كان الغيب أقرب من النفس، وأبعد من الفهم،
يمرّ في القلب كما تمرّ النسمة على جرحٍ نائم،
لا يُدرك ولا يُحاط به، لكنّه يُشعر كل خلية بأنها شاهدة،
إذا أصغيتَ إليه سمعتَ حفيف الوجود،
وصوتًا يشبهك دون أن يكون منك، كأنك أنت الحديث وهو المعنى،
يمدّ ظله على الأشياء فتتجلّى، ويغيب عنها فتفقد بريقها،
فهو الوجود حين يختبئ، والعدم حين يتجمّل،
كلما دنوتُ منه، تاهت اللغة، وصار الصمتُ صلاةً،
وصرتُ أنا السؤالَ والجوابَ في آنٍ واحد،
كأن الغيب فتح بي ما أغلقه الخلق، وتركني معلّقةً بين النور والغيبوبة،
أرى ولا أُبصر، وأُبصر ما لا يُرى،
ومن خلف ذلك النور، تتجلّى أسرار لا تُفسَّر، كأنها رسائل من الغيب تتخذ شكل الملامح، تقول ما لا يُقال، وتُفهم بالقلب قبل الفكر،
كل خفقةٍ في حضرته تفتح بابًا في النفس، وكل نسمةٍ تمرّ حوله تصير ذكرًا، حتى يذوب الفرق بين الرائي والمرئي،
ويصبح الكل في واحدٍ لا يُسمّى، وجهٌ من نورٍ خالصٍ يتردّد صداه في الأرواح، كأنه أول الخلق وآخر النور، وفيه تُرفع الحُجب، وتغيب الظلال،
ويُعرف الجمال بأنه طريق إلى الله .