|
|
|
|||||||
| منتـدى الشعـر المنثور مدرسة فرضت نفسها على الساحة بكل قوة واقتدار، وهنا نعانق مبدعيها ومريديها في توليفة لا تخلو من إيقاع.. |
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||||
|
وليمة المجد ** قبل الصفارة كان الماء بارداً. كعادته. لكن يوسف لم يعد يشعر به. خمس سنوات وهو يغزوه قبل الفجر، في مسبحٍ مهجور، حيث لا أحد سوى الظلال والمتسولين. ذراعاه تحفران في الزمن. كل ضربة تذكره: "السباحة فلسفةٌ"، قال المدرب الذي هجره حين توقفت القروش القليلة. "أنت لا تسبح في الماء، بل في الحياة". أمه في ثلاث وظائف. أخته تبيع كتبها. الحي يراهن على جسده الفتي. الانطلاقة في الصالة الأولمبية: أضواء تعمى، صيحات تصِم، أجساد بملابس باهظة كالأساطير. يوسف واقف على الحافة. حافيَ القدمين تقريباً. يغوص. يختفي العالم. يصبح الماء لغته الوحيدة: برد المسبح القديم، دموع أمه الصامتة، نظرة أخته. الماء يقاوم، التيار يعاند، وهو يخترقهما كسكين. اللمسة يلمس الجدار. صمت. ثم انفجار يهز أركان الخيال. رقم قياسي مكسور. بطل ولد توا. الذهول فجأةً: الصالة انمحت. الجماهير تبخرت. وجد نفسه في فضاء لا نهاية له. في القلب: شجرة عظيمة وحيدة. ومن غصنها الأقوى: ميدالية ذهبية تتأرجح كشنق. وضعها على نحره. ثقلها ليس من الذهب، بل من المستقبل الذي ينتظره. التمزق أصوات تقترب: "أين البطل؟" "نريده!" "إنه ملكنا!" همهمة الذئاب التي تشم لحما طرياً. أدرك: هم لا يريدون يوسف. يريدون أسطورته. يريدون أن يأكلوا من جسده الرمزي. ارتجف. ليس خوفاً. بل إدراكٌ صاعق: النصر فخ. بدأ جسده يتغير. يتصلب. يتفرع. يصير ساقاً، ثم جذعاً، ثم أغصاناً. قلبه تحول إلى عنقود عنب ذهبي يتدلى. الوليمة وصلوا. وجدوه: عنقوداً ذهبياً على شجرةٍ غريبة. "حبّتي! أنا شجعته!" "حبّتي! أنا دفعت!" "حبّتي! أنا كتبت!" تنافسوا على القطف: سياسي يريد زينة لخطاباته. تاجر يريد سلعةً لإعلاناته. صحفي يريد قصةً تبيعه. جيران يريدون مجداً بالوكالة. كل يقضم حبة. كل يلتهم جزءاً من "البطل". النسيان في البيت القديم: أمه تصب الشاي في كوبين. تحدّق في الطريق. أخته تقرأ بصوت خافت في كتاب مستعمل، وكأنه يسمع. في المسبح المهجور: الماء ساكن كمرآة تعكس فراغاً. لا أحد يذكر الفتى الذي حفر في الماء خمس سنواتٍ كي يزرع حلم الفوز. السؤال الأيام تمر. الألسن التي قضمت الحبات الذهبية تلعق الآن حلوى جديدة. السياسي وجد أسطورةً طازجة. التاجر وجد وجهاً آخر. الصحفي يبيع كذبةً جديدة. لكن الشجرة باقية. والسؤال معلّق في الهواء كالضباب: "ما البطولة؟" هل هي الميدالية التي صارت شنقاً؟ هل هي الجسد الذي صار عنباً يلتهم؟ هل هي الرحلة الطويلة في البرد والوحدة؟ الشجرة تعرف. لكنها صامتة. صامتة كأمٍ تنتظر عند طاولةٍ بكوبين من الشاي البارد. صامتة كالمسبح المهجور الذي يحفظ إيقاع ذراعي فتى كان يسبح ضد التيار. البذرة ربما البطولة هي أن تكون شجرة: تعطي ظلاً بلا شروط، تحمل ثمراً تنهش ولا تشتكي، تقف وحيدةً في العراء، تنتظر فتىً آخر ليبدأ الركض نحو المجد الذي سيلتهمه الجائعون مرةً أخرى. ودائماً.
|
|||||
|
![]() |
|
|