنادي دون همس. علق الوعي على أطراف الرؤى وتسارعت الخطوات نحو المستحيل, ولم يكن في حالة تسمح له بان يتذكر التعب الساكن في جسده من السير الطويل, فقد سحبته الخطى نحو راحة يمتلكها العقل في حالة الرغبة فقط , وابتدأ الحلم يخرج كلياً من أعماق القادم ليتجسد أزهاراً وأشجاراً ورؤى. استفاق الوعي في القادم عند ساحة المنارة. حين نظر إلى المبنى المتعلق بأطراف السحاب, كم هو مرتفع ذاك البرج وكم هو أبيض!, كان يرتكز على مبنى واسع يحوي غرفاً كثيرة. نظر إلى الباب الخشبي العتيق وتساءل عن وجه الرجل ذي المعطف الطويل, وهل سيكون كما تتحدث عنه الأشياء من حوله؟, وهل سيكون حقيقة؟. خرج من التساؤل على وقع خطى, فالتفت نحو اليمين ليرى الرجل ومعطفه, واقفاً كما الدهر أمام شجرة مائلة نحو التلال وكأنه يخرج من أعماق الذاكرة, بقي ينظر إلى الرجل دون أن يعي كم سيطول صبر المنطق والدهشة. تقدم الرجل منه وقال: مرحباً, هل تريد شيئا؟. ولماذا تحدق هكذا؟ آسف أنا لم أقصد, ولكني لا أصدق بأنك أنت..... ومن أنا؟, هل تعرفني من قبل؟ أجل وكأني أعرفك من زمن بعيد فلقد كنت في... سكت أحمد ولم يكمل لم يعلم ما يقول, هل سيبدأ بكلام مجنون عن حلم ورؤى مع رجل لا يعرف عنه شيئاً. قاطعه الرجل وقال : تعرفني! غريب فأنا لم أرك في حياتي, ربما أخطأت ذاكرتك, فالوجوه تتشابه أحيانا. على كل حال ليس مهماً, هل أساعدك في شيء؟. شكرا لك, جئت فقط لكي أرى المكان, فأنا زائر لهذه المدينة وأحببت أن أتجول هنا أيضا لأشاهد روعة هذه المنارة القديمة, أظنها من أقدم المعالم هنا, أليس كذلك؟. أهلا بك يا بني, ولكن عليك أن تعرف بأن هناك ما هو أقدم من هذه المنارة هنا, انه البحر يا بني فهو ملتصق بأطراف الأرض كعاشق لا يغادر منذ الأزل. هنا أحس بأن الرجل يسكن بين عالمين, ليس بحراً ويابسة فقط , بل بين حقيقة ومنطق. وأحس أيضا بأنه يستطيع أن يتمادى قليلا, فهو لا يملك أن يبقى ومنطق الكلمات في بحثه عن حلم. التفت نحو البحر ثم قال: اسمح لي يا سيدي أن أخبرك باني جئت إلى هنا بدعوة من البحر, ومن هذه المنارة. فهي برج أبيض يعانق السماء, هكذا هي الرؤيا. وأنت أيضا يا سيدي, لم تخرج من ذاك الحلم سوى الآن فقط. استغرب الرجل من الكلمات, ونظر إلى أحمد وكأنه يريد أن يتحقق من علامات جنون على الأهداب فقال: تقول بأن البحر من دعاك إلى هنا! ومن أين أتيت أنت؟. جئت من الشمال, حيث الجبال والقرى المتناثرة على السفوح, ومن قرية ليست على ذاكرة بحر. فنحن وتلك الغابة وحقول القمح. أنا يا سيدي مدرس هناك في تلك القرية وهذه عطلتي الصيفية. إذا هذه عطلتك الصيفية,أراك جئت من مكان بعيد؟, ولكن لم اخترت هذا المكان؟. ألم أقل لك يا سيدي هي دعوة البحر, أو بمعنى آخر فأنا قد رأيت هذا المكان في الحلم, ورأيتك يا سيدي ومعطفك الطويل وذاك الدرب. أعلم أنك ستختار جنوني على الإصغاء, ولكن هذا ما حصل. استغرب الرجل من الحديث وقال : هل زرت هذه المدينة من قبل حتى تراها في منامك؟. رؤياك غريبة وحديثك أغرب. لا لم أزرها من قبل, ولكن... سيكون للحديث بقية. ما اسمك يا بني؟ أصبح يروق لي حديثك الغريب وكأن له وقع الصدق. اسمي أحمد, وأنا اعرف عنك أكثر وأعرف بأنك تحادث البحر؟. من قال لك؟ ومن أنت؟. ألم أقل لك إني غريب ودعاني البحر. أخبرني صديقي عنك, وأخبرني الرجل في الغابة أيضا, هو لا يعرفك لكنه يشعر بك عالقاً بين البحر واليابسة. وتحادث البحر يا سيدي, كما يحادث الريح والأشجار. تغير وجه الرجل, وبدت عليه علامات التساؤل والحيرة مما يسمع ويرى, من أين أتى هذا الإنسان؟, وما هذه الأحاديث, وإلى أي مدى يحاول أن يتدخل في الصمت الطويل؟, فالرجل تسكنه العزلة في أعماقه ولا يرحب بالغرباء. أحس بالفضول لمعرفة ذلك القادم أكثر, لكنه استدار يسرع الخطى نحو الباب العتيق, واختفى داخل المنارة دون أي كلمة أو التفاتة للخلف. أحس بأنه استطاع أن يلمس أرض الحلم, بكلام يخرج من وعي آخر, ومختلف عن أي كلام كان قد جعل الرجل ينعزل عن اليابسة ومن عليها. استدار هو الآخر وبدأ يبحث عن باقي الرؤى, فأخذ يسير باتجاه البحر. كم هو المنظر يحمل عمق الأفق, وإعجاز الخالق في روعة الخلق. متاهة الإيقاعات الضوئية عند تهافت الموج الخفيف مع النسيم على صفحة زرقاء, وكأنها انعكاس للون السماء. تابع السير فرأى ذاك المقعد خاليا, لم تكن عيناها وتلك النظرة. عند ذلك أحس بان المكان لا يحتمل بقاء الغرباء أكثر. ولكنه لم يعد غريباً كما يظن هو, فلقد دخل إلى أعماق الرجل وإلى إحساس المكان, لكنه سيغادر نحو المدينة لكي يعود غدا, عل للصمت وجه آخر. أجل لم تعد عيناه, بل غابت بين أثير يعبق بالأصداء لأحاديث تتراكم على مسامع الوقت والمصير. لم يكن يعي سوى أنه في بداية اليوم الثاني. أخذ من جديد ينساب مع الدرب المؤدي لمنارة الحلم, وأي جديد؟, بعد أن أصبح المكان ملكا له وحده. فهو يخرج كبقايا الصور, ليتجسد على التلة هناك في البعيد. صار المكان يتشكل من حالة تواجد يملكها عشق كامن في الأعماق. وصار القادم على أطراف الرؤى, كطفل تحنو عليه أزهار الدرب ونسائم البحر. يقترب من المنارة أكثر ولا يدري كيف سيكون لقاؤه مع الرجل, وهل سيكون البحر شاهداً على انتقاء الرؤيا, لمن لا يملك حق الصراخ في وجه الملامح القابعة على أهداب اليابسة؟. استفاق أحمد على تحية صباح من ذاك الرجل, فقد كان يجلس على مقعدها . قال الرجل : أراك عدت يا بني؟, مع أني لست أدري من أين تأتي! فمنذ زمن طويل, لم يعد لليابسة حديث كحديثك. تفضل واجلس, لو تعلم كم أقلقت منامي في الليلة الماضية, وكأنك قرعت أجراساً كانت تصمت في أرجاء المكان منذ سنين. صباح الخير, وأشكرك على لطفك معي وصبرك أيضا, فلم أكن في الأمس إلا قارع أجراس في لحظة صمت. واعذرني على أسلوبي في الكلام, لكني رأيتك وكأنك النداء, هكذا أخبرني الرجل في الغابة. أصدقني القول يا بني هل أنت ذو عقل؟, أم انك معتوه ألقته الريح على مرمى الصمت هنا؟. ومن هو ذاك الرجل في الغابة؟, لازلت لا أدرك كل هذا الفضول لزائر لا يغادر بابتسامة وداع كما الآخرين. نظر إليه أحمد وكأنه يستجدي البقاء في ثنايا الحلم أكثر مما يرضى به الرجل, فقال: أنا يا سيدي قادم من تلك القرية بين الجبال, بسيط كما التلال الخضراء هناك, أعمل مدرساً في مدرسة القرية وصديقي هو الرجل الأنقى, حارس الغابة على أطراف قريتنا. ذاك الرجل علمني كيف يكون للحياة طقوس عيش لا تعنيها الشموس المتتالية على البقاء, وبدون أي معنى سوى البقاء. ذاك الرجل ولفافة تبغه وحديث الروح للروح, لا يفارق الأعماق مني ولا منك. هو من يقلق الخطيئة حين تقرع أجراس صاخبة على نقاء الجسد, وهو من علمني أن أكون شاهداً على استراق السمع لغفلة الآخرين حولي. كم أحسست بالراحة حين عرفت أن الصمت أحيانا يوازي أحاديث الأزمان كلها, لأنه حديث الأعماق ويأتي من دروب لا نعي منها إلا القليل, هو الأنقى وقد أخبرني عنك, وقال اسمع لذاك الرجل العالق بين اليابسة والبحر. وهل أنت حقيقة أم أنك أصداء لكلمات ذاك الرجل؟ أنا قادم وتحملني الرؤى إليكم, ولست أدري ما ينتظرني لكني أتيت, ولا أملك إجابة سؤال. فأنا فقط يا سيدي أملك الإصغاء, وأغمض عيوني لكي تأتي الرؤى بحديث آخر. أخبرني عن تلك الرؤية وكيف دعتك مدينتنا إليها؟. سرد للرجل كل ما جرى معه ولغاية هذا الحديث. وبعد أن أنهى كلامه نظر الرجل إلى البحر دون أن يعود, ثم بدأ يتكلم عن البحر وعن الريح وقال لأحمد: هل تعلم كم الريح قاسية؟, أجل فهي من أقلق المركب في البحر في تلك الليلة, حين كنت على ذلك المركب قبطانا لرحلة تبحر إلى بلاد أخرى. كثيرون ممن تهمهم الهجرة إلى الحياة كانوا على ظهر ذلك المركب, فلم تكن مدينتنا ولا المدن الأخرى في المنطقة بقادرة على إطعام أطفال صغار, وعيون كبيرة بائسة. في تلك الليلة هاجمت الريح الموج, فثار البحر وتأرجح المركب بين الغرق والبقاء, لكن الريح كانت أقسى على تلك البقايا المسافرة نحو مجهول وأمل. ولم أملك ولا البحارة معي من الأمر شيئا سوى العراك مع قدر لا نراه, حتى أتى الفجر فكنت معلقاً على أخشاب تطفو فوق بحر أنهكته الريح, فاستراح على حكايا صارت تعلق في ذاكرة الموت.لم أملك في تلك الليلة أن أنقذ الوجوه الصغيرة ولا العيون, بكل ما عندي من عزم وعناد. بقيت فقط روحاً لا تستسلم سوى للبقاء معلقا على أخشاب تطفو. وغابت الوجوه الصغيرة في قاع البحر. وبقيت وبعض الناجين حتى أقبل مركب من بعيد وأخرجنا إلى هذا الزمن. كم تمنيت لو أني كنت كما الآخرين حكاية سافرت عبر أفق. ومنذ ذاك الوقت كرهت الإبحار وبقيت على أطرافه, عملت هنا في هذه المنارة لعل بعض النور يرشد الآخرين. أحادث البحر أحياناً, وأحياناً أخرى أحادث الريح فهي لا تدري متى تثور ولا تقدر أن تمحو خطيئة تلك الحكايا. قدر يحكم المشيئة ويحكم الأحلام الصغيرة أيضا. عملي هنا في الليل هو أن أشعل ذاك الفنار وأبقى حتى الفجر, ويأتي آخرون للعمل في النهار فأنا حارس الضوء كما يقال عني أحيانا, لا أدري لماذا أخبرك بهذا, ولكني أراك مثلي فأنا على أطراف يابسة وبحر, وأنت يا بني معلق بين حقيقة وحلم. ابتسم أحمد, فلقد أعجبته كلمة بني تخرج من فم الرجل, وكأن حارس الغابة يخرج من أعماق الروح ليرافقه خلال دروب الحلم . نظر إلى الرجل وقال : كم هو صعب ما حصل معك. فنحن أحياناً لا ندري كيف ترسم الدنيا أمام عيوننا قسراً دون أن نملك أمر الفرشاة ولا اللون. أنا آسف لما حصل ولا أملك سوى الأسف, وأشكرك على حديثك هذا وأتمنى أن نصبح أصدقاء فهل تقبل؟. خرج الرجل من الذكرى والتفت إلى أحمد يقول: صداقتي! وما تهمك؟, أنا لست سوى عجوز لا يملك إلا حكايا حزينة بائسة. ومع ذلك يسعدني أن تكون, ولكن إلى متى؟, فأنت زائر وستعود. حسنا إلى أن أعود؟. كم هو غريب أن يأتي إلي شاب مثلك ويمتلك إحساس البحر. لكن أخبرني, من أين تأتيك الكلمات ؟ لا أدري ولكني قلق دون قلق, وحائر بين الآخرين. وصديقي في الغابة يملك الحكمة ومنه تعلمت, وأحسست بمعنى البقاء وما يعني, ودائما أسجل ما أحس به على الأوراق, فأنا أكتب كل ما يلامس الروح. ومن الحروف تعلمت الكثير, فهي تخرج من وعي آخر في داخلي, وأحياناً لا أعرف من أين تأتي. كنت مولعاً بالقراءة. فقد كنت أحمل معي في رحلاتي كتباً كثيرة, لأخرج بها من ملل البحر والليل. فأنا لا أطيق الأفق حين يطبق على الرؤيا, وحين لا تنتهي الأبعاد إلى شيء. أحب أن أستمع لك ولما تكتب, كما أستمع لها أحياناً حين تجلس وتنظر للبحر وتكتب أيضا. سأقرأ لك, ولكن من هي التي تسمع لها؟. نظر الرجل إلى عيونه ولأول مرة تعلو وجهه ابتسامة وقال: اقرأ لذات الرداء الأزرق فهي من تجلس هنا على هذا المقعد. ألم ترها في حلمك كما أخبرتني؟ أجل هي في الحلم. وهل هذه دعابة تبدأ بها صداقتنا ؟ كلا ولكنها حقيقة, فأنا أكون هنا وأجلس وكأني حارس لتلك الروح النقية, حين تأتي هنا تنظر للبحر ساعات كاملة, وتغادر أحياناً دون أي حديث. لقد كانت تخبرني عن البحر أكثر مما أعرف وكنت أصغي, فهي تقرأ لي دائماً, وكنت من خلال كلماتها أسمع صوت الريح وهدير البحر أحياناً. ألا تخبرني من هي؟. هي كالحلم حائرة تأتي, وكثيرا ما ترحل دون أن تقول. دائما هناك قوقعة لكل الحائرين, وهكذا المكان لها. ما أكثر ما كانت تهرب من المدينة العبقة بالزيف وتأتي, لتخرج من الآخرين هنا وتجلس أمام البحر تبحث عن حلم, فبدون الحلم يموت الوقت في التكرار, وتنتهي الحياة عند غريزة البقاء كما الطيور. ما أعظم أن تكون للروح بقايا في أجساد يلتهمها الوقت والمصير دون أن تدري, أحيانا يتوارى الحلم خلف الصخور خوفاً من الريح العاتية, ولكن لابد من صمت يأتي, حيث تفارق فيه الريح ثورتها, ويخرج الفجر من بين الظلال يملؤه السكون بالسكينة. الأمل يا بني هو كالحلم, أمور قادمة لا نقرأها على صفحة السماء الصافية, فهي تأتي دون انتظار يملكه الوقت بالرجاء. أحيانا كثيرة كانت تعود لتقول أموراً تؤرقها, وأحيانا تكون سعيدة بتلك الطيور القادمة من جهة البحر, وكثيرا ما كانت تكتب حزنها وحتى ابتسامتها, فقد كانت تختبئ بين الكلمات لتخبئ الأحلام بين سطور. ومتى تأتي؟ لا أعلم, ولكنها تكون هنا في أي صباح. فأنا لم أعتد الانتظار. عذرا يا بني ولكني أريد أن أذهب إلى المدينة لبعض الأعمال فهل ستبقى هنا؟. لا لن أبقى بل سـأذهب أيضا. سار الاثنان نزولاً نحو مكان آخر تملؤه الحركة والنسيان السريع للأشياء, وانتهى الحديث في دروب متفرقة, وعودة من جديد نحو البيت. كان فارس ينتظر حتى ينتهي من ذلك الفضول فهو يتوق إلى معرفة ما جرى, عندها دخل أحمد وهو يبتسم لفارس. أخبره عن الرجل وعن ما يجري هناك, من أمور تكاد تكون خارج نطاق روح المدينة. فهو عالم آخر يبدأ حين تنظر إلى المنارة من بعيد, تبدأ المعالم للاماكن والناس بالتراجع خلف الذاكرة وكأنك تدخل في حلم, أو كأنك تخرج من حلم نحو حقيقة, فحين الوصول إلى التلة والبحر, يختفي واقع المدينة وكأنها استفاقة العقل من غيبوبة الملل. بقي أحمد يتحدث مع فارس عما جرى في ذلك اليوم, وكأنه يستعين بالحديث كي يعيد ترتيب أفكاره من جديد, فهو يستعد ليوم آخر يكون فيه أكثر صفاءً ووضوحاً, فالكلمات وذاك الرجل, ومعالم الحلم الماثلة أمام العين أمور لها استعداد من نوع آخر حتى يكتمل التواجد حقيقة, ولا يبقى مجرد فكرة سرعان ما تزول حين يبدأ نداء الجسد وإيقاعات الحياة اليومية تلك التي تتكرر بلا انتهاء أو أمل. بعد أن انتهى الحديث بينهما دخل أحمد إلى غرفته, وجلس أمام نافذة البحر وبين أوراق كانت تنثر عليها الكلمات, وكأنها صدى لحياة خارج نمط الحياة, ولأفكار تبحث عن دليل لمعنى التواجد الفعلي للحركة والإنسان, ليس في هذا الزمن فقط , بل في كل الأزمان التي مرت على هذه الأرض القديمة قدم الكون وما يعنيه. كان جديد الأيام يبدأ عند المنارة والرجل, فلقد اكتفى أحمد من الملل المستمر لمجاراة الأحداث على أرصفة الواقع, فهناك مسارح تعرض حكايا أصابها التلف والهرم من كثرة التكرار والزيف, وأولئك الممثلون وأقنعة صارت تهترئ. ولم تعد تخفي ملامح الحقيقة الهشة خلفها, ليس هو فقط بل كثيرون آخرون شاهدوا تلك الهياكل وهي تسقط, لذلك صارت اللامبالاة وسيلة تنقلهم نحو زمن آخر. هو كالآخرين ينتظر حلماً, وها هو يخرج إلى حقيقة تبدأ هناك, فيغادر المدينة في الصباح ليبدأ الخطى نحو رؤيا جديدة مقنعة له أكثر من تلك الأقنعة.
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 10 | ||||||||||||||
|
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 11 | ||||||||||||||
|
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 12 | ||||||||||||||
|
|
||||||||||||||
|
![]() |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | تقييم هذا الموضوع |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| سارة ونافذة الآخر | احمد النوباني | منتدى القصة القصيرة | 5 | 02-03-2008 05:13 PM |
| قراءة الدماغ . الحواس والإشارات واللغة أبواب التواصل | نبيل حاجي نائف | منتدى الحوار الفكري العام | 2 | 08-05-2007 09:32 PM |
| ألرأي .. والرأي الآخر : لطفي زغلول | لطفي زغلول | منتدى الحوار الفكري العام | 2 | 23-11-2006 09:50 PM |
| سارة و العقاد | أحمد الشناوى | منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي | 0 | 10-09-2006 12:18 AM |
| قصص وعبر (فاعتبروا يا أولي الألباب) | هشام حمودة | المنتدى الإسلامي | 61 | 05-10-2005 12:39 PM |