في كل فجر تجثو عيناه لصلاة النور، يتعرّى انتظاره من غلالة النوم، ونهايات المساء فراشات ضوء تريد اللقاء. فلو تمهل الليل وهدأ قليلا...وتمطى بين أعضائه بصمت لما غفا، لما استراح النعاس بين أهدابه واعتنق عبادة الأسرة.
يضجع على حافة الموت الأبيض " ما أجمله... "يحادث حلمه.تبرز أسنانه البيضاء فجأة، يسقط على وجهه ظل ابتسامه، ويظهر جسده الرديء الملامح رثاء لجنازة جديدة...وابتدأت الطقوس...
النافذة المشرعة تبتلع الريح، يتململ في جسده الفاني،...والرقص المسكون بالوطن ينبت في الشارع...الأضواء الباهتة في الغرفة تغتسل بالسكون...تتحرك ذراعاه..يلقيهما إلى جانبه...تستعر الأصوات...أنين السرير المهمل...الريح ...السيارات...الحياة خارج ضيق الوحدة..
يجفل حلمه بالسقوط من مكان لا ارتفاع فيه لكنه يموت...يستيقظ...يتكلم الراديو المنسي فجأة، تدب الكهرباء فيه...يحرك النائم سابقا عيناه ببطء، اللمبة المشنوقة بالسقف تهتز، يتابع رقصها العبثي...(موتها ضوء...وبضغطة زر تعود للحياة...) فكر...
(الأموات يزدادون في الساعات الأخيرة، الغرقى لا يعدون...المهاجرون يبكون على السواحل...السفن الغريقة تستقر في القاع) قال المذيع بحزن ....
تنبه إلى أن الساعة قد تجاوزت الثالثة...وكالعادة اختنق صوتها بالماء.... أعاد المذيع صوته الحزين"ستضاء الشموع اليوم على الأرواح..."...قفز بجنون...وحدق في التذكرة الموضوعة على المنضدة....كانت الملابس تتناثر حول الحقيبة المنتفخة....وصوت المذيع لا يهدأ....