الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

 

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 23-10-2005, 03:09 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
د.أيمن الجندي
أقلامي
 
إحصائية العضو






د.أيمن الجندي غير متصل


اسماعيل ياسين...قصة د.ايمن الجندى

اسماعيل ياسين...قصة

هذه نصيحة لك ، إذا أبصرت سيارة زرقاء قديمة من طراز نصر 128 وكان لها شبكة علوية ورفرفها الأيمن مكسور ، ويقودها رجل في منتصف العمر له أنف كبير وعينان ذابلتان ، وتصادف أن كان الطقس ممطرا والطرقات مبتلة ..فإياك إياك أن تدع هذه السيارة تمر بجوارك.


………


استيقظ في الصباح معتل المزاج وأدرك أن موعد القطار قد أزف بشكل يدعوه إلى الإسراع حتما إن أراد أن يلحق به . في دقائق معدودة كان الرجل يقود سيارته صوب محطة القطار حيث اعتاد أن يدع سيارته في ساحة الانتظار ويستقل القطار الذاهب إلى العاصمة إذ لم يكن يطيق القيادة في الطرق السريعة ثم يعود بسيارته بعد انتهاء رحلته إلى منزله.


انتابه صداع حاد وهو يقود سيارته باندفاع مطلقا نفير التحذير باستمرار .لقد أمضى ليلة مؤرقة بالأمس تحفل بالهواجس فقد تسلم بالأمس خطابا مقتضبا يشير إلى حتمية توجهه إلى المقر الرئيسي بالعاصمة .، ولم يكن بالخطاب أية إشارة إلى السبب الذي تم استدعاؤه من أجله . وهو كأي مواطن مصري يدرك بغريزته أن الرئيس لا يستدعي مرءوسيه إلا لخراب محقق ولكن ما هو؟


يقرأ الخطاب مرارا ويمعن في سطوره القليلة منقبا في ذاكرته عن خطأ ما اقترفه دون جدوى .


هو رجل يناهز الخامسة والأربعين من عمره ، ينكب على عمله في جدية طيلة تواجده في العمل دون حاجة إلى الشاي وسائر المكيفات ، مجرد آلة مخلصة لا تعرف الشكوى من العمل الإضافي ، غير أنه محدود التفكير كسيح الخيال يرتبك لدى أية معضلة جديدة من نوعها ، وحينئذ تتحول الآلة المخلصة إلى مجرد حديد بارد.


كذلك ليست لديه صداقات مخلصة ولا عداوات قديمة ، رجل مسالم بطبعه يمكث بمنزله في العطلات لأنه لا يدري أين يمضي ..متطلعا في سعادة إلى مشاهدة أفلام إسماعيل يس الذي لا يتذوق المزاح إلا على طريقته الصريحة الواضحة.


هذا هو الرجل الذي تم استدعاؤه لسبب مجهول إلى المقر الرئيسي بالقاهرة


………………


كان التشاؤم يزحف داخله ببطء وهو يرنو إلى السماء الغائمة الرمادية والأمطار تتساقط باستمرار ومساحات السيارة تعمل بلا انقطاع مثل تلك الآلة التي تدور في رأسه . وبينما كان الرجل يقود سيارته مسرعا أبصر إذ فجوة في الطريق تمتلئ بمياه الأمطار ، وبجوارها رجل متأنق الثياب يشير له في وقار أن يتمهل..على أنه كان منطلقا بسرعته القصوى ولم يكن قد أفاق تماما من النوم وحواسه لم تزل بعد مخدرة ..فكر أن ينحرف بسيارته بعيدا عن هذه الفجوة دون أن يتوقف فالقطار يوشك على الرحيل ، ولذلك فقد حاذر المرور عليها كيلا يصيب الرجل بالبلل إلا أنه – لأسفه البالغ – لم يحسن التقدير فقد مر الإطار الخلفي على الفجوة فانطلق رشاش من المياه على ثياب الرجل.


شرع يتطلع من خلال مرآة السيارة الخلفية إلى الرجل الذي كان يلوح ساخطا بيديه ويمطره باللعنات . لم يكن الوقت يتسع للتوقف والاعتذار – إذا كان ثمة جدوى للاعتذار- ، ولذلك فقد مضى في طريقه يخامره الأسف على تلك الحادثة غير المقصودة التي جعلت الرجل يمطره باللعنات في وقت هو أحوج ما يكون فيه إلى الدعوات الصالحة.


…………


ثمة سيارة زرقاء اللون من طراز نصر 128 تقترب


…………..


لم يكن اهتزاز القطار هو سبب غثيانه الوحيد . انكفأ على نفسه يخمن السبب الذي يدعو المدير إلى استدعائه . الكارثة أنها شركة خاصة تتحكم في موظفيها كيفما تشاء دون مراعاة لصالح المرؤوسين .


الأرجح أن الأمر يتصل بندبه إلى أحد فروع الشركة في المناطق النائية وما يترتب على ذلك من تشتيت شمل الأسرة وانقطاع الأطفال عن مدارسهم..يا للخراب !، لعل ذلك الرجل يخلع الآن سرواله المبتل ويدفع به إلى زوجته الكادحة التي راحت هي الأخرى تمطره باللعنات .


اصفح عني يا سيدي إنني امرؤ مسكين


طفرت الدموع من عينيه ومضى يفكر ، هل يتعلق الأمر بشكوى كيدية ؟ هل يتم تخفيض راتبه بدعوى ضغط المصاريف؟


آه لو كان بمقدوره الاعتذار إلى ذلك الرجل المسكين؟


………………………


احترس ، إن سائق هذه السيارة رجل في منتصف العمر عيناه ذابلتان وأنفه كبير ..كبير جدا.


…………..


رحب به المدير في كلمات مقتضبة وتشاغل بحديث جانبي مع أحد مرءوسيه ..غاص قلبه حتى قدميه وتضاءل في مقعده الوثير وأخجله أنه يوشك أن ينخرط في البكاء وهو الرجل الناضج الذي يكاد أن يدلف إلى الشيخوخة.


ولاحت له للمرة الألف صورة ذلك الرجل الذي لوث ثيابه برعونته وكان الأحرى به أن يتمهل ولم يكن ذلك ليفضي إلى كارثة ، بضع ثوان فحسب ولكنه كان أحمق متعجلا ، ولعل الفجوة قد تسرب إليها ماء المجاري النجس.


قال المدير في هدوء حاسم بعد كلمات المجاملة التقليدية


- نحن نقدر إخلاصك في العمل وكفاءتك التي لا ريب فيها ولكن ظروف الكساد تجبرنا – للأسف – على الاستغناء عن أكفأ موظفينا.


فغر الرجل فمه وهمس بصوت كالفحيح


- ماذا؟


- هو بالطبع إجراء مؤقت ،وسوف نعاود بك الاتصال لدى تحسن الأحوال.


- متى؟


- هذا ما لا يمكنني أن أقطع به ، هو أمر في علم الغيب ، ولكن تفاءل خيرا .


- ولكن هل ثمة خطأ ما من جانبي


قاطعه المدير بسرعة


- مطلقا ، وسوف نمنحك شهادة تفيد بإخلاصك وكفاءتك ، مع السلامة.


…….


وجد نفسه خارج المكتب ولم يكن قد استوعب تماما ما حدث .إن الفصل – دعك من الاستغناء والكلمات المهذبة-لم يخطر على باله قط ، أشد مخاوفه تشاؤما كان التوبيخ ..الندب إلى مكان ناء ..أما الفصل..‍‍ أما الفصل ‍؟


وجرى ذهنه إلى شيء واحد ..أطفاله ..أطفاله الصغار ، هذه الأفواه الجائعة التي صار عليها أن تبحث عن قوتها بنفسها كما يفعل الدجاج ، ولا بأس من ذبح أحدهم عند الضرورة.


………………


إن المطر يتساقط باستمرار ، وهذا يعني أمرا واحدا : ستغدو الطرقات مبتلة.


………….


كان القطار يقترب من محطته وهو مشلول الفكر تماما ، يرنو بعين نملة إلى مخاوفه التي تبدو له كالجبال . إن العثور على وظيفة ملائمة يبدو مستحيلا ولن تغني شهادة الكفاءة شيئا فالمألوف أن أحدا لا يفصل مرءوسيه إلا لعيب جوهري فيه . ثم أن أصحاب العمل يفضلون – والحق معهم – الشباب الغض الذي يعمل بنشاط ويقنع براتب محدود . لقد كانت حياته الماضية تمضي في هدوء رتيب وكان قانعا بها ولكن كل ذلك قد تغير الآن .


يود لو يتسلل الآن تحت سريره مثلما كان يصنع في طفولته كلما فر من موقف عصيب أو يتكور على نفسه مثلما كان يفعل وهو جنين في رحم أمه.


ومرة أخرى لاحت له صورة الرجل المسكين وهو مبتل تماما ..ساخطا تماما ..ممعنا في السباب . عاد له الذكرى هذه المرة دون أن يأسف لها ..ثمة شيء يثير الضحك في هذا المشهد ..شيء لم ينتبه لطرافته من قبل ..شيء يشبه إسماعيل يس في أفلامه الهزلية التي تروق له. كم كان الرجل مضحكا وقد اتسخت ثيابه وابتلت تماما ‍..ها ها والطريف – هكذا تشبث بالمشهد كيلا يمعن التفكير في واقعه الأليم- المضحك انه كان يشير له أن يتمهل بمنتهى الوقار والجد ، وكأنه ملك مزهو بكبرياء العرش يلوح لرعاياه ،أو كفارس يتسلم مفاتح المدينة المقهورة..ها ها إن كبرياءه قد ضاعت تماما مثلما اتسخت ثيابه الأنيقة ، نعم ..يذكر الآن جيدا أنه كان يرتدي بذلة كاملة ورداء عنق صارخ الألوان لا يناسب الصباح ، يذكر هذا جيدا ..ها ها ، والطين تناثر على وجهه وعينيه ..كان يحاول أن يفتح عينيه ويمسح الماء المتسخ ويئن..هاها ..هذا الوغد.


……………..


لم يعد الأمر مزاحا ، السيارة الزرقاء تقترب والطرقات موحلة ، لا تلق بالا للوقار ، استدر في تلك اللحظة بالذات ولتعدو بأقصى ما يمكن لساقيك أن تحملك.


……………………..


عندما مضى بسيارته الزرقاء صوب منزله تكشف له أن السماء أمطرت مرارا في المدينة أثناء غيبته . قاد السيارة ببطء فقد أوشك الطريق أن يتوقف تماما من تكدس السيارات.


لم يكن – والحق يقال – متعجلا للعودة لمنزله ومصارحة زوجته بالحقيقة المروعة والتفكير الجدي في المعضلة التي لا يبدو لها حل. مضى يتأمل المارة من خلال زجاج سيارته المبتل ، البعض يسيرون وقد شمروا عن سيقانهم خشية اتساخ سراويلهم والبعض الآخر يمضون فوق الأحجار المتناثرة كيلا تغوص أقدامهم في الطرقات الموحلة.


وبدون قصد ، أجل بدون قصد مرت سيارته على فجوة مليئة بالماء الذي تناثر على ثوب أنيق لسيدة تسير على الإفريز المقابل ،توقفت على الفور ولوحت بيديها ساخطة وهي تتأمل بحسرة البقعة الطينية المتسعة على ثوبها الأنيق ، واكفهر وجهها تماما.


ها ها ها


كان المشهد مضحكا للغاية ،وأشد طرافة منه ذلك الرجل العجوز الذي تسلل الوحل إلى عينه ، ومضى يفركها ويئن بصوت مرتفع ..ها ها ها ، كم يشعر بالمرح.. ها ها إسماعيل يس ..تماما مثل أفلام إسماعيل يس.


الذي حدث بعد ذلك كان مروعا ،انطلقت السيارة الزرقاء بسرعة فائقة في الطرقات الموحلة وأثارت فزعا داهما في قلوب المارة الذين تلطخت وجوههم وثيابهم بالوحل ، واستمطرت لعنات ولعنات ، وأمست الحياة أشد قسوة على كثير من الزوجات الكادحات المعنيات بغسل الثياب.


وعندما توقفت السيارة أخيرا أمام منزله كانت عيناه دامعتين من فرط الضحك ، إسماعيل يس ..بالفعل إسماعيل يس






 
رد مع اقتباس
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 06:51 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط