كا ن قطا صغيرا وقميئا، وكم كنت اكرهه، فهو بليد وخامل وغير مرح وبشع ، عكس معظم القطط التي أراها جميلة ، وكثيرا ما كانت تداعبه أمامي ، وتسالني وهي تضمه إلى عنقها وتقبله < ألا تحبه > فأقول لها لا بل أكرهه ، أبعديه عن وجهي > وكنت أميل إلى القط الآخر فرنسيس، رغم انه كان شرسا ، فلم اداعبه يوما عن قرب إلا وترك آثار جراح على يدي ، غير أننا اكتشفنا أسلوبا مشتركا للتفاهم والمداعبة دون اللمس المباشر ، فقد اعتاد أن يتسلق دالية في حديقة البيت ، ويتوغل بين أغصانها إلى أن يضل طريقه ، فلا يعرف كيف يعود ، ولا يستطيع القفز لعلو الشجرة ، فيشرع في المواء ، وحينئذ كنت أبادر إلى إحضار سلة كبيرة
من القصب ، وأرفعها نحوه ، فيقفز فيها ، وبهذا اكتشفت لعبة مسلية معه ، وهو بدوره اكتشف لعبة راقت له ، فأخذ يكررها معي كثيرا ، حتى بعد ان تدرب على الصعود إلى الدالية والنزول عنها بسهولة . أرفع له السلة فيقفز فيها ومن ثم أدور به من حولي إلى ان اشعر ان الأرض تدور معي ، فاتوقف قليلا لأتخلص من الدوخة ، أمرجحه في الهواء إلى أن يمل . ذات مرة حدث أمر طريف ، فقد هاجمه كلب ، وفي غمرة رعبه تسلق شجرة عالية جدا ، لم يتوقف إلا أعلاها، كان من المستحيل مساعدته ، حاول النزول عدة مرات فلم يتمكن ، لم تكن مخالبة قادرة على أن تقوم بفعلها كما في التسلق ، حاولنا بالسلة ، تعذر عليه القفز فيها من هذا العلو الشاهق . أخذت لوسيان تفكر في الإتصال برجال الإطفاء ، فيما راح صديق يبحث عن سلم من الجيران . كان الصديق طويلا صعد إلى أعلى السلم ورفع السلة بيدية . تردد فرنسيس في القفز ، فالسلة تبعد عنه قرابة ثلاثة أمتار . رحنا نحمسه كي يقفز < هيا فرنسيس هيا اقفز > كور جسمه وتحفز ، وحقا قفز . كانت القفزة موفقة بحيث جاء في السلة تماما ، غير أنه كاد أن يوقع صديقنا عن السلم .
حاولت لوسيان ذات يوم التخلص منه بعد أن خيرها صديق أن تختار بين القط وبينه، فاختارت الصديق ، ووضعت فرنسيس في كيس وأقفلت عليه ، ثم أخذت سيارة إلى بلدة تبعد حوالي 15 كيلو مترا عن دمشق وأطلقته هناك وعادت ، فوجئت بعد حوالي أسبوع وهو يدخل عليها من النافذة ، فقررت التخلي عن الصديق والإحتفاظ بالقط .
ذاك الخمول البشع محمود لم تقم بيني وبينه أية علاقة ، وذات يوم اتصلت بي لوسيان في الصباح الباكر لتقول لي أنها حزينة جدا ، لأنها فتحت الباب في الصباح
لتجد محمود ملقى خلفه والدماء تنزف من فمه وفكيه ورأسه ، لقد ضربته سيارة أمام الباب كما يبدو ، وكم كانت حزينة لأنها لم تترك الباب مفتوحا خلال الليل ليدخل محمود عندما يعود من تسكعه في الأحياء ، ثم إنها تجاهلت خرمشاته على الباب أثناء الليل معتقدة أنها خرمشات قطط متحرشة، فلم تفتح له. ثم كيف تسمح لنفسها أن تنام وهو خارج البيت ، كان يجب ان تنتظره إلى أن يعود ، وكان في مقدورها أن تسعفه فورا ، أما الآن ؟ فأنا حزينة ومتأسفة ومسؤولة عما جعل حاله تسوء أكثر ، لقد نزف كثيرا من الدم ، وظل يتألم طوال الليل . هكذا قالت لي على الهاتف ، ولم يبق إلا أن تقول عن نفسها أنها مجرمة لإهمالها القط إلى هذا الحد . سألتني عن طبيب بيطري فأجبتها بأنني لا أعرف . تأسفت لإزعاجي معتقدة أنه كان بإمكاني أن أساعدها وإلا لما اتصلت.
عثرت على طبيب بيطري وراح يعالج محمود ويعايده باستمرار بأجر باهظ ! لم يتماثل للشفاء ، وساءت صحته ، وغدا بشعا إلى حد يثير القرف ، كان فكاه مائلين وبوزه معوجا من جراء الصدمة . وعندما تأملته بدالي وكأنه مصاب بالجعام ، أخبرت لوسيان أنه قد يموت قريبا ، وها هو يموت بعد بضعة أيام .
أمر مؤسف جدا أن أكون قاسيا ولا مباليا على الإطلاق إزاء مشاعر امرأة رقيقة وعاطفية ، ثم إنها صديقة وكانت تأمل مساعدتي ، لماذا لم أعتذر لها وأقول أنني متعب ومرهق وحزين ومشغول أيضا ، وكان في مقدوري إغصاب نفسي على إبداء أسفي لموت القط الذي يحمل اسمي والذي اقتنته من أجلي . كانت ستتقبل مني أي عذر مهما كان ، انا واثق من ذلك ، اللعنة علي وعلى أبي الذي يدعي أنه أنجبني ، لماذا لا أستطيع أن أكذب على نفسي ولو مرة واحدة ؟ لماذا أكره المجاملة ، حتى وأنا أعيش وحدة قاتلة وأصارع قدري ، وأرى حتفي امام عيني ، وفي أمس الحاجة إلى انسان ما ، أي انسان يكون إلى جانبي ، يعطف علي بكلمة ، يواسيني بابتسامة ، يقدم لي كأس ماء . آه آه ! هل أتصل بلوسيان لأعتذر لها ، لأقول لها لو أنه في مقدوري القدوم إليها لقدمت ودفنت محمود معها ، لعلها تقتنع أنني لست شريرا ، ولست مجرما ، ولست قاسيا أيضا ! رباه ! لعلني أصبحت شريرا دون أن أدري ، لكن هل يكفي اتخاذ موقف كهذا الذي اتخذته إزاء قط لأصنف في عداد الشريرين ؟! غير ممكن ! رباه ! لكنني كنت وأنا فدائي أطلق النار على الأرانب والثعالب والغزلان والوعول والطيور ، بل لقد حدث وأن أطلق فدائي النار على القط الوحيد الذي كان لدينا في القاعدة ، القط الذي كنت أحبه كثيرا وأدعه ينام بين أحضاني ، ولا أذكر أنني فعلت شيئا للفدائي ، مع أنه لم يطلق النار على القط لفعلة شنيعة ارتكبها ، بل لأنه لم يجد هدفا يطلق النار عليه إلا هو ، فأطلقها . وكل ما هنالك أنني أبديت انزعاجي الشديد من سلوك الفدائي وطالبت بمعاقبته ، دون أن يذعن أحد لكلامي .
وعندما أطلق فدائي آخر النار على البغلة التي كانت لدينا في القاعدة ، لم نفعل له شيئا ، صحيح أننا لم نتمكن من القاء القبض على البغلة حين قطعت قيدها وراحت تعدو في الهضاب جامحة ، غير أن هذا لا يعني أن نتهاون مع من أطلق النار عليها بعد نفاد صبره . وكان في مقدورنا أن نترك البغلة إلى أن تتعب من العدو وتجوع ، لتعود وحدها ، وكان يجب معاقبة الفاعل ، ليس لعدم انسانية ما فعله فحسب ، بل لأهمية البغلة لنا في رحيلنا وترحالنا ونقل سلاحنا وذخيرتنا ونكحها من قبل بعضنا
أحيانا .
يتبع