ساعات الليل
لملمت شمس الغروب أذيالها ، تمطت فوق الجبل الغربي ، ملوحة" للكون بأذرعها القرمزية المتثائبة خلفها ، ألقت بالكون عن أكتافها وغطت في سبات عميق
انتشل الحضور الجليل للعتم نجاة من شرودها ، قفزت نحو المطبخ ، ارتمت بسرعة على مفتاح الغاز، شدته باحكام ، ثم رفعت طرف ثوبها الصيفي .. جمعته بعبث في كفها ، أمسكت غطاء القدر على عجل ، رمته على الارض ، قرفصت تتأكد من أن الحريق لم يبتلع كل حبات البطاطا الصغيرة التي أعدتها لمأدبة الليل . عاتبت الله عاتبت الغروب ، عاتبت سمير الذي يشغلها عن نفسها وغدها ... وحتى عن طبيخها .
انقذت ما أمكن انقاذه ، قلبته في صحن جديد ، تفقدته ، انتقت منه الحبات السوداء ، فبدت كمية الطعام قليلة جدا" .
إنتابتها الحيرة ، أجفلت مع الدقات الرهيبة التي أعلنتها ساعة الحائط ، عبرها الاسى ، أسندت ظهرها الى الحائط ، واستسلمت ليأسٍ ملأ المكان .
اعتادت أن تحضر له الأطباق التي يحبها .. بطاطا مع الكزبرة ... معكرونة بالجبنة ... بيض عربي مع الدهن ..، سلطة خس ... سلطة ملفوف ، منذ أن توقفت عن العمل في العطلة أصبحت تبدد وقتها في المطبخ والبيت ، ترتب أمر لقائهما ، تعيد ترتيب الغرفة خلال انتظاره ، تحضر على الطاولة المتآكلة كوب الشمع ، تتأمل اللوحة العشوائية التي خطتها الشموع القديمة على جدار الكوب بعبث ، تنضد الكتب والأوراق والأقلام وقصاصة الأظافر وخرازة الورق ، تنتقي الأشرطة التي إعتادا أن يسمعاها معا" ، ترتبها بعناية فوق آلة التسجيل ، تمسح الغبار عن النافذة وأصص الورد والحبق ، تنبش الخزانة الصغيرة ، تلقي بملابسها على الأرض ، تنتقي ثوبا" منها ، تتفحصه بعناية ، تعلقه على مسمار الحائط ، وتلم الباقي بسرعة وترميه في مكانه ، عند الظهيرة تتعرى .. تتمدد في فراشها تستسلم لخيالاتها الماكرة ، تترك الجسد الأربعيني نهبا"للحر ، تغمسه لحبيبها بالعرق المالح الذي يحبه ، وتغط في النوم بانتظارالغروب والمساء والليل .
فكرت أنه من الممكن تحضير طبق جديد ، لاتزال تملك ثلاث حبات من البطاطا ، ونصف حزمة من الكزبرة ،تفحصت قنينة الزيت فكرت أن ما فيها يكفي لإتمام الطبق ، ولسوف يعذرها إن جاء قبل أن ينضج العشاء الجديد ، فكل شيئ جاهز تقريبا" ، سلطة الخس ... قطع الثلج ... زجاجة العرق .... ثوبها..... و رائحة جسدها . وسنواتها الخمس التي قضتها في انتظاره .