كان الرومان القدماء يقدرون العمل الفني ولا يرون قيمة لصانعه أو فنانه ولهذا كان يطلقون تلك العبارة الشهيرة (( العمل عظيم والصانع حقير )) قبل أن يأتي مصطلح الفنان الذي أوجد الاعتبار لهذا الإنسان العالم المبدع ولهذا فالفنان كان يندرج تحت مسمى الصناع مثل الصائغ والحداد والنجار...الخ
من تلك المهن التي يبدو أنها كانت محتقرة ولا يقوم بها إلا السبايا والموالي والعبيد ... الخ مثل العربي القديم الذي يرى في المهن رزية ومعيبة مع حاجته لتلك المنتجات والأشياء...كما كان عمرو بن كلثوم يعير النعمان بن المنذر بأن أمه كانت من أسرة تشتغل بالصناعة حيث يقول :
لحا الله أدنْانا إلى اللؤم زَلْفَةً وألأمنا خالاً وأعجزََنا أبَا
وأجدرَنَا أنْ ينفُخَ الكير خالهُ يصوغُ القروط والشُنوف َ بيثرِبا
، لكن مع الزمن اكتسب الفنان هذا اللقب الذي أعطاها الاستقلالية والتفرد شيئا فشيئا من صانعاً إلى فنان للمجتمع إلى فنان عالما فرديا مستقل إلى فنان متوحد مع ذاته قد ينفصل عن محيطه باستمرار ويأتي السؤال الملح في دور فنان هذا العصر المجنون والمتغير بسرعة البرق هل ما زال هو صاحب القبعة والمعطف الطويل وحامل الرسم على ظهره يجوب الحقول أو ذلك المتبسط بلباسه الذي يحمل أزميله العتيق لتشكيل حجر أو حفر خشبة سنديانا معتق ، وتلك الفنون التي توسعت وتنوعت في أساليبها وموادها، وفي التصور أن ذلك طبيعي تحت ظل هذه المتغيرات والخروج بمفهوم أو تعريف
للفنان المعاصر مجازفة كبيرة تحتاج لتفكر ونظر طويل ولن يسعفك الوقت السريع بالوصول إلى نتيجة إنه فنان معاصر فنان ديجتل وفنان ليس له هوية معينة في ظل عولمة العالم فنان يكسر المقاييس والمعايير فنان قد لا يمسك الريشة لكنه فنان ، فنان قد لا يعرف الأزميل لكنه فنان يذهلك ويدهشك بأعماله التي تخترق السطوح وتبدع الإبداع ليس هناك حدود للفن وبعد هذا ألا يوجد علامات للفن أو الفنان ربما لكنها علامات وليست حدود فكلما حاول الإنسان الوقوف على قاعدة جديدة يبني عليها طريقة كسرها آخر بطريقاً جديد ولهذا وعلى سبيل المثال أن مدرسة مثل التأثيرية قتلتها العلمية الشديدة في دراسة الضوء واللون ...، فخرجت من المنحنى الفني الإبداعي إلى التطبيق الحرفي العلمي الجامد، وهكذا فالتغير كسنة كونية تتبع قوانين الطبيعة هو أمرا عاصف وقوي وسيما أن الفنان مجازف عبقري مجنون بإرادته غير ثابت نرجسي بالطبع يكره الجمود والنمطية مفكر يشتعل رأسه بالصور والخيالات والأفكار مشكل بكل شي حتى في حياته العادية بسيط بدرجة قد ينام على الرصيف ، ومزهواً قد يسكن الخمس نجوم ، متناقض لكنه جميل صعب الإرضاء لكنه محبوب يكره التعلق يهرب من الحب لأنه يقيده مع أنه ودود ليس لديه وقت لكل شي بل الوقت واحد لعمل أي شي عندما يبدأ لا ينتهي حتى يسقط من الإعياء ، وربما نستمر في الوصف ولا نصل لأن الفنان لا تصفه الكلمات مثل أعماله وإنما علامات وسيستمر الفنان ذلك الإنسان الصادق الماهر المدهش معنا مهما طال وتغير الزمن دعونا نبحث عنه باستمرار.
وليد الوابل
الأربعاء28/3/1427هـ / عنيزة