السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يقول الله تعالى في سورة طه:"أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ",ويقول سبحانه وتعالى في نفس السورة:"وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي",لماذا قال هناك "لتصنع" وهنا قال :واصطنعتك"؟.
نلاحظ أنه في الآية 39 من سورة طه كان الكلام عن سيدنا موسى عليه السلام حين كان طفلًا رضيعًا,وأخذته زوج فرعون بعد أن ألقى الله عزوجل المحبة في قلبها,واسند المحبة لله للدّلالة على أنها محبّة خارقة للعادة لعدم ابتداء أسباب المحبّة العرفيّة من الإلف والانتفاع، وقال الله "لتصنع" وهو فعل مبني للمجهول وذلك لبيان أن التربية والنشأة التي تلقاها موسى عليه السلام من قِبل فرعون وزوجه لم تكن إلا برعاية الله وإرجاعه إلى أمه,حيث يقول الله تعالى:" إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّك",والصنع هنا على الحقيقة يعني العمل ,فيقال صنع يصنع صنعًا,فهو مصنوع, ولكن هنا استعمل على وجه الإستعارة بمعنى التربية والتنمية ,وقوله تعالى:"عَلَىٰ عَيْنِيۤ" أي على رعاية ورقابة مني ,هنا استعمل فعل "صنع" دون مبالغة لأن الأمر لا يستوجب المبالغة بعد أن جعل المحبة تعم قلب امرأة فرعون ورده إلى أمه كما بق وقلت, ولأن التربية في الصغر لا تكليف فيها _من جانب الصغير_, ولكن بعد أن بلغ موسى عليه السلام أشده وخروجه من مصر إلى مدين ومكوثه سنين جاء ما قدر الله له عليه السلام من أمر التكليف والتبليغ, فجاء بالإفتعال من الصنع الإصطناع, والاصطناع: صنع الشيء باعتناء. واللام للأجْل، أي لأجْل نفسي. والكلام تمثيل لِهيئة الاصطفاء لتبليغ الشريعة بهيئة من يصطنع شيئاً لفائدة نفسه فيصرف فيه غاية إتقان صنعه.