مدونة امرأة راقية!! بعد إنساني في حياة امرأة...
كتبت حَلَا صاحبة مدونة "رؤى" موضوعاً بعنوان: "أم خضر بين الرُّقيّ و الرُّقيّ!"، تحدثت فيه بأسلوب يتراوح بين اللهجة العامية واللغة الفصيحة عن التواضع والمعايير الزائفة، تقول حلا: نزلت من غرفتي لأجد أم خضر تجلس في غرفة الجلوس مع والدتي، فقد جاءت لزيارتها بعد أن عرفت عن وفاة خالي -رحمه الله- لتقدم العزاء و لتعتذر عن التأخير.
اقتربتُ منها، صافحتُها و رحبتُ بها، و جلستُ معهما قليلاً.
كنت أتمعّن بهذه المرأة الكبيرة التي تجاوزت الخامسة و الستين عاماً، بلباسها النظيف البسيط، بحركاتها الرقيقة و صوتها الهادئ و نظرتها القنوع، بأسلوب حديثها اللطيف و الكبرياء الذي ينبض في ملامحها و تصرفاتها.
لن أعرفكم على أم خضر بأنها امرأة محتاجة، بل أنا أعتبرها صديقة لعائلتنا، صديقة لوالدتي و لخالتي، تأتي لزيارتهما دائماً و يحبانها و يستقبلانها بكل ترحاب.
عندما نهضت أم خضر للخروج، مدت والدتي إليها مبلغاً من المال، شعرت حزناً غريباً في وجهها و هي تقول: "ما تحرجيني، و الله أنا جاي أعزي، مو جاي عشان آخذ فلوس" .
عندما مدت أم خضر يدها لتصافحني مودعة وجدت نفسي أحتضنها قائلة:" شكراً كتير خالتو على الزيارة، تعالي زورينا دايماً، إحنا كتير بنحبّ نشوفك"!
بعد خروجها كان إخوتي ينظرون إليّ بتعجب فأجبتهم قائلة: "عن جد هاي الإنسانة كتير راقية".
نعم ... هنا الموضوع...
جملة أم خضر أشعرتني كم نحن أناس سطحيون و مزيفون!
تُرى: ما هو تفسيرنا للرقي في حياتنا؟ و على أي أساس نطلق على إنسان وصف "إنسان راقي"؟!
هل الرقي أن يسكن الإنسان في(فيلا)، و يركب سيارة آخر موديل و يحمل أغلى موبايل؟
أن يرتدي ثياباً من ماركة عالمية لآخر موضات العصر، و أن يرتاد أفضل المدارس و الجامعات؟
أن يتحدث بلغة عامية مدنية أو أن يقول hi و merci وsee you؟
أن يكون من عائلة كبيرة، و يتزوج شريكاً من عائلة كبيرة، و يقيم عرساً بعشرات الآلاف في أكبر الفنادق؟
أن يتحدث بهدوء مصطنع و يتصرف برقة متكلفة، و يتعامل بفوقية أو بتواضع استعراضي؟
أن يستخدم كل وسائل التكنولوجيا الموجودة في الحياة؟
أن و أن و أن.....
هل الرقي هو مفهوم سطحي لهذه الدرجة؟
البعد العميق لمعنى كلمة "الرقي" يتمثل في كل ما هو إنساني و حقيقي.
الرقي برأيي هو أن تكون صادقاً مع نفسك و مع غيرك.
أن تكون محباً و مراعياً و محترماً لمشاعر الآخرين.
أن تكون خلوقاً و متوازناً و سوياً في تعاملك مع الناس.
أن تكون إنساناً ذا عزة و كرامة، و صاحب مبدأ و موقف.
أن تحاول دوماً أن تكون إنساناً أفضل، من عمق إنساني و أخلاقي.
إلى متى سيبقى تعريف الرقي تائهاً بين المستوى الاجتماعي و المستوى الأخلاقي و الإنساني؟
و متى ترانا سنعي أن الرقي لم يكن يوماً مرتبطاً بالقصور، و لن يكون كذلك أبداً؟!