|
|
|
|||||||
| منتـــدى الخـواطــر و النثـــــر للخاطرة سحر و للنثر اقتدار لا ينافسه فيه الشعر، فهنا ساح الانتثار.. |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||
|
من أين تسلّـل الموتُ إليكِ تلك الليلة ونحن نحيط بسريرك مثل سياج آدمي ينزّ دموعاً ولهفة وترقّـباً؟! عمر آخر من الدموع أحتاجـه كي أبكيكِ، كلّ اللغات وحيل البلاغة تقف عاجزة أمام رحيلك... من أين آتي بحزن يليق بكِ..؟! أنّـى لي أن أتجـرّع غياباً بحجم حنوك! ثمة سند ودفء وملاذ أخير، وقلب يغدق حنوه ومحبته دونما مقابل، ثمة من تتحسس جرحي وتمتص انكساراتي وتملأ زوايا البيت برائحة الدفء وعبير الأمان.. ثمة من تنتظرني وتتلهف لوقع خطواتي وصوتي ورنة هاتفي هي أمي!.. من يسند الآن جرحي ويمسح عني وحدتي وعطشي بعدك أمّـي؟! يدان معروقتان تتقطران حناناً ودفئاً تمسحان شعري وعينان أتعبهما السكّري لكنّـه لم يسلبهما معجزة قطف أزهار الوحشة من قلبي بنظرة!! أتذكرني صغيرة ورأسي يغفو في حضنك وأنتِ تنتـظرين في زحمة المستشفيات.. لكم تحسّست كفك جبهتي،واستعجل صوتك المرتجف بخوف الأمهات الممرضات والأطباء.. لا أصدّق موتك! يا رب!! كيف هو العالم دون أمّ؟! هل الكرة الأرضية تبقى على استدارتها، وهل السماء والشوارع والبيوت والوجوه هي هي.. أم أنّ الدنيا تشيخ بعيني الآن وتذوي مثل الأمهات؟! يمّـه! لكم تشبثتُ بكِ فترة احتضارك المتسارع الرهيب أشبه بقطار مجنون يسرع لحتفه.. هل من المعقول أن يتحول عالم أمي إلى ذكرى؟! بتّ أتعلق بالهواء.. بالسماء.. أترجّـى قطرة رحمة.. أصلي للرّبّ أن تحنو أنامل المرض المحايدة الباردة عليكِ... العطاء للأمهات، لكنّ لعطائك نكهة التضحية ومذاق الأمومة الخالصة ولمعان الجوهر الصافي! من أين تأتي الأمهات بحكمة التضحية وإرادة الصبر؟! من أين يأتين بهبات التعاطف وهدايا التهدئة وأنّـى لهنّ أن يلجمن اللهفة الحارقة في قلوبهنّ؟! ويا أمي! يا زنبقة العمر ودحنونة القلب، أيا غطائي وحضني وملاذي الذي غاب وبتّ أفتقـده منذ اللحظة الأولى! كنت حسبت الافتقاد أصعب في بدايته لأكتشف بأنّ ألمه وحرقته ووجعه تتصاعد وتتفاقم بمرور الوقت أشبه بجرح مفتوح مستعصٍ على الشفاء .. أخذت برحيلك جزءاً من قلبي وقطعة من روحي، ثمة جزء مني لما يزل يضرع متلفهاً لكِ.. أيتّها الحضن المشتهى الذي لا يعرف أشواك الغدر وبرودة الغياب وأسنّة البعد والجفاء.. المكان بوجود الأم هو مكانك! تحسّ الهواء والبلاط ووجوه الجيران.. وأزهار البيت.. تألفك وترحب بكِ، لكنّ وحشة تجتاحني وأنا ألج الدار بعدك... نباتاتك التي كنت تجـرّين جسدك المتعب لسقيها يسأل ذبولها عنكِ.. والمدينة أصابها البرد وعششت في زواياها عناكب الوحدة.. في مساء رحيلك، لم يعد العالم كما كان، كان لي نبض دفء ونبع صفاء وملاذ مؤجل وقـلب لا تعرف أبوابه الصدّ، غدا العالم رمادياً كالحاً، يبست براعم القلب وذبلت أزاهير الفرح في غصن عمر نما وزكا في حضنك الخصب! كان يكفيني نظرة لتمسح عن القلب ضبابية الحزن وتغسل الروح من الوحدة وتضيء شمعة أمان وشموس مؤجلة في وحشة النفس... قرب سريرك أخذت أصلي بصوت خنقه الخوف، خوف أن تؤلمك دمعة، وقفت واخوتي حولك نرقب حركاتك وسكناتك.... سامحيني يا أمي! فكم علمتني الصبر والتحمل.. وكم دجّـنت نفسي إلا أجزع لفراقك لكنّ لحظة رحيلك كسرتني! علقت بقلبي وغصّت بها روحي! ذاهلة.. أقف على باب المستشفى الذي يضمّ بكفين باردتين أغلى الغوالي، تمنيت أن ينبت لي جناحان.. أن يتحول صوتي هدير رعد.. ليصل أنيني وهو ينداح في جنبات الروح معلنا موت أمي! جلست لأحسب عمري دونك، عمري ناقص أمي..؟!! معادلة صعبة لم تجرؤ معلمة الرياضيات يوماً على طرحها.. ربما كي لا تحار أمامنا.. بسؤال: أحقاً هناك دُنيا دون أمّ؟! |
|||
|
|
|