الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 31-05-2007, 03:52 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
محمود شاهين
عضوية مجمدة
 
إحصائية العضو







محمود شاهين غير متصل


افتراضي مختارات من قصصي

(1) العبد سعيد
ترجمت إلى الفرنسية والألمانية ولغات اخرى وبيعت إلى السينما .
النص :
طرحت الجدة زبيدة عصبتها عن رأسها وأصلحت من وضع جلستها فوق كيس الخيش، وأخذت تروي قصة العبد سعيد للفتيات اللواتي تجمعن من حولها :
(( يجوز أن لا تصدقن هذه القصة يا بنات ، لكن وحياة أولاد أولادي أنني لا أكذب عليكن .. كنت ألعب مع أولاد العشائر في السهل الفسيح المنبسط أمام عشرات بيوت الشعر، وكان سعيد ابن عبد الشيخ علي يلعب معنا. كم شاهدت في حياتي أبناء عبيد لكني لم أشاهد مثل ذاك الإبن .. وحياة رأس والدي أنه كان كان ينقض على الأولاد كما ينقض الصقرعلى طيور الحجل .. ولد يا بنات
، ولد لم تلد مثله النساء من قبل .. فهو أطول من عمود البيت ،وله وجه لوحته السمرة ، وبلا ركبتين ، لذا كان يسبق كافة الأولاد في الجري .
وبينما كنا نلعب ذلك اليوم ، مر الشيخ علي يتبعه العبد قعدان .. كان أولاد العشائر يهجمون على سعيد من كل صوب ، فيصرخ في وجوههم ويبدأ بطرحهم أرضا واحدا بعد الآخر . أما نحن الفتيات فكنا نقف جانبا ونرقب المعركة باهتمام .. تصورن أنه كان يطلب من أبناء العبيد عدم التدخل في الصراع والوقوف إلى جانبه ضد أبناء العشائر ، إلا إذا هزم ، لكنه نادرا ما كان يهزم .
وعندما شاهده الشيخ علي ، وقف يرقبه في اندهاش من على ظهر جواده ، كان قد طرح كافة الصبية أرضا ، وعاد يقف إلى جانب أبناء العبيد، ونحن نقف في ابتهاج ، حتى أن صبية العشائر طأطأوا رؤوسهم خجلا منا .
التفت الشيخ إلى العبد قعدان وقال له ( إذا ما كبر هذا الطفل فلن تبقى امرأة في العشيرة إلا وتنزع ثيابها له ، اذهب وأتني به سأقطع خصيتيه ) !!
وقف العبد قعدان حائرا للحظة ، ثم تهاوى على الأرض وأخذ يبكي ويذر التراب على رأسه !! فقال له الشيخ :
- ما الذي ألم بك يا عبد النحس ؟
فقال العبد قعدان :
-إنه ابني يا سيدي الشيخ إنه ابني !!
فقال الشيخ :
-أنا لا يهمني إذا كان ابنك أم غيره ، يجب أن تحضره وإلا ستكون وذريتك مطرودا من عشيرتي
حتى سابع عشيرة إلى يوم الدين !!
ولكز الجواد فانطلق به نحو مضرب العشائر .
لم يجد العبد قعدان مفرا من ذلك .. نهض عن الأرض وسار باتجاه الأولاد . قاد ابنه من يده والدموع تتدحرج على وجنتيه.. وسار عشرات الأولاد من خلفهما ..
بلغ الخبر مسامع الناس فتجمعوا في الساحة أمام بيوت الشعر ، وأحاطوا بالعبد قعدان وابنه..
أشعل الشيخ النار ، وأحضروا له سكينا فوضع نصله فيها ..
قال سعيد لأبيه قعدان :
- لماذا أشعل الشيخ النار ووضع السكين فيها يا أبي ؟
فلم يعرف الأب بماذا يجيب، لكنه خاطب الشيخ :
- ألا يسمح لي سيدي الشيخ أن أبتعد لأنني لا أستطيع تحمل ما سيحدث .
فسمح له الشيخ قائلا :
- إلي بالولد ولتنصرف حيثما شئت :
أسلم العبد قعدان ابنه إلى الشيخ وانصرف .
أحس الولد بالرعب فأخذ يصرخ وينادي والده جاهدا لأن يفلت من يدي الشيخ ، لكن يدي الشيخ كانتا تتصلبان على معصميه عدا أنه أمر بإحضار الحبال ليقيدوا الولد ويشلوا حركته .
قيدوه من يديه ورجليه ، لكنهم لم يحدوا من حركته ، فأمسك رجلان بيديه ورجلان بقد ميه ..
ثم جاؤا بخيط من القنب حصروا خصيتي الولد أسفل كيس الخيصيتين وربطوا الخيط من فوقهما .
أخرج الشيخ السكين من النار فبدا أحمر كاللهب .. ابتعدت بعض النساء فيما أخفى بعضهن وجوههن .. وهرعت أم سعيد من بعيد وهي تصرخ ( ابني ابني ) مرر الشيخ السكين من تحت الخيط فقطع الخصيتين وألقى بهما بعيدا فلاحقتهما عيون الناس وهرع الأطفال نحو المكان الذي ستسقطان فيه !!
انقضت أم سعيد كلبوة فقدت أشبالها .. انتزعت الولد من بين أيدي الرجال وانطلقت به عائدة إلى البيت وهي تصرخ بحرقة وألم .
(2)
قلت لكن أنه يجوز أن لا تصدقن يا بنات ، لكن هذا ما حدث بالفعل وهو ليس كل الذي حدث ، فقد كبر سعيد وأخذ يرعى قطعان الشيخ التي يزيد تعدادها على سبعة آلاف وخمسمائة نعجة وماعز . نعم يا بنات كان يرعى كل تلك القطعان وحده ، ويا ليتكن ولدتن من قبل لتشاهدن ذاك الفتى الأسمر ، إنه الراعي الوحيد الذي لم يكن يصطحب الكلاب معه ، وقد لا تصدقن أنه عندما كان الذئب يسطوا على قطعانه كان يجري خلفه إلى أن يلحق به ويخلصه الشاة التي خطفها ثم يسمه بوسم القطيع على أذنه ويطلق سبيله !!
إن هذا أغرب من الخيال يا بنات لكنه ما حدث بالفعل فلا تلمنني إذا ما تنهدت وبكيت بحسرة على ذاك الفتى الأسمر الطيب ن فكم من أرانب برية وذئاب وضباع وغزلان أمسك بها ووسمها بوسم القطيع واطلقها .
آه آه ..!! أما عندما كان يعزف على الناي أو المجوز أو الأرغول ، فهذا ما لا أستطيع وصفه لكن . قلت لكن يا ليتكن ولدتن من قبل لتشاهدنه ، فهؤلاء الرجال الذين تشاهدنهم الآن ليسوا رجالا !!
كان سعيد يجلس دائما على رابية عالية والقطعان تنتشر من حوله في الأودية وفي الجبال وبين الشعاب ، ويشرع في العزف :
تثبت كل شاة في مرعاها .. تتوقف الطيور عن تغريدها .. تمر أسراب القطا عبر الفضاء وتحلق فوق رأسه ثم تحط على مقربة منه .. تتوقف النساء عن قطع الحطب وتعشيب الزرع ، وقطف الحبيوة والبابونج ويجلسن يتنصتن .
تداعب أصابعه ثقوب المجوز بخفة .. ينتقل الصوت عبر الأودية والشعاب ليتردد صداه من قفر إلى قفر محمولا على أجنحة الريح !!تخرس كل نايات الرعاة وأراغيلهم ومجاوزهم .. تتجه أغنامهم إلى الناحية التي يسمع فيها صوت ناي سعيد .
تدور النشوة في رؤوس النساء اللواتي يحتطبن أو يغسلن الثياب أو يعشبن ، فيتسللن إلى سعيد وينزعن ثيابهن أمامه ، إذا لم يكن في مرأى من أعين الناس ، وإذا كان كذلك فكن ينزعن ثيابهن
في أماكن تقيهن العيون !
وذات يوم يا بنات – قربن آذانكن لأهمس لكن –كنت أحتطب في واد يرعى فيه سعيد قطعانه . سمعته يعزف فتسللت إليه .. نزعت ثيابي أمامه قطعة قطعة وجلست عارية بين يديه !! لم يتوقف عن العزف وخلال لحظات كانت نسوة كثيرات يتعرين ويجلسن أمامه خاشعات بين الحجارة والصخور !!
(3)
لا تصدقن يا بنات من يقول أن المرأة لا تؤتمن على سر ، فلم يكتشف أحد أن النساء يتعرين عندما يسمعن عزف سعيد ، على الرغم من أن أغلب نساء العشائر تعرين عند سماعه ولو داخل خدورهن !!
وجاء يوم يا ليته لم يأت ! آه آه فقد جاء فرسان الأتراك من القدس ليجمعوا الضرائب لخزينة السلطان . كانوا يجوبون الأودية والجبال بحثا عن القطعان لتعدادها وللحصول من أصحابها
على ضريبة عن كل شاة .
أقبلوا على سعيد .. كانت قطعانه تنتشر على مساحات كبيرة بين الأودية وعلى سفوح الجبال وقممها ..
قال له مأمور الفرسان :
- أنت الذي ترعى كل هذه القطعان ؟
- نعم يا سيدي المأمور .
- وحدك ؟
- نعم وحدي يا سيدي !
- وهل تستطيع حمايتها من الذئاب؟
- نعم يا سيدي .
- وكيف تتركها تنتشر بين حقول الزرع هكذا ؟
- إنه لم ينبت جيدا بعد يا سيدي المأمور ، ثم إنني طوعت قطعاني على عدم الإقتراب من الزرع !!!
وهنا صمت المأمور للحظات مخفيا دهشته من قول سعيد ، وراح يجوب بنظراته مختلف الجهات
فبدت له الأغنام أكثر من النمل ، فاحتار في أمره ولم يعرف كيف سيعدها .. نظر إلى سعيد :
- قل لي أيها العبد !!
- نعم يا سيدي المأمور .
- ألا تتفقد قطعانك كل يوم ؟
- نعم إنني أتفقدها يا سيدي .
- كيف ؟
- أقوم بعدها يا سيدي !
- ألم يسبق ووجدتها تنقص شاة أو أكثر ؟
- لم يسبق يا سيدي !
- وكم تعداد قطعانك ؟
- سبعة آلاف وثمانمئة وإحدى وثمانون شاة يا سيدي !!
- وهل كلها لسيدك ؟
- إنها لكل العائلة يا سيدي لكن سيدي يملك أكثرها .
وصمت المأمور قليلا .. نظر إلى وجوه الفرسان ، ثم نظر إلى سعيد :
- اسمع أيها العبد !
- نعم يا سيدي .
- أنا أصدقك ولن أقوم بعد القطعان ، لكنني لن أبرح مكاني هذا قبل أن أرى كيف تجمعها وتعدها ، ما رأيك ؟
صمت سعيد للحظة موجسا أن يحدث له شيء، قال :
- هل يحلف سيدي المأمور بالله ورأس السلطان أن لا يمسني بسوء إذا ما فعلت ذلك ؟
- إنني أحلف أيها العبد !
وهنا اعتلى سعيد صخرة عالية يا بنات ، هيأ مجوزه وشرع يعزف لحنا خاصا ..
نزل الفرسان عن خيولهم حين أدركوا أنهم سيسمعون عزفا غير عادي ، وجلسوا على
الحجارة ينصتون وينظرون إلى القطعان ..
أخذت الأغنام تهرع من كل صوب وتقف في طوابير منتظمة أمام سعيد .. انتظمت النعاج في طابور والمعز في طابور آخر .. وصلت كافة الأغنام وانضمت إلى الطابورين .. توقف سعيد عن
العزف لكنه لم ينزل عن الصخرة .
همس المأمور في اذن معاونه :
- قل لي برب الكائنات ؟!
- ماذا يا حضرة المأمور ؟
- إذا كان هذا فعل العبد بالأغنام ، فما بالك بالنساء بالله عليك ؟!!!
همس المعاون دون تردد:
- أعتقد أنهن يشمرن له عن أفخاذهن يا حضرة المأمور !!
ونظر المأمور إلى سعيد نظرة ماكرة :
- ألا تنزل أيها العبد ؟
تنبه سعيد بفطنته إلى أن المأمور يبطن له الشر !!
- لن أنزل يا سيدي !!
اعتلى المأمور جواده وحاول أن يصعد إلى سعيد ، لكنه لم يظفر به ، فقد وثب سعيد عدة وثبات
وراح يتسلق صخور الجبل ، فلم يستطع الجواد أن يلحق به ، لكن المعاون تنبه إلى أمر هام ، فالتفت إلى المأمور :
- جاءتني فكرة يا حضرة المأمور!
- ما هي قل ؟
- أعرف أن هؤلاء العبيد يحرصون على القطعان التي يرعونها أكثر من حرصهم على أنفسهم ، فإذا ما أوهمنا هذا العبد اننا سنأخذ قطعانه ، فسيلحق بنا لاستردادها .
- انت مدهش يا حضرة المعاون ، هيا بسرعة ولننهل على الأغنام بالسياط.
- أحاط الفرسان بالمعز والنعاج وانهالوا عليها بسياطهم وساقوها أمامهم . جن جنون سعيد فأخذ يصرخ من على صخرة مناديا :
(ألم تحلف بالله ورأس السلطان أنك لن تمسني بسوء يا سيدي المأمور فلماذا تأخذ قطعان سيدي )؟
خاطبه المأمور بأعلى صوته:
( لن نفلت الأغنام إلا إذا سلمت نفسك لنا ايها العبد )!
شاهد الناس الفرسان يسوقون القطعان فأخذوا ينظرون من على قمم الجبال..
هرع سعيد خلف الفرسان وهو يدرك في قرارة نفسه انه يسلم نفسه إلى قدره .. لحق بهم .. لم يكن خائفا .. نزل الفرسان عن خيولهم . أمسكوا به .. قيدوا قدميه وطرحوه أرضا .وضعوا يده اليسرى على حجر .. استل المأمور سيفه وأهوى به على أصابعها فبترها .....
(4)
ايه يا بنات .. قلت لكن أن لا تلمنني إذا ما تنهدت وبكيت ، فكم تغير العبد سعيد بعد ذلك .. لم يصدق أحد ان هذا هو سعيد الأمس ، فقد ترهل كل شيء فيه ، ضمر جسمه ، وبرزت عظام صدغيه ، وغارت عيناه في رأسه ، وتهدل هدباه ، وخارت قواه ، ولم يعد يهتم بنفسه ، وأهمل قطعانه ، فلم تعد تذعن له ، وأصبح يتعذب كثيرا في السيطرة عليها وجمعها ..
وذات يوم داهمت الذئاب قطعان سعيد ، فهربت القطعان أمامها .. راحت الذئاب تشتتها بين الأودية وعلى سفوح الجبال وكلما لحقت بشاة فتكت بها وتركتها لتلحق بأخرى .. إلى أن أتت الكثير من الأغنام ..ولولا هروع الناس من البيوت لأتت على معظم القطعان ..
حين بلغ الخبر مسامع الشيخ جن جنونه، وانهال على سعيد بالضرب المبرح ما أن مثل أمامه .
وأقسم برأس والده أنه سيجعل منه عبرة لكل العبيد إذا ما شاهده في ربوعه .
هام سعيد على وجهه لا يعرف أين تجره قدماه ... وانقطعت عنا أخباره منذ ذلك اليوم يا بنات .)
نهاية






 
رد مع اقتباس
قديم 04-06-2007, 07:47 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
رياض بن يوسف
أقلامي
 
إحصائية العضو







رياض بن يوسف غير متصل


افتراضي مشاركة: مختارات من قصصي

قصة جميلة و مؤثرة و فريدة في بابها.
تحية لاديبنا الكبير.







 
رد مع اقتباس
قديم 05-06-2007, 04:40 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
محمود شاهين
عضوية مجمدة
 
إحصائية العضو







محمود شاهين غير متصل


افتراضي مشاركة: مختارات من قصصي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة رياض بن يوسف
قصة جميلة و مؤثرة و فريدة في بابها.
تحية لاديبنا الكبير.
جزيل شكري عزيزي رياض
سعدت بوجودك هنا ايضا .
منذ قرابة اسبوع زارني هنا في معرض رسوماتي في دمشق الأديب الجزائري مصطفى فاسي وأهداني كتابه
القصصي ( رجل الدارين ) وفوجئت بأن لوحة الغلاف لي .
لي في الجزائر اصدقاء كثيرون منهم : الصديق الطاهر وطار ، والأعرج واسيني ، وزينب الأعوج ، وربيعة الجلطي ، وعبد المالك مرتاض ، والزاوي أمين وغيرهم ، وجميعهم أدباء . وقد أرسلت لهم لوحات مع مصطفى .






 
رد مع اقتباس
قديم 07-06-2007, 07:57 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
مختار محمود
أقلامي
 
إحصائية العضو







مختار محمود غير متصل


افتراضي مشاركة: مختارات من قصصي

قصص جيدة
دمت مبدعا بخير
مختار







 
رد مع اقتباس
قديم 09-06-2007, 03:42 AM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
محمود شاهين
عضوية مجمدة
 
إحصائية العضو







محمود شاهين غير متصل


افتراضي مشاركة: مختارات من قصصي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مختار محمود
قصص جيدة
دمت مبدعا بخير
مختار
جزيل شكري عزيزي مختار
دمت مبدعا
مودتي






 
رد مع اقتباس
قديم 10-06-2007, 01:59 AM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
محمود شاهين
عضوية مجمدة
 
إحصائية العضو







محمود شاهين غير متصل


افتراضي مشاركة: مختارات من قصصي

مسك وعنبر وفيض مقدس !!
من المسائل غير المعقدة ( وربما المعقدة ، فأنا وللحق أشعر أنني بدأت أفقد المقدرة على التمييز بين المعقد وغير المعقد ) فالشيخ صابر لم يشم في حياته لا رائحة المسك ولا رائحة العنبر ، لندرة هذين النوعين من الطيب ، وصعوبة الحصول على مادتيهما الأساسيتين ، فالأول ( أي المسك ) وحسب ما يعرفه لنا المعجم الوسيط : ( ضرب من الطيب يتخذ من ضرب من الغزلان ) والثاني ( مادة صلبة لا طعم لها ولا ريح إلا إذا سحقت أو أحرقت ) ويقال أنه روث دابة بحرية ، قد تكون الحوت ! فمن أين تسنى للشيخ صابر أن يعرف أو يميز رائحتيهما ؟
على أية حال سنتجاوز مصاعب الحصول على هذين النوعين من الطيب ، ونفترض قسرا أن الشيخ صابر ممن تضمخوا ذات يوم بالمسك أو العنبر ، أو الإثنين معا ، إذ أن المشكلة الكبيرة والمعقدة للغاية ، ليست في أن يعرف الشيخ أو لا يعرف ، أو أن يميز أو لا يميز ، المشكلة في أن يشبه الشيخ رائحة ضراط الأعجف برائحة المسك والعنبر !! لاحظوا رائحة المسك والعنبر معا ، ولو أنه اكتفى برائحة واحدة لما عقد المسألة إلى هذا الحد .، وربما لما كانت معقدة إطلاقا ، غير أنه وبإطلاق هذا التشبيه على الضراط الأعجفي فتح بابا لم يكن من السهل على الحضور إغلاقه ، أو حتى العبور منه ..
لنطرق الواقعة من أولها :
كان الشيخ والساعد الأول وبعض (السواعد ) المقربين جدا يجلسون في حضرة الأعجف بكل مهابته . ومهابته هذه تعني أن الجلسة لم تكن جلسة عادية ، فهي أقرب إلى المكوث بين يدي أكبر وأعظم الآلهة طرا ، لكن ليس كما صوره علم الكلام المعتزلي ، أو محي الدين بن عربي ، أو حتى الأشعري والغزالي ، بل كما تتصوره مخيلة الأعجف . ، ومخيلة الشيخ صابر ، وكان في المستطاع أن تفض الجلسة دون أن تخرج عن حدود الطقس أو البروتوكول ، فوق العادي ، لو لم يضرط الأعجف ، فتحول ضرطته تلك الجلسة إلى الطور الخارق ، أو فوق فوق العادي ، إذ من التجني السافر والإجحاف المطلق بحق المتصوفة ، القول بأنها تحولت إلى نوع من التصوف الروحي في حضرة تجل إلهي !!
كان كل شيء اقرب إلى الطقس العادي ، عندما مد الأعجف يده ليأخذ سيجارة من علبة السيجار التي أمامه على طاولة المكتب ، فامتدت عشر أيد بعشر ولاعات لتشعل له سيجاره ، عشر أيد وعشر ولاعات مع أن الموجودين كانوا تسعة فقط . وهذا يعني أن أحد الموجودين ( وهو الشيخ صابر قطعا ) مد يديه الإثنتين وبولاعتين !! وهو في الحقيقة كان يحرص على أن يحمل ولاعتين كلما ارتبط بموعد مع أحد قيادات القبائل الكثيرة والمتعددة ! يضع إحداها في جيبه اليمنى ويضع الأخرى في الجيب اليسرى ، وما أن يشاهد القائد يهم بإخراج سيجارة ، حتى يدخل يديه في جيبيه ويخرج الولاعتين ، ويمد يديه وهو يشعلهما معا ، فإذا ما عاكسته واحدة تقدم بالأخرى ، وإذا ما أشعلت الإثنتان ، فإنه يطفىء التي باليد اليسرى ويعيدها إلى جيبه .
لم يكن الأعجف قد أخذ سيجاره بعد عندما امتدت إليه الأيدي العشر بولاعاتها المشتعلة ( فقد حرص الشيخ على غير عادته أن يبقي على الولاعتين مشتعلتين ، لعله يحظى بشرف إشعال سيجار الأعجف ) وحقا حظي ، فقد أخذ السواعد الآخرون يعودون إلى مقاعدهم حين أدركوا أن ولاعتي الشيخ كانتا الأسرع إلى المبادرة والإقتراب من وجه الأعجف ، ثم إنهم أكدوا ولاءهم المطلق ، ورغبتهم العارمة في نيل شرف إشعال السيجار الأعجفي ، بنهوضهم وتقدمهم وإشعال ولا عاتهم !!
ابتسم الأعجف حين تنبه إلى الشيخ يمد يديه بولاعتين . هتف ( قبل أن يضع السيجار في فمه ) :
( أنت داهية يا شيخ ، بوجودك لا يمكن لأحد أن يسبق لللإشعال لي )
هتف الشيخ وقد نفد صبره من إبقاء الولاعتين مشتعلتين :
( إنه لأكبر شرف لي أن اكون دائما السباق إلى إشعال سيجاركم الطاهر ، وإنه لشرف أعظم لو أنكم تتيحون لي أن أبقى دائما في حضرة عظمتكم لأشعل لكم )
وضع الأعجف السيجار في فمه ، فيما كان الشيخ يطفىء الولاعة التي بيده اليسرى ويتقدم بالتي بيده اليمنى . وهنا بالضبط حدث الضرط التاريخي المهول ، فقد ارتأى الأعجف أن يرفع مؤخرته مليمترات عن الكرسي ليقرب رأسه من ولاعة الشيخ ، وليتيح للضراط الذي كان يضغط على بطنه - بعد تناول كميات متنوعة ومرعبة من الطعام – أن يتسرب من دبره .وهو وللحق كان يظن ان الضراط سيخرج عالهدى ( أي دون صوت ) ودون ان يثير رائحة كريهة للغاية . لكن ما جرى كان تاريخيا حقا ، ففي اللحظة التي رفع فيها الأعجف مؤخرته وهو يتكىء بمرفقه الأيسر فوق طاولة المكتب ، ويأخذ نفسا لإشعال السيجار ، انفلت صمام دبره مرة واحدة ليندفع منه ضرط مهول دوى في أرجاء حجرة المكتب ! نقز الأعجف وأطبق بمؤخرته على الكرسي في محاولة للحد من اندفاع أي انفجار آخر . ونظرا لأنه لم يكن يعرف أن ضراطه ( فيض مقدس ) حتى حينه ، فقد أحس بالخجل وسارع إلى الإعتذار ، فيما كان الصمت المطبق يلف وجوه السواعد ، والشيخ صابر الذي بقي واقفا دون حراك منتظرا مرور الفيض المقدس الذي قطع إشعال السيجار قبل أن يكتمل :
( آسف يا جماعة .. أشعر بمغص في معدتي ) !!
وهنا انبرى الشيخ صابر إلى القول ، بعد أن دار بوجهه بسرعة على الحضور :
( تتأسفون عظمتكم وأنتم تغمروننا بفيض بركتكم المقدس وقد حل علينا ) ؟!
وكانت الرائحة الكريهة للغاية قد أخذت تنتشر في فناء الحجرة ، رائحة ثوم وفجل وما شابه وقد تخمرت في معدة الأعجف ، ومرت عبر امعائه ، فغدت لا تطاق .
استدرك الشيخ قائلا :
( إنني اشتم فيه رائحة المسك والعنبر أيها الأخ الأكبر والقائد الأعظم )
وهنا ثنى الساعد الأول على ما قاله الشيخ :
( فعلا أيها العليم البصير إن لفيض بركتكم المقدس رائحة المسك والعنبر 11)
وانفتح الباب الذي لم يعرف السواعد الآخرون كيف سيدخلون منه أو يغلقونه ، لا لجهلهم بالأطايب والعطور فحسب ، بل لاعتقادهم أن أي نعت لن يرقى إلى ما تفوه به الشيخ ، ومع ذلك لم يجدوا إلا أن يضيفوا ما هب ودب على السنتهم على وصف الضرط التاريخي :
أضاف الساعد الثاني مكملا :
( بل والياسمين والنسرين ، المسك والعنبر والياسمين والنسرين )
وأضاف الثالث :
( والفل والنرجس والزنبق والقرنفل )
وراح الآخرون يعتصرون أدمغتهم ليخرجوا بأي تشبيه ، وحين وصل الدور إلى السابع كان ابن الكلب قد فطن إلى أطايب عجيبة ، فهتف :
( بل والند والنردن والنارنج ) وبهذا قطع الطريق تماما على الساعد الثامن ، فلم يجد إلا أن يقول ( بل روائع الأطايب والعطور كلها ، كلها مجتمعة أيها الثائر الأكبر)
ولحظتئذ فقط ، أدرك الأعجف أن ضرطه كان مقدسا وتاريخيا وجامعا لكل أنواع الأطايب والعطور ، فأطلق العنان لمؤخرته .
والحمد للذي يمكن أن يستحق الحمد ،أن الشيخ صابر لم يسمع بابن عربي والشيرازي والمتصوفة أجمعين ، ولم يعرف عن فلسفتهم شيئا ، وإلا لرأى في الضرط أحد أشكال التجليات الآلهية الأعجفيه باعتباره ( الضرط ) خاضعا لوحدة الوجود الإلهي الأعجفي ، ومع ذلك فإن رؤيته للضرط وتفسيره له ، لم يبتعدا كثيرا عن هذه النظرة .
المشكلة أن المسالة لم تتوقف عند حدود تشبيه رائحة ضراط الأعجف برائحة المسك والعنبر ، فقد تجاوزت ذلك إلى اعتبار برازه لؤلؤا منثورا ، ليغدو الضراط والبراز الأعجفيان – فيما بعد – حقيقة مقدسة ثابته لا يرقى إليها الشك الجماهيري !!
الذي لا يصدق ( وربما يصدق باعتبار الصدق اختلط بالكذب إلى حد يستحيل معه الفصل بينهما ) هو ان الأعجف نفسه – وهذا ليس غريبا عليه – بات بعد الواقعة وما دار حولها من تقولات ومبالغات وخرافات غير معقولة ، يشتم في ضراطه رائحة الطيب ويرى في برازه اللؤلؤ المنثور !!
1987
صدرت ضمن مجموعة (موتي وقط لوسيان ) عن وزارة الثقافة الفلسطينية في رام الله عام 1999







 
رد مع اقتباس
قديم 20-10-2007, 02:44 PM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
محمد جوهر
أقلامي
 
إحصائية العضو







محمد جوهر غير متصل


افتراضي رد: مختارات من قصصي

الاخ محمود :أشكر جهودك المضنية التي بذلتها محاولا التعبير عن سخط ما أو قهر تشعر به؟؟
ولكنك وقعت في فخ الاستطراد الممل .وخلطت الامور دون رابط تشويقي للمتابعة..
أتمنى الايجاز والعمق .عذرا اذا كنت لاأجيد المجاملة ولكن أتمنى أن تقرأالادب العالمي أكثر ..
دمت بخير .







 
رد مع اقتباس
قديم 21-10-2007, 03:24 AM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
محمود شاهين
عضوية مجمدة
 
إحصائية العضو







محمود شاهين غير متصل


افتراضي مشاركة: رد: مختارات من قصصي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد جوهر مشاهدة المشاركة
الاخ محمود :أشكر جهودك المضنية التي بذلتها محاولا التعبير عن سخط ما أو قهر تشعر به؟؟
ولكنك وقعت في فخ الاستطراد الممل .وخلطت الامور دون رابط تشويقي للمتابعة..
أتمنى الايجاز والعمق .عذرا اذا كنت لاأجيد المجاملة ولكن أتمنى أن تقرأالادب العالمي أكثر ..
دمت بخير .
أشكرك عزيزي محمد لتدخلك
أحترم رأيك وأوافقك على أن القصة قد تكون مملة لكثيرين ، وآمل أن لا تخلو من متعة للبعض أيضا ، خاصة وأنها قصة طويلة جدا ،وأنا ما زلت في البداية ، القصة منشورة في كتاب ولن أعيد اختصارها ، بل سأطيل عليها لأن أشياء جديدة حدثت .
أما عن نصيحتك بقراءة الأدب العالمي ، ثق يا عزيزي أنني قرأته بدءا من إلياذة هوميروس مرورا
بدونكيشوت ثربانتس وكوميديا دانتي وفاوست غوته واتنهاء بعناقيد الغضب لشتاينبك وما بين هؤلاء مئات الكتاب، وبعدهم مئات أيضا.
احترامي






 
رد مع اقتباس
قديم 24-10-2007, 04:11 AM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
محمود شاهين
عضوية مجمدة
 
إحصائية العضو







محمود شاهين غير متصل


افتراضي مشاركة: مختارات من قصصي

حقا نحن أشرار ! أنا بالذات شرير ! ولا ينبغي أن أتذرع بالموت المحيط بي والمحدق بي لأبرر شرانيتي ، وإلا لبرننا لليهود كل ما فعلوه بنا ، وبالتالي سنبرر لأنفسنا كل ما قد نفعله بهم في المستقبل.
اللعنة ومع ذلك فانا لا أستطيع أن أدعي انني كنت أحب هذا المحمود وأنه ينبغي علي ان أشارك في جنازته ودفنه !(طيب يا أخي لا تحبه بل اكرهه كما كنت تكرهه
ولا تشارك في دفنه ، لكن لا تطلب إلى صاحبته أن تلقيه في الزبالة . احترم مشاعرها إزاء قطها يا أخي !)
صحيح كان يجب ألا أفعل هذا ، وليس من حقي أن أشير به عليها ، إذن يجب أن أعتذر إليها وأبدي أسفي لموت هذا القط التعس .
أحسست أنه بإمكاني أن أتصل بها .. مددت يدي . أدرت القرص ضاربا أرقام هاتفها . ظل الهاتف يرن دون أن يرد أحد. لا شك أنها ذهبت لدفن القط .
عاد هذا الإختناق يضغط على صدري ثانية ، واليوم ما يزال طويلا طويلا ، وإذا لم تأت لوسيان في المساء سأكون حزينا أكثر من أي يوم آخر في حياتي ، وإذا لم أعتذر إليها سيزداد حزني .
لم اكن قادرا على فعل شيء ، وكلما حاولت الهروب من لوسيان وقط لوسيان وشرانيتي وموتي رحت أغرق أكثر. أغلقت أذني بسدادتي أذن لأهرب من الضجيج والأبواق الصاخبة في الخارج ، واسترخيت في الأريكة جاهدا قدر الإمكان لأن اريح نفسي ولا أفكر في شيء ، لكن عبثا ...
ذات يوم قبل احتلال عام 67 ، كان لدينا كلب جميل اسود ، وبعدما هربت من البيت ومن رعي الأغنام ، على أثر ضربة سددها لي أبي بهراوة فأس كسرت كتفي ، أخذت أحضر من القدس بين الفينة والفينة لزيارة أمي ، ورغم أنني كنت أغيب عن البيت بضعة أشهر بعد كل زيارة ، إلا أن الكلب كان يعرفني بمجرد مشاهدتي أطل من قمم الجبال ، فيهرع لاستقبالي ، كان ينبح في البداية وكانه لم يكن جازما بأن القادم أنا ، لكن ما أن أقترب حتى يتأكد تماما من هويتي ، فيهرع إلي عدوا ،
أجلس لأستقبله بأحضاني وكأنني أستقبل طفلا عزيزا ، أضمه أعانقه أداعبه ، أملس على رأسه ، أطعمه مما أحضرته له. أسأله عن أحواله وعما إذا كان أبي ما يزال يضربه لأي سبب. فقد كان أبي يضرب كل شيء : نحن وأمي يوميا لأتفه سبب. البغل إذا أحرن أو سطا على أكياس الشعير ، الكلب إذا غفل عن القطيع أو نام في غير المكان الذي حدده له ، الدجاج إذا دخل حقول الحنطة أو الشعير أو التبغ ، القط إذا اختلس قطعة جبن أو لم يفلح في اصطايد الفئران التي كانت تعج في عزبة أبي . الأغنام إذا لم تدر الحليب المطلوب ، الكبش إذا لم يكن فحلا كما يريده ، والزرع إذا لم يحمل جيدا ، واخيرا الأرض إذا لم تخصب !!
وكنت أشعر بالكلب يشكو لي همومه ويلومني لأنني هربت وتركتهم يقاسون الحياة في كنف أبي ن وحين كنت أنهض لنكمل الطريق إلى العزبة ، كان يملا ألوادي فرحا ومرحا وصخبا ، يعدو هنا وهناك ويعود إلي ، يسبقني إلى البيت ليخبر أمي ويعود .
وذات مرة قدمت لزيارة أمي ، لم يفعل كما في كل مرة ، بل لم اشاهده على الإطلاق ، قلت لعله نائم . رحت أنادي سمور سمور دون جدوى . وعندما أصبحت على مسافة أمتار من العزبة ولم أره ، أدركت ان أمرا ما قد جرى له . وحين دخلت من باب الجدار الخارجي المحيط بالعزبة ، شاهدته مطروحا على مقربة من مربط البغل . هرعت نحوه ، كان يحتضر وفي الرمق الأخير . جلست إلى جانبه ورحت أملس بيدي على رأسه برفق إلى أن لفظ أنفاسه بين يدي .. فرحت أبكي . عرفت ان أبي ضربه في اليوم السابق .
لم يخطر ببالي أن أدفنه يا لوسي مع أنني كنت أحبه وأحب الحيوانات كلها وربما أكثر منك ، ولا أعرف ما الذي غيرني ، كلنا نتغير يا لوسي ، أنت أيضا قد تتغيرين ! ذات مرة أرغمنا أبي أنا وأخي أن نجهز على كلب بعد أن اطلق عليه النار . كم كان بشعا أن نجهز على كلب اخترقت عنقه رصاصة ولم يمت . لقد اتهم ذاك الكلب بأنه ابن ذئب ، فقد ادعى أحد الرعاة أنه سطا على قطيعه ليلا واختطف شاة ، غير أن أبي لم يصدق ، ونحن ايضا لم نصدق ولا سيما أنه ليس في الإمكان تمييز الذئب من الكلب خلال الليل ، وذات يوم شاهدنا الكلب يهاجم قطيعنا في عز الظهيرة ، غير أنه لم يكن يعض الأغنام ، كان ينقض عليها ويحاول طرحها أو سوقها أمامه كما يفعل الذئب ، وهي تهرب منه دون أن يؤذيها . لم يكن الأمر في رأيي أكثر من مداعبة لم نعتدها من الكلاب وخاصة مع الأغنام التي لا تحتمل مداعبات كهذه.
شك أبي في أمره وصمم على قتله . أطلق النار عليه مساء اليوم ذاته . أصابه في عنقه . كبا الكلب على وجهه وأطلق عواء مفجعا جعل كل كلاب المنطقة تنبح عواء له . وحين حاول أبي الإقتراب لإسكات نواحه والإجهاز عليه ، فز ولاذ بالفرار وهو يطلق نواحه وعواصه المفجع . وحينئذ طلب أبي إلينا أن نلحق به ونجهز عليه . لم نكن نقدر على مخالفة أبي ، رغم أن الدنيا ظلام وليس بإمكان المرء مشاهدة اصبعه ، وقد أطلق ابي النار على الكلب في مكان مضاء.
أخذ اخي مصباح البيت وعدونا خلف الكلب متتبعين نواحه فيما أبي يعدو خلفنا ، ابتعد قرابة نصف كيلو متر وانقطع صوته. تبعنا على ضوء المصباح آثار دمه .
وجدناه مختبئا في كهف ، صرخ ابي من خلفنا ( بالحجار عليه بالحجار )ورحنا نلتقط الحجارة ونرجم الكلب من باب الكهف دون أن نصيبه بحجارتنا ، فقد راح يثب مذعورا من حائط إلى حائط مما دفع أبي إلى توجيه سيل من الشتائم البذيئة لنا < يا اولاد الشرموطة ، اضربوا يكسر ايديكم ، يا خسارة الخبز فيكم > وحين انطلق الكلب بشكل وحشي في اتجاهنا واندفع من بيننا كلمح البرق إلى خارج الكهف. جن ابي ولم يترك شتيمة في جعبته إلا وكالها لنا .
راح الكلب يعدو عبر واد سحيق ونحن نتبع أثره إلى أن نزف دمه وسقط أرضا . لحقنا به . كان يحتضر . ومع ذلك أصر أبي أن نجهز عليه بالحجارة . لم اذعن له .
انهالا عليه هو واخي إلى أن عملا فوقه رجما !!
آه يا لوسي حزنت على ذاك الكلب ، فهو أقوى كلب شاهدته في حياتي كان بحجم جحش ، ويصرع عشرة كلاب إذا ما تشاجر معها ، ولم تنجح الذئاب في اختطاف شاة من قطيعنا خلال وجوده ، ومداعبته للقطيع لم تكن كافية لإثبات التهمة التي أطلقها الراعي ، ثم ألم تكن هناك طريقة لإعدامه غير هذه الطريقة التي أعدم بها؟
لوسي !ستأتين في المساء أليس كذلك ؟ ستاتين حتى لو اقتنعت انني شرير ومجرم وسأقص عليك عشرات القصص عن الحيوانات ! يا إلهي كم لدي منها !
سأحدثك عن الأغنام وعلاقتي بالأغنام وكم كنت أحبها . أصحو من نومي عليها
وأسرح طوال اليوم معها ، ولا أغفو إلا إذا نامت الحملان بين أحضاني وأحاطت الأغنام بفراشي .وسأحدثك عن كلب حيدر حيدر وكيف طبقته وساحدثك عن قطة البناء التي عشقتني وسأحدثك عن قطيع خالد الذي مات بالسم وقطيع حسن الذي فتكت به الذئاب وقطنا الذي عبر النهر وعاد إلى الضفة الغربية ، أما اهم القصص
التي سأرويها لك فهي قصة الكبش مرداس الذي ربيته على يدي ليكون فحل الفحول ويسفد ما لايقل عن مائة نعجة في اليوم !
يتبع .







 
رد مع اقتباس
قديم 28-10-2007, 01:24 AM   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
محمود شاهين
عضوية مجمدة
 
إحصائية العضو







محمود شاهين غير متصل


افتراضي مشاركة: مختارات من قصصي

رغم أنني كنت طفلا إلا أنني كنت راعيا ماهرا يا لوسي . تعلمت العزف على الآلات الشعبية بسرعة قياسية حتى أروق في عيني الأغنام ! فرحت أعزف لها في المرعى إما على الناي أو على الأ رغول والمجوز ، أشنف آذانها فتمرح وتنتشر على السفوح وبين الأخاديد لترعى ، وكلما ابتعدت عن صوت الموسيقى راحت تعود إليه ثانية ، كنت أطوعها على انغام الموسيقى ، فتمنحني حليبا لذيذا
من ضروعها مباشرة ، كنت أرضع الحليب رضعا مع طعام غدائي ، أستلقي تحت الشاة وأمسك ضرعها ثم أتلقمه بفمي وأرضع جرعة تبلل لقمة الخبز التي في فمي ، وتظل الشاة واقفة دون حراك إلى ان انهي غدائي وأنهض شبعا ! كانت الأغنام بمثابة أمهاتي بالرضاعة ، ولا أظن انني اصبحت عازفا على الآلات الشعبية إلا من أجلها ، ربما لأفيها شيئا من حق أمومتها لي ! انا ابن الأغنام يا لوسي ، ابن الجبال والبوادي والشقاء ، ولست الآن إلا ابن النكبات ، ابن الثورات المهزومة ،
الثورات المجوفة ، ثورات الخيبة .
لا تغضبي مني يا لوسي وإذا ما أتيت مساء سأقص عليك قصصي لعلك ترضين علي ! ذات يوم ولدت نعجة يا لوسي . صحيح انني كنت طفلا دون الخامسة عشرة
إلا أنني تعلمت ذلك من نعومة أظفاري ، كنت أتولى توليد اكثر من مائة نعجة وماعز في العام . ولم يكن لدي غرفة عمليات بيطرية أو أي مكان للتوليد ، فالمخاض يدهم الشاة وهي في المرعى ، أو وهي في المهجع ، تحت المطر او في الصحو ، في الليل أو في النهار ، وينبغي علي أن اظل يقظا دائما . أسوأ أيامي يا لوسي هي التي يلد فيها الكثير من الأغنام بعيدا عن البيت ، ويكون الطقس فيها عاصفا ، إذ علي أن أنتقل من شاة إلى أخرى ، وما أن تلد واحدة حتى أنقلها إلى مكان يقيها المطر والبرد . وإذا ما تعسرت ولادة شاة ، فإن يومي سيتحول إلى جحيم لا يطاق . ينبغي علي أن أجزم أن الولادة الطبيعية مستحيلة ، والعملية لن تكون سهلة ، فأي خطأ قد يؤدي إلى نزيف يتسبب في موت الشاة ،ولا بد من استعدادات مهمة لإجراء العملية ، كأن استنجد بأحد الرعاة ليرعى قطيعي خلال العملية ، وان ابحث عن صابون وزيت لغسل يدي ودهنهما ، إذ يتوجب علي أن اولج اليمنى في رحم الشاة لإخراج الحمل ، والمهمة الأعسر عندما تكون يدي داخل الرحم ، فإذا ما أخطات في تحسس جسم الحمل وتلمس جدران الرحم فإنني لن اتمكن من إخراج المولود بسهولة . وحالات تعسر الولادة هذه تحدث كثيرا
إذا ما كانت الشاة حاملا بتوأم أو أكثر ، أو إذا كان وضع الحمل مقلوبا أو معكوسا .
ذات مرة ولدت نعجة أنجبت اربع توائم يا لوسي / مات واحد وعاش ثلاثة ، وهذه حالة نادرة بين الأغنام ، وفي المساء علي أن احمل المواليد جميعها ، على ظهري ، تحت ابطي ، على عنقي ، وعلى كتفي ، وبيدي ، وامهاتها تعدو خلفي وثغاؤها ورغاؤها يصم الآذان .
المهم يا لوسي أنني ذات مرة ولدت نعجة تدعى الغراء . أنجبت توأما . كانت النعجة ضعيفة وهزيلة لكبر سنها ، نفقت بعد الولادة بعدة أيام ، فاضطررت إلى تربية التوأم الذي كان عبورة ( أنثى ) وخروفا ( ذكر ) .
أطلقت على العبورة اسم ندى وعلى الخروف اسم مرداس . كنت دائما أطلق أسماء بنات البلدة على الأغنام يا لوسي ، وكنت أحب هذه الأسماء بقدر ما احب الأغنام والفتيات ، الفتيات اللواتي كانت مشاهدة سيقانهن تطير عقلي ، عكس الفتيات شبه العاريات اللواتي أشاهدهن اليوم على المسابح .
اطلقت على الاغنام أسماء كثيرة يا لوسي ، مثل : وردة ، طرفه ، سارة ، حنة ، ثريا ، ذوابا ، تخلة ، عيدة ، فضة ، مريم ، نوارة ، ندرة ، والعديد من السماء التي يعتبر اليهود معظمها عبرية يا لوسي ، أجل عبرية يا لوسي ، تصوري ؟!
المهم يا لوسي . أحببت ندى ومرداس وربيتهما على يدي . كنت اجعلهما يرضعان
حليب اربع نعاج يوميا ( خلسة عن ابي طبعا ) وعندما فطمنا الحملان والسخال لم افطمهما ، وظللت ارضعهما الحليب إلى ان باتا عملاقين ، كنت بالنسبة إليهما بمثابة الأم ، فكانا يتبعانني دوما ، وكنت دائما أداعبهما واقبلهما ، وعندما رأى أبي مرداس عملاقا ، قال هذا الخروف يصلح مرياعا للقطيع ، ويجب ان نخصيه ، فنحن لسنا في حاجة إلى كبش طالما لدينا كبش جبار ! جننت يا لوسي . سيخصي أبي العجيب هذا مرداس الذي غدا جزءا مني ، ليحوله إلى كبش ذليل ويرغمني على ترويضه ليغدو تابعا لي ونائبا في قيادة القطيع ، < لا > صرخت في وجه ابي
( ليس في وجهه تماما وليس بصوت عال ) ومع ذلك زجرني قائلا ( انت بتصرخ في يا ولد ؟! ) فقلت بعد ان خفضت صوتي أكثر ( مرداس سيكون كبش القطيع ، وسيحل محل ابيه دهمان ، الا ترى بوادر الفحولة تلوح بين عينيه ؟! ) وامعن ابي النظر وراح يتأمل مرداس ويتفحصه ، فوافقني الرأي للمرة الأولى والأخيرة ! وبهذا أعفيت مرداس من الخصي !غير ان ابي أصر على بيع دهمان لأننا لن نعود في حاجة إليه . ودهمان كبش عظيم يا لوسي ومن سلالة عريقة ، ولي معه ذكريات كثيرة ، بعضها مؤلم وبعضها جميل ، ولا أحبذ بيعه ، رغم انه كبر وشاخ ،
احسست انه من العار ان نبيعه بعد ان امضى مع القطيع هذا العمر . لم افلح يا لوسي ، فما ان تاكد ابي من فحولة مرداس بعد بضعة اشهر ، حتى باع دهمان .
باعه لينضم إلى قطيع لا يعرفه ، وأهل لم يالفهم . لن انسى حزنه وغضبه حين كتفه الرعاة واقتادوه عنوة ، فرحين بفحولته الفذة ، فيما أبي يغتبط بالمبلغ الكبير الذي قبضه ثمنا له .
في الإخصاب المقبل كان مرداس قد بلغ ، وغدا حجمه هائلا . في بعض الاحيان كنت أخاله قطعة من جبل تنتصب على أربعة قوائم رخامية . وكان له قرنان حلزونيان غليظان يفلقان الصخر . وحين اقبل موعد الإخصاب راح يدور بين النعاج ويتشمم رائحتها لتقبل عليه وتمتثل له ، غير ان وقت الإخصاب لم يكن قد حل تماما بعد ، مما اثر على طباعه وسلوكه ، فراح يطارد النعاج لسفدها عنوة ،
وإذا لم تمتثل نعجة له ، كان يهاجمها بضراوة ، فأهرع لإنقاذ ها وانا اصرخ به :
( مرداس مرداس ارتدع يا مرداس ) كان يهابني فيتوقف عن لكز النعجة بقرنية ، وحين اصل امسك النعجة من راسها واداعبها . اقول لها ( ولك ارضخي له ، إذا لم ترضخي سيقتلك يا مجنونه ، ثم اين تجدين فحلا مثله ؟ كفاك حماقة ) وكان يستغل اللحظة التي أمسك فيها رأس النعجة فيشب عليها شامرا إليتها بذراعه مطبقا على حقويها ، وهذا ما يذكرني برفع الفساتين عن مؤخرات النساء فيما بعد يا لوسي ! كنت أطلق راس النعجة حتى لا تشعر أنني ساعدته على اغتصابها ، ولم تكن ثمة قوة في الأرض قادرة على إفلاتها من بين قائمتيه ، فيولجه فيها ويشدها إليه بقوته
الخارقة ، ليولج قضيبه حتى تلتصق خصيتاه بحيائها ، ثم يندفع إلى الخلف ويدفعها بكل طاقته مطلقا سبيلها وهو ينتشي بكامل الذروة ، تترنح بضع خطوات وقد تقوس ظهرها وراح يتكور مستشعرة متعة طاغية ، وهي تفقد توازنها وتكبو على وجهها .وحين كان يفعلها في مكان منحدر كانت النعجة تتدحرج لبضعة أمتار !
حل الإخصاب في قطيعنا قبل أي قطيع آخر يا لوسي وحين اشتمت كباش الرعاة رائحة الخصوبة تعبق من قطيعنا تركت قطعانها وتمردت على رعاتها وجاءت تسعى إليه املا في تحقيق رغباتها وغرائزها ، وهنا كانت المذبحة المروعة يا لوسي ، المذبحة التي تكهنت بها منذ أن شاهدت بعض الكباش تترك قطعانها وتتسلل إلى قطيعنا . انذرت الرعاة غير انهم لم يذعنوا لي ، ثم إنهم لم يتمكنوا من
ردع كباشهم .
كان مرداس محاطا بعشرات النعاج التي راحت تتحرش به وتتملس منه وتتمرغ عند أظلافه أو تدور من حوله ، أو تصطف امامه مديرة إلياتها له ، منتظرة دورها
ليسفدها . وكان ما أن ينزل عن نعجة حتى يشب على أخرى ، فلم يتنبه لثلاثة كباش تسللت إلى القطيع وأخذت تطارد النعاج . تنبه للأمر بعد لحظات ، فقد كانت النعاج المخصبة تهرب من الكباش الأخرى على ناحيته آملة ان ينكحها ، فلم يتنبه إلا وكبش يتودد على نعجة على مسافة اقدام منه ، توقف للحظة يستطلع ما يجري
وكانه غير مصدق ما تراه عيناه . سمع جلبة في ناحية اخرى من القطيع ، فأشاح نظراته ليشاهد كبشين آخرين ، وقبل أن يقرر ماذا سيفعل شاهد كباشا أخرى تهرع من نواح مختلفة ، وهنا ادرك ان قطيعه أصبح عرضة للإنتهاك من الكباش الغريبة . صرخت به مستحثا نخوة الشرف العشائري يا لوسي ( عرضك يا مرداس ينتهك أمام عينيك ، حريمك وطأ مخادعها الغرباء ! باطل عليك باطل ! ) انتفض مرتين او ثلاث مرات .. شاهدت جسده يهتز ، وحين كان أقرب الكباش إليه يعتلي ظهر نعجة
تراجع بضعة اقدام إلى الوراء وانطلق نحوه ، نطحه ليقذف به بضعة اقدام من فوق ظهر النعجة . ، لم يثن عليه ، تركه مطروحا على الأرض وانطلق نحو كبش آخر ، جندله بنطحة واحدة وراح يعدو نحو كبش ثالث ، غير أن الآخر شاهده يهرع نحوه فتحفز لمواجهته ، كان ثمة شبه كبير بينه وبين مرداس ، فايقنت أنه جاء من ظهر دهمان . صرخت بمرداس ( هذا أخوك ابن ابيك دهمان ، لا تؤذه لكن احذر منه ) . غير أن مرداس لم يذعن لي وانقض على أخيه . احدث التقاء قرونهما واصطفاقهما انفجارا اجفل الأ غنام ، فراحت تخلي الساحة لهما لتشكل ما يشبه الحلقة من حولهما . لم يتاثر أي من الكبشين من جراء النطحة الأولى ، تعاركا
في مكانهما . كل واحد يحاول ان يدور حول الآخر ليسدد له نطحات جانبية . افلح مرداس في تسديد بعض النطحات الجانبية لأخيه ، غير أنها لم تكن فعالة ، فقد واظب الأ خ على الدوران من حول مرداس محاولا ان يفرض عليه المواجهة
من الأمام لتمرسه على النطاح وجها لوجه . فهو اكبر من مرداس بعامين على الأقل ، كما بدا من حجم قرنيه الهائلين . ولا شك انه تمرس كثيرا على النطاح
بعكس مرداس الذي لم يتمرس عليه إلا قليلا لصغر سنه . وكنت قد دربته بضرب قرنيه من الأمام بحجر كبير ، وبمصارعته دائما ، وكان دائما يتغلب علي ، فلم اتمكن يوما من لوي عنقه ، رغم انني كنت أتمسك بقرنيه بكل قوتي . ، وحين جربنا انا وأخي أخفقنا ، وكذلك أخفقنا حين حاولت وثلاثة رعاة ، أمسك كل اثنين بقرن ، إذ لم نزحزحه من مكانه قيد أنملة . ولم يمل عنقه ولو بقدر شعره .
كان يثبت في الأرض وكأننا نصارع صخرة هائلة ، كان مرداس يفرح ويزهو بنشوة النصر علينا نحن معشر البشر ، فلا أجد إلا أن احضن رأسه واقبله .
ولم يكن ابوه دهمان أقل قوة منه .
هرع الرعاة وراحوا يتفرجون على الصراع بين الأخوين ، فيما كانت كباشهم تتسلل إلى القطيع وتتعارك بدورها أو تشب على النعاج مستغلة انهماك مرداس في المعركة .
صرخت بالرعاة ( إن حدث سوء لمرداس سالعن آباءكم ، وإن حدث شيء لكباشكم ستتحملون المسؤولية وحدكم ) والحق انه لم يكن في مقدور أحد أن يفض النزاع بسهولة ، ثم إنهم لم يكونوا متخوفين مثلي أنا ، الذي اعرف ماذا فعل جد مرداس ذات يوم ، فقد شق رأس كبش من منتصفه كما تشق البطيخة !
ورغم كل ثقتي بمرداس وقوته إلا أنني كنت خائفا عليه ايضا بقدر ما أنا متخوف
منه يا لوسي .
ظل مرداس يراوغ محاولا الإبتعاد عن مواجهة اخيه ، غير ان اخاه وبخبرته الطويلة فرض عليه المواجهة ، حين ابتعد بضعة امتار وأقبل عليه كالسهم . صرخت به ( مرداس سيقتلك اخوك إن لم تتحفز للنطاح ) ولم يجد مرداس مفرا من الصدام ، شاهدته يثبت قوائمه في الأرض ويتحفز ، وحين وثب اخوه في الفضاء لينقض عليه ، وثب بدوره ليلتقيا على ارتفاع يقارب المتر عن الأرض . صرخت ( الله معك يا مرداس ، أفديك بدمي يا مرداس ) رغم انني أعرف ان الكبش الآخر اخوه .
فرقعت قرونهما عند اصطدامها واحدثت صوتا مرعبا ، وحين سقطا على الأرض
ترنح مرداس وكبا على وجهه في حين ظل أخوه منتصبا . احسست أن أمعائي تتمزق . صرخت بالرعاة ( ابعدوا كباشكم قبل أن تقتل الكبش ) وحاولوا قدر استطاعتهم ، غير أنهم لم يفلحوا في الفصل بين الكبشين ، وانا حاولت بدوري حين رفعت عصاي وهرعت نحو اخ مرداس لطرده ، غير أن مرداس الذي نهض من كبوته ، مر من جانبي كالريح وهجم على أخيه بضراوة . صرخت ( مرداس كفى ) فلم يذعن لي . شاهدته يثب في الفضاء ويندفع ، ولم يكن أخوه قد تحفز ثانية للمواجهة ، نتيجة لتدخل الرعاة وتدخلي . ، فطرحه أرضا . وحين شاهدنا أنه لا مناص من حسم المعركة بينهما تركناهما ونحن نراوح بين الرفض والقبول ، والعجز عن الفعل .
يتبع







 
رد مع اقتباس
قديم 28-10-2007, 05:40 PM   رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
محمود شاهين
عضوية مجمدة
 
إحصائية العضو







محمود شاهين غير متصل


افتراضي مشاركة: مختارات من قصصي

نهض اخو مرداس من كبوته وتقهقر قرابة عشرة أمتار إلى الوراء ، في حين تقهقر مرداس قرابة ثلاثين مترا ، وضعت يدي على قلبي ، إنها النطحة الحاسمة ، وإذا ما نجح فيها مرداس لن يهزمه كبش أبدا ، توقف الكبشان وراحا يحدقان واحدهما إلى الآخر ، وما لبثا ان انطلقا معا كجلمودين من الصخر . احسست بقلبي يتوقف عن النبض يا لوسي ، ظلا يعدوان إلى ان ضاقت المسافة بينهما بما لا يزيد عن أربعة امتار ، ووثبا كل في اتجاه الآخر ، وقد ضما قوائمهما إلى بطنيهما ، التقى رأساهما في الفضاء ، محدثان دويا هائلا من جراء تصادم قرونهما . وحين سقطا على الأرض اخفيت وجهي بيدي كي اتلافى مشاهدة مرداس مطروحا . ورحت انظر من بين اصابعي خلسة . ولم ارفع يدي إلا حين شاهدته ينزل ارضا وهو ثابت كالطود ، بينما كان أخوه مطروحا .
تراجع مرداس بضعة اقدام إلى الوراء وهم للإنقضاض على أخيه ليجهز عليه . صرخت به ( مرداس كن شهما ولا تهاجم خصما طريح الأرض ) وتلكأ قليلا ، لا أعرف فيما إذا ادرك ما قلته أم انه تخوف مني . وحينئذ حدث ما لم يتوقعه أحد من الرعاة يا لوسي ، فالكباش الخرى التي كنا نظن انها منشغلة بالنزو على النعاج والتعارك فيما بينها ولاهية عن المعركة ، اقبلت من كل صوب لتصرع مرداس ، فأطبقت عليه من كل جانب . لقد غدت هزيمته مطلبا لكل الكباش ، ليخلو لها القطيع . يبدو انها كانت تامل من أخيه أن يهزمه ، وحين أدركت انه قد يخفق قررت مهاجمته بشكل جماعي . صرخت بالرعاة ( لا غير معقول أن يهزم كبشي إثني عشر كبشا ، ابعدوا كباشكم ، افعلوا شيئا ) ولم يحاول أحد جادا أن يردع كبشه . ثم إن الكباش بدت في ذروة هياجها وغضبها ،وراحت تنقض على مرداس من كل ناحية ، فيما هو يتلقى النطحات ويصدها ، وقد دبت فيه قوة خارقة ، لم تكن الكباش تناطحه وجها لوجه لتخوفها من مواجهته. كانت تنقض عليه من الجانبين والخلف ، وبنظرة خاطفة منه كان يعرف الكبش القوي المتمرس على العراك ، من الكبش الهزيل الجبان ، فيهمل هذا ويتصدى لذاك ، ايقنت اكثر من اية مرة سابقة أنه يجيد العراك الأرضي إلى حد مدهش يذكرني بخبرة أبيه دهمان الفائقة . لم ادربه على هذا النوع من العراك ، غير انه كان يصارع خرافا من عمره ، وعندما شب ، تعلم بعض الشيء من ابيه دهمان قبل ان يبيعه ابي . ولم افكر يوما ان هذا التمرس المحدود كاف لأن يخوض معارك طاحنة كهذه ! ولم اجد نفسي إلا وانا ازغرد مطلقا الزغرود تلو الزغرود لأشجع مرداس واثير حماسه ، راح يكيل النطحات بسرعة وخفة هائلتين ، يسدد طعنة بإحدى قرنيه إلى خاصرة الكبش فيجندله ، ومن ثم يميل على جنبه ليواجه الكباش التي تهاجمه من الطرف الآخر .
صرخت والكباش تطبق عليه ( مرداس ستصرعك الكباش ، أفديك بعيوني يا مرداس ، شد الهمة يا مرداس ) ولا اعرف كيف شاهدت الكباش تتجندل على جانبيه يمنة ويسرة ، فيما بعضها يولي الأدبار ، وصوت الرعاة يصرخ بي ( كبشك هزم الكباش يا ابن ابو الجدايل وتخاف عليه ؟! ) لم اذعن لهم .
وكان للمعركة أن تنتهي عند هذا الحد يا لوسي لو لم ينهض أخوه من كبوته التي دامت لبضع دقائق ، ويعود ثانية للصراع ، وهنا لم اعد قادرا على البقاء متفرجا ، فأشرعت عصاي وانقضضت على أخيه لإبعاده ، غير انني فوجئت بمرداس يهاجم بضراوة كما في السابق ، صرخت به ( مرداس كفى ، ستهزم هذه المرة ، لقد تعبت ) فلم يذعن لي ، وراح يكيل النطحات الجانبية لأخيه ، فيما أخوه يراوغ ويبتعد ليفرض عليه المواجهة . كم هو عنيد اخوه يا لوسي ، يبدو أن ثقته بنفسه كبيرة ، فقد أطاح به ارضا ورآه يهزم أحد عشر كبشا ومع ذلك يصر على حسم المعركة حتى النهاية . وقبل مرداس التحدي وراح يبتعد إلى الوراء . كانت القطعان تنتشر على قمة هضبة فسيحة بعض الشيء . ابتعدا ( أحدهما عن الآخر) قرابة مائة متر وانطلقا . أحسست أن هذه قد تكون النطحة الحاسمة فعلا . لم اعد قادرا على مشاهدة قوائم مرداس نظرا للسرعة التي انطلق بها ، بينما كنت اشاهد قوائم اخيه تماما وهو ينطلق ، وحين وثبا في اتجاه بعضهما والتقت قرونهما في الفضاء ، وجدت نفسي والرعاة نخر أرضا من جراء الصوت الذي أحدثاه .
سقط الكبشان ارضا . عدونا نحوهما . سبقت كل الرعاة لأطمئن على مرداس ، وحين اقتربت منه ، بدا لي أنه في غيبوبة ، لكني لم ار أي دماء او جراح تنزف من رأسه ، فأشحت نظري إلى أخيه لأرى الهول ، فقد انفلق رأسه من النصف كما تنفلق البطيخة . صرخت ( لقد قتلت اخاك يا مرداس ، قتلت اخاك يا قابيل ) !!
أطبق الوجوم على وجوه الرعاة ، فيما كان مرداس ينهض ويتابع بحثه عن الكباش التي هرب بعضها ، فيما ظلت الأخرى تشب على الأغنام مستغلة الفرصة .
وحين رأته مقبلا راحت تهرب من أمامه مخلية ساحة القطيع . كنت أظن ان مرداس سيتركها إلى حال سبيلها طالما أنها هربت ، غير أنه لم يفعل ، لقد دبت فيه شراسة مخيفة ، وراح يلاحقها عبر السفوح والأخاديد ، إلى أن أثخنها بالجراح ، وألحق بها هزيمة منكرة !
كنت أرقبه من بعيد تخوفا من سطوته وخوفا عليه ، فقد يقذفه راع بحجر ، وقد يتدربأ عن سد صخري ، أو مكان وعر فيقضي نحبه . سأموت حزنا عليه ، إذا لم يقتلني أبي .
كنت منزعجا وحزينا بعض الشيء لمقتل أخيه . شاهدته يعود بعد ان شتت الكباش
في الجبال والأودية . أدركت انه ظمىء ، أخذت مطرة مائي وأسرعت للقائه . كان يلهث بسرعة والعرق يتصبب من كافة انحاء جسده ، نزعت الكوفية ورحت أجفف بها عرقه ، متفقدا جسده ، كان مصابا بجراح خفيفة ، وثمة كدمات بين قرنيه وفي وجهه ، وما أن استراح قليلا حتى رحت اسقيه الماء من يدي .
كنت فرحا بنصره وآسفا لمقتل أخيه . همست له ( أخوك يا مرداس ، كيف تقتله يا كلب !! ) لم يذعن لي ، كان ما يزال يلهث من جراء التعب .
انصرف الرعاة خلف قطعانهم حاملين الكبش القتيل على حمار . كانوا جميعا آسفين ونادمين لمقتل كبش من افضل كباش البلدة ، وليس في إمكان أي راع الإستغناء عنه . بل إن جميع القطعان في حاجة إليه . وكان في مقدورهم أن يفضوا النزاع بأي شكل، لو أنهم ادركوا عواقبه .
لم أنم تلك الليلة يا لوسي ، فقد امضيتها قلقا على مرداس تخوفا من اصابته بآلام داخلية ، فنمت إلى جانبه ، وكنت أستيقظ بين لحظة وأخرى لأطمئن عليه ، ومما زاد من مخاوفي أنه لم يشب على النعاج منذ أن حدثت المعركة ، وظل طوال الليل هاجعا مستكينا منهكا . وكنت قد سرقت في المساء قرابة رطل من الشعير – خلسة عن ابي – وقدمته له . لم اطمئن عليه إلا عند الفجر ، فقد استيقظت ولم اجده إلى جانبي ، درت بنظراتي بين القطيع . شاهدته يعتلي ظهر نعجة . وحينئذ فقط دبت الطمأنينة في قلبي . همست له ( آه منك يا عكروت ) ونمت بعمق ، مع أنه الوقت الذي ينبغي علي أن استيقظ فيه . والحق أنني كنت أحسد مرداس يا لوسي ، فهو لديه ما يسفده وينزو عليه ، أما انا فلم يكن لدي شيء . لا شيء على الإطلاق . فأنا شبه خصي دون ان اخصى ! لقد خصونا ونحن في عز شبابنا ، وليس ثمة امل في استعادة فحولتنا ! قولي لي يا لوسي ( هل يخصى الرجال عندكم كما يخصون عندنا ؟! )
آه يا لوسي / لم تنته قصة مرداس هنا ، فقد جرى صراع فيما بعد لا يقل ضراوة عن هذا الصراع .








 
رد مع اقتباس
قديم 20-11-2007, 02:47 AM   رقم المشاركة : 12
معلومات العضو
محمود شاهين
عضوية مجمدة
 
إحصائية العضو







محمود شاهين غير متصل


افتراضي مشاركة: مختارات من قصصي

لم استطع إخفاء ما كان يعتمل في نفسي طوال النهار . نظرت نحو لوسيان وهتفت:
< لو لم تات لجننت !>
قالت : < أف هل أنت منزعج من أجل محمود ؟ >
قلت : < لا أظن ، لكن أشعر أنني قسوت عليك كثيرا. أنا آسف جدا لما بدر مني . ماذا فعلت ؟ >؟
< اتصلت بهاريش وجاء . ذهبنا معا ودفناه >
< أين ؟ في مقبره ؟>
< لا لا ، لم يسمحوا لنا أن ندفنه في مقبرة > !
< لماذا > ؟
< لأنه قط >!
< أين إذن دفنتماه ؟>
< في صيدنايا >
< أف في صيدنايا ؟ ألم تجدا مكانا في دمشق ؟>
< لا لم نجد >
< في جبل قاسيون مثلا ، أو في وادي بردى ، أو في الغوطة >
< لا لا لم يخطر ببالي غير صيدنايا ، ربما لأنها بلدة مسيحية >
< لكن القط ليس مسيحيا > !!!!!
< في الحقيقة احترت ، القط يحمل اسما اسلاميا ، وأنا مسيحية ، فاقترح هاريش أن نحرقه على الطريقة الهندوسية ! فصرخت لا لا ، هذا غير ممكن ! >
< لو كنت مكانك لقبلت ، ففي هذه الحال تحتفظين برفاته أو تنثرينه في نهر بردى >!
< لا لا ! أنت مجنون ! >
< لا لست مجنونا ! فالقط يحمل اسمي ، وأرى أن الطريقة تليق بي >
< لا لا ، لا أحتمل أن أراه يحترق أمام عيني ، ولا أحتمل أن احتفظ برفاته في بيتي .<
< تنثرينه في النهر إذن >
< لا لا ، ثم إن نهر بردى غير مقدس >
< أوهو ! نقدسه طالما أن رفات محمود سيذر فيه ! >
< لا لا ! لاأستطيع ، ثم إننا دفناه وانتهى الأمر .>
< على أي طريقة دفنتماه ؟ <
< رسمت على قبره شارة الصليب>
< الصليب ؟! >
< ماذا أفعل ؟ >
< أكان من الضروري أن تدفنيه على دين ما > ؟
< في الحقيقة لم أعرف ، ولم يسبق لي أن دفنت قطا أو غير ذلك >
< طيب ، كيف دفنتماه ؟ هل حفرتما له قبرا ؟ >
< طبعا ، لكن الأرض كانت قاسية ، وأنا لم أحضر معي سوى ملعقة ! انكسرت على الفور ! >
< ملعقة يا لوسي ؟ تحفرين قبرا بملعقة ؟ >
< كنت أظن أن الأرض لينه >
< ماذا فعلتما بعد أن انكسرت الملعقة ؟>
< أحضر هاريش من سيارته أداة حديدية حادة ، وحفر بها القبر >
< حفر قبرا عميقا وواسعا ؟ >
< لا ليس كثيرا >
ولم أجرؤ أن أقول لها أن الثعالب ستنبش القبر وتفترس محمود . سألتها :
< وبماذا كفنتما المرحوم ؟ >
< بقميص أبيض ، ووضعنا البلوفر فوقه >
< البلوفر ؟ كنزتك الصوفية الجميلة ؟ >
< نعم وأهلنا التراب عليه ، وأقمنا فوقه رجما صغيرا من الحجارة >
< وكم استغرقت العملية ؟ >
< كثيرا ، ذهبنا منذ الصباح ، ولم نعد إلا الآن ، تناولنا طعام الغداء هناك >
< هززت رأسي فيما ابتسامة لا تخلو من سخرية ترتسم على شفتي ، ويبدو أن لوسيان لمست السخرية في ابتسامتي وهزة رأسي . >
تساءلت:
< لماذا تضحك ؟>
قلت:
< أتساءل من منا المجنون ، أنا أم أنت ؟>
ويا ليتني لم أتفوه بهذه الكلمات . فقد غضبت لوسي ، وأنا لا أريد لها أن تغضب ، وراحت تتحدث بلهجة غلب عليها الإنفعال :
< مجنونة ؟! أنت قاس ! قاس جدا ! ولا تعرف أهمية محمود وزميله فرنسيس عندي . لا تعرف ولن تعرف ! عندما مرضت ، بقيت يومين طريحة الفراش ، لم اكن قادرة على النهوض ، ولا يوجد من يقدم لي شيئا . ولم يكن عندي هاتف في البيت . لم يحضر إلي أحد . ولم يسأل عني أحد . ولا اظن أن أحدا فكر في ، أو سأل نفسه ماذا جرى لي ، لا من الأصدقاء ولا من الصديقات . كلكم هكذا . لا تتعرفون على الإنسان إلا وهو قوي ويسير على قدميه ، وعندما تحتاجون إليه . أما عندما يحتاج إلى أحد ، فإنه لا يجد . فرنسيس ومحمود ظلا إلى جانبي ولم يفارقاني ، مع أنهما اعتادا التجوال كثيرا خارج البيت . ظلا إلى جانبي على السرير ، يموءان حزنا عندما أتألم ، ويمرحان معي عندما تخف موجات الألم . يقبلان عنقي ، ويعضان أصابع يدي مداعبة ، وعند النوم ينامان إلى جانبي . لم يبتعدا عني للحظة .ونفدت لحمتهما ولم يسألاني عن الطعام . وفي اليوم الثاني شاهدا حالي تسوء كثيرا ، خرجا من النافذة وراحا يموءان ويصرخان أمام باب البيت من الخارج ، كنت أستمع إلى موائهما من الداخل . ظلا يموءان ويخرمشان على الباب لأكثر من نصف ساعة .
أدرك الجيران أن في الأمر شيئا فهرعوا وخلعوا الباب ، وجدوني في حال سيئة ، فسارعوا إلى إحضار الطبيب .
عندما مرض محمود في الفترة الأخيرة ، أهملته قليلا ، وكان يجب أن آخذ إذنا من عملي لأعتني به أكثر . لم أدرك أنه مريض جدا إلا بعد ان قال الطبيب أنه لم يعد ثمة أمل في شفائه . كم لمت نفسي ، فلو اهتممت به منذ البداية لما مات . توقفت عن العمل لأظل إلى جانبه لعله يشفى . كان يتألم بشدة . عرفت ذلك من موائه والألم الذي كان باديا على وجهه . كم كان حزينا يا حرام . لم يكن يأكل أو يشرب
، وأنا أتوسل إليه دون فائدة ترجى . أحضرت له حليبا وعصيرا طازجا . بالكاد حتى كان يبل ريقه . أحيانا كان يزحف من مكانه بضعة أقدام فأستبشر خيرا .
صباح اليوم ، كنت جالسة إلى جانبه وأملس على رأسه وظهره ، وفجأة تنشط وبدأ يزحف ، لا أعرف ماذا كان ينوي أن يفعل وإلى أين سيذهب ، كي أحمله إلى المكان الذي يريد. تركته يزحف وأنا أحبو إلى جانبه . خرج من غرفة النوم إلى الصالون . أدركت أنه ربما يريد الذهاب إلى التواليت . حملته ، فأخذ يموؤ بعصبية وألم . وما أن أعدته إلى الأرض حتى توقف عن المواء وتابع زحفه . ظللت أحبو إلى جانبه وأشجعه . عبر الصالون واتجه نحو التواليت . ظل يزحف إلى أن وصل . فتحت له الباب . دخل حبوا . نظر إلي وماء عدة مرات . أحسست انه خجل مني ، ولا يريد ان يتبول أمامي . أغلقت الباب عليه وعدت أنتظره في الصالون إلى أن يموء لي كي أفتح له .
انتظرته قرابة عشر دقائق . لم اسمع صوته. قلت لعله لم يقدر على المواء أو لم ينته بعد. نهضت لأطمئن عليه . هتفت له من خلف الباب < محمود ، محمودتي > لم يمؤ ، وحين فتحت الباب وجدته مضطجعا على جنبه ، دون ان تبدو منه أية حركة . تنبهت للبول على مقربة منه . انحنيت عليه وأنا أهتف < محمود ،محمود ، محمودتي > لم يتحرك فيه شيء. تحسست جسده . أدركت أنه ميت. حملته إلى الصالون ، أجلسته في حضني ورحت أبكي >
وراحت لوسيان تبكي فيما هاريش صامت ، ولم أتنبه لنفسي أنا الآخر إلا وأنا أبكي .. لا أعرف فيما إذا كنت أبكي القط ، أم أبكي لوسيان ، أم أبكي نفسي ، أم أبكي الحياة برمتها ...
كانون أول 1986
آذار 1988

يتبع في الحلقة القادمة نص نقدي عن القصة للدكتور سامي مسلم نشر في صحيفة الأيام الفلسطينية ، يقارن فيه بين هذه القصة وقصة التبر لإبراهيم الكوني .







 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مختارات من أعمالي التشكيلية محمود شاهين منتدى الفنون والتصميم والتصوير الفوتوجرافي 55 26-06-2008 09:42 AM
مختارات من أشعاري محمود شاهين منتـدى الشعـر المنثور 37 11-09-2007 04:58 AM
الرواية - الأقصوصة : لا أدري....(عمل قصصي مشترك) لـِ عبد النور إدريس ووفاء الحمري عبد النور إدريس منتدى القصة القصيرة 1 12-04-2007 04:06 PM
مختارات من الاناشيد الاسلامية عبد الرحمن أبو شندي قسم الأناشيد الإسلامية 0 25-12-2006 12:29 AM
مختارات رائد الحاج عثمان منتـــدى الخـواطــر و النثـــــر 86 20-01-2006 08:08 PM

الساعة الآن 08:00 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط