#قناديلُ النزعِ والتطهير#
"الصلاةُ" ليستْ رقصةً ميكانيكيةً عابرة،
في طقسٍ باردٍ متكرر،
بل هي جُرحُ النفسِ حينَ ينزفُ سراً،
يبحثُ عن بَلْسَمِ الضمادِ الأبديّ.
هي خلعُ القناعِ الفخّاريِّ كاملاً
أمامَ مرآةِ الحقيقةِ الشفّافةِ التي لا تخادعُ،
هي مواجهةٌ صارخةٌ لـشَبحِ الذنبِ
الذي ينامُ ثقيلاً تحتَ وسادتِك المنهكة.
قبلَها،
كنتُ أركضُ في مَتاهةِ اليومِ الموحشةِ بلا نجمٍ هادٍ،
أرتدي ضجيجَ الشارعِ الصدئَ
كـدِرْعٍ منخورٍ وواهٍ،
أُخفي خلفَ أضلاعي غابةً كثيفةً
من الخوفِ المُحتَرِقِ والتأجيلِ المُميتِ للروح.
الظلُ الأسودُ كانَ يطاردُني
كـدينٍ قديمٍ لستُ أستطيعُ سدادهُ يوماً.
ثمَّ، انشقَّ سِتارُ العَجَلةِ،
وحانَ الميقاتُ كـوعدٍ إلهيٍّ لا يَتلوّنُ ولا يتأخرُ.
من ثُقبِ الجدارِ المظلمِ في جوفِ الصدرِ
يتدفقُ فجأةً الضوءُ الهادئُ،
نَسِيمُ الرحمةِ الدافئُ.
أقفُ وحدي، عارياً من الزيف،
لكنَّ العالمَ كلَّه يقفُ خلفي
في صفٍّ غيرِ مرئيٍّ من الأرواحِ المُتطلِّعةِ للسماء.
الجسدُ هنا، والـروحُ هناكَ، مُحلِّقةً،
على بساطٍ أخضرَ من الاطمئنان.
بينَ تكبيرةِ الدخول التي هي جسرُ العبورِ الوحيد،
وتسليمةِ الخروج التي هي إعلانُ الوُصولِ الآمن،
يَنكسِرُ الزمنُ كـزُجاجةِ وهمٍ هشّة.
لا ماضيَ يجرُّني، ولا آتٍ يشدُّني بقلق؛
هناكَ فقط الآنُ المُقدَّسُ، بقعةُ ضوءٍ أزلية لا تزولُ.
أَطرحُ أحمالَ الأرضِ الرخوةِ عن ظهري المُنهك
بـانحناءةِ الركوع التي هي صَرخةُ الاعترافِ بالفقرِ المطلق.
وفي السجود، يا لهُ من سقوطٍ صاعِدٍ!
يخرقُ طبقاتِ الوَعيِ البالية!
الجبهةُ المتربةُ تُصبحُ نجمَةً تتلألأُ في فضاءِ العبوديةِ المضيء،
تذوبُ الـكبرياءُ المُزَيفةُ كالجليد
في ترابِ الإذعانِ الأبديّ.
عندَ التسليم، تحرَّرَ السجينُ أخيراً
من زنزانةِ الهَواجسِ وقيودِها.
أعودُ إلى الحياةِ بعينينِ مُختلفتينِ جذرياً،
كأنني للتوّ وُلِدتُ من جديدٍ
من بَطنِ صَمتٍ عظيمٍ يمتلكُ مفاتيحَ الكون.
الخَيبةُ الباردةُ كـمعدنٍ
أصبحت دفئاً مُتصاعداً يُشبهُ شمسَ الصباحِ بعدَ ليلٍ طويل.
إنها الصلاة:
المَعْبَرُ السريُّ الذي لا يَتطلَّبُ تذكرةً
سوى النيّةِ الصادقةِ والقلبِ الخاشع.
هي العودةُ الطازجةُ إلى النبعِ الأوّلِ الصافي
قبلَ أن يجفَّ الـغصنُ
وتذبلَ أوراقُه الأخيرةُ على شجرةِ الحياةِ المائلة.
#نور_الدين_بليغ#