الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى ءاله وصحبه ومن والاه
مقدمة: أراكما مررتما مرور الكرام على كل ما أوردته لكم من ءايات واحاديث وأقوال علماء أهل السنة والجماعة في تقسيم البدعة والقول بمشروعية عمل المولد فهل هذا إقرار منكما بكل ما ذكرتُ في مداخلاتي السابقة؟
- أما بعد فيا أخت هند لعلك تلاحظين معي أن كلام المدعو ناصر الدين الألباني بُني على تقديرات هذا الرجل الذي لا يتمتع بالأهلية لعدم تحقق شروط الاجتهاد أو الفقه فيه، فهو وهابي المذهب والانتماء وليس سنيا، ومثله لا يوضع بأي حال من الأحوال في مواجهة كلام ابن حجر العسقلاني أمير المؤمنين في علم الحديث.
كذلك لم يستند كلام المدعو ناصر الدين الألباني على تفاسير علماء أهل السنة والجماعة للاحاديث التي ذكرها دون أن يتبيّن معناها، بل اعتمد على فهمه الخاص لها، ومن المعلوم أنه ليس مجتهدا ليستنبط الأحكام بنفسه، وبالتالي فإن كلامه ليس حجة على المسلمين.
ولعلك تلاحظين كذلك أنه لم يلتفت إلى كل ما قاله علماء أهل السنة والجماعة وفقهاء المذاهب الأربعة في تقسيم البدعة وكأنه اعتبرهم ساقطين عنده غير موثوقين وذلك لأنه مخالف للسلف الصالح في هذه المسألة ليس موافقا لهم فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ولو أردنا أن نضع في كفة ميزان ألف رجل مثل المدعو ناصر الدين الألباني وفي الكفة الأخرى وضعنا مقام عالما جليلا مثل الإمام السيوطي لغلبت الكفة التي فيها مثل السيوطي دون تكلّف للغلبة فرحم الله من عرف لعلماء أهل السنة والجماعة قدرهم ولم يرد ما ثبت من أقوالهم بقول بعض المعاصرين الذين لم يصلوا في العلم إلى درجة فقيه حقيقي ولا إلى درجة عالم شرع حقيقي.
وإنما هذا يثبت خروج ومروق الطائفة الوهابية من دائرة أهل السنة والجماعة.
رد تفصيلي:
فأما حديث: "كل بدعة ضلالة" فمعناه أن أغلب البدع تكون بدع ضلال وليس الكل على وجه الإطلاق بلا استثناء وهذا من اللغة العربية يعرفه أهل الخبرة وهو عبارة عن إطلاق "الكل" على "البعض" إذا غلب، ومن ذلك قول الله تبارك وتعالى عن الرياح التي أرسلها الله لتدمر بعض الكافرين: {تدمر كل شىء}. وهي لم تدمر كل شىء على وجه الإطلاق فلا زالت الأمصار والأقطار والنواح عامرة وإنما هي دمرت الكثير الكثير من الأشياء فأطلق "الكل" على "البعض" لأنه غلب عليه.
ثم انظري كيف يعترف الألباني بأن جمهور أهل السنة والجماعة على مشروعية الاحتفال بالمولد حيث يقول: ((يأخذ بقلوب جماهير المسلمين)) فهذا الإقرار يثبت أن الوهابية مخالفين لجمهور المسلمين ولكن الألباني لم يكتفِ بقوله بل ذمّ المسلمين فقال: ((لأنهم يستسلمون لعواطفهم التي لا تعرف قيدا شرعيا مطلقا وإنما هي عواطف جانحة)) فهذا الألباني يضع نفسه في مقام أعلى من فهم جمهور المسلمين والسواد الأعظم من الأمة المحمدية.
أما قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فهو حجة على الألباني ليس حجة له، وذلك أن الله تعالى ما نهانا عن الاحتفال بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الألباني مموِّه يعتقد ان كل علماء أهل السنة والجماعة الذين أفتوا بجواز عمل المولد كانوا على ضلال هم والسواد الأعظم من الأمة الذين يحتفلون بمولده صلى الله عليه وسلم، ألا فبعدا لكل من يضلل جمهور المسلمين ويتهمهم بالعمل في بدع الضلال بينما هم يقرأون القرءان ويمدحون النبي صلى الله عليه وسلم ويطعمون الطعام للفقراء من المسلمين.
لذلك نقول إن من الادعاء الباطل والجهل ما ادعاء الألباني بأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف أن احتفال الأمة بمولده خيرٌ وقد قال العلماء: إن الجهل بالشيء لا يقتضي إنكار وجوده.
فمن الذي أخبر الألبانيّ ذلك عن رسول الله؟ ولن يجد سوى أنه افتراه والعياذ بالله تعالى.
واليوم بعد أن قرأت كلام الألباني هذا، عرفت كم أنه سخيف جدا، فهو في معرض ذمّه للنصارى ذكر قوله تعالى: {ابتدعوها ما كتبناها عليهم} دون أن يكمل بقية الآية، مما يفضح تمويهه على المسلمين، فنص الآية هو التالي: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [سورة الحديد 27] فلماذا لم يضع الآية بكاملها لولا أنه مموه حقيقي؟
وإليكم أعزائي القراء ما في الجامع لأحكام القرءان للإمام القرطبي في تفسير هذه الآية قال: [وروى سفيان الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: "ورهبانية ابتدعوها" قال: كانت ملوك بعد عيسى بدلوا التوراة والإنجيل، وكان فيهم مؤمنون يقرؤون التوراة والإنجيل ويدعون إلى دين الله تعالى، فقال أناس لملكهم: لو قتلت هذه الطائفة. فقال المؤمنون: نحن نكفيكم أنفسنا. فطائفة قالت: ابنوا لنا اسطوانة ارفعونا فيها، وأعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا ولا نرد عليكم. وقالت طائفة: دعونا نهيم في الأرض ونسيح، ونشرب كما تشرب الوحوش في البرية، فإذا قدرتم علينا فاقتلونا. وطائفة قالت: ابنوا لنا دورا في الفيافي ونحفر الآبار ونحرث البقول فلا تروننا. وليس أحد من هؤلاء إلا وله حميم منهم ففعلوا، فمضى أولئك على منهاج عيسى، وخلف قوم من بعدهم ممن قد غير الكتاب فقالوا: نسيح ونتعبد كما تعبد أولئك، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان من تقدم من الذين اقتدوا بهم، فذلك قوله تعالى: "ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله" الآية. يقول: ابتدعها هؤلاء الصالحون "فما رعوها" المتأخرون "حق رعايتها" "فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم" يعني الذين ابتدعوها أولا ورعوها "وكثير منهم فاسقون" يعني المتأخرين، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ولم يبق منهم إلا قليل، جاؤوا من الكهوف والصوامع والغيران فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم].
فانظروا بالله عليكم كيف حرّف هذا المدعو ناصر الدين الألباني معنى الآية، فالقرءان ما عاب عليهم ابتداعهم لهذه الرهبانية وإنما عاب على من لم يرعها حق رعايتها. ففي الحقيقة هذا دليل ضد الذين يحرّمون الاحتفال بالمولد النبوي الشريف على قواعد أهل السنة والجماعة.
أما قول الألباني إن الصحابة لم يحتفلوا بمولد النبي صلى الله عليه وسلم فهذا ليس حجة له لأن الصحابة لم يضعوا النقط في المصاحف فهل ينكر الألباني وجود النقط في المصاحف؟ هل يزعم الألباني أن كل المصاحف في الدنيا اليوم تلك التي فوق حروفها وتحت حروفها نقط هي مصاحف محرفة مشتملة على بدعة ضلالة؟ أعوذ بالله من الجهل..
سبحان الله العظيم، يدعي هذا الألباني المفتون أنه تابع للسلف، ولكنه يخالف أكابر علماء السلف كالإمام الشافعي في تقسيم البدعة إلى بدعة هدى وبدعة ضلالة فلا حول ولا قوة إلا بالله.
أما قوله تعالى: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} وليس ((ولا)) كما جاء في ردك يا أخت هند، وليتك تأكدت قبل أن تضعيها كما نسختيها، أما معنى الآية أن لا تجعلوا لله أكفاء وأمثالا ونظراء كما جاء في الجامع لأحكام القرءان وفيه: "والخطاب للكافرين والمنافقين" فكيف يضع الألباني هذه الآية في مخاطبة المؤمنين الذين إنما يظهرون الفرح والسرور بفضل الله عليهم بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}، فيقرأون القرءان ويمدحون من مدحُه في القرءان: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} ويطعمون الطعام في حب من قال: (أطعِم الطعام).
وانظروا إلى جرأة الألباني في التعدي على المسلمين المؤمنين فهو يريد أن يتهمهم بالكفر والشرك ويضع المقدمات لذلك فيشببهم بالمشركين فيقول: (أخشى ما أخشاه أن يدخل المصر على ذلك في جملة {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله}) هذه حال من لم يأخذ العلم من أفواه العلماء بل غلَّب رأيه وانفرد بفكره عن جمهور علماء الأمة فلا حول ولا قوة إلا بالله..
ولذلك نرى هذا الألباني كيف قاده جهله إلى أن يستنكر وبشدة على من قال في الأناشيد أن أم النبي حملت به تسعة أشهر قمرية، وكيف لا يجد الألباني في هذا الكلام فائدة بل ويقول إن هذا الكلام (ساقط واهٍ) والعياذ بالله منه، وهذا قوله بحروفه كما نقلتموه: (المولد خرج عن هدفه بمثل هذا الكلام الساقط الواهي) بل الساقط هو كلام الألباني لأنه لم يستند على قول عالم معتبَر من علماء المسلمين فكان إنكاره لهذا الكلام بدعة ما سمعتها من أحد قبله.. أعوذ بالله كيف يجد ان قول القائل إن أم النبي حملت به تسعة أشهر كلام ساقط!
مقال اعتمد على الإنشاء في مجمله وخلا من الأدلة والبراهين التي يوافق عليها أهل العلم، وكي يزيد الوهم على القراء زعم أن المحتفلين بمولد الرسول يزعمون أن النبي خُلق من نور، فهذا الكلام إن قال به بعض الجهلة ممن لم يكن لهم حظ في تحصيل علم الدين فلا ينبغي بالألباني أن ينسبه إلى أهل السنة والجماعة، نعم هو يفتري على أهل السنة فيقول إنهم يقولون إن النبي خُلق من نور وهذا كذب فاضح فإنما نحن نقول إن الملائكة مخلوقون من نور أما رسول الله فهو من بني ءادم وءادم من تراب لا نقول غير هذا، فإن شذ بعض الجهلة وقالوا إنه مخلوق من نور فهذا لا يضر أهل السنة والجماعة شيئا في مدحهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما يليق به.
أما حديث: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله) فليس معناه لا تمدحوني بما يليق بي، وإلا فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو تحدث بنعمة الله عليه فقال: "أنا سيد ولد ءادم يوم القيامة ولا فخر" رواه مسلم في صحيحه، أما معنى الحديث: "لا تطروني كما اطرت النصارى عيسى ابن مريم" فقد شرحه الحافظ العسقلاني في شرحه على البخاري فقال: [قوله: (لا تطروني) بضم أوله، والإطراء المدح بالباطل تقول أطريت فلانا مدحته فأفرطت في مدحه. قوله: (كما أطرت النصارى ابن مريم) أي في دعواهم فيه الإلهية وغير ذلك]. فهل ادعى المحتفلون بالمولد أن محمدا إلهٌ! أم أن الألباني يريد أن يتهم المسلمين بالكفر هذا دأبه ومسعاه فخاب مسعاه والحمدلله رب العالمين.
أما قصة معاذ بن جبل رضي الله عنه والتي ذكرها الألباني في مقاله فليس فيها تحريما لعمل المولد وذلك لأن السجود للنبي محرم في شرعنا أما مدح النبي وقراءة القرءان وإطعام الطعام للمسلمين ليس حراما، فعلام ينقل هذا المتنطع هذه الرواية في غير محلها!؟
إن الألباني ليس سوى متنطع لا يفهم دين الله فهو يشبه ما يفعله المسلمون يوم المولد من الأمور الجائزة بالسجود للنبي فما أجهله من مدّع!
عواطفنا تجاه النبي كبيرة وهي لا تدعونا للسجود له وانما لإظهار الفرح والسرور بيوم مولده عليه الصلاة والسلام واطعام الطعام للمسلمين اظهارا للفرحة وشكرا لله على مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما قوله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} فكان الأجدى بالألباني أن يذكر نفسه به فلا ينكر على الناس أن يخصصوا يوم المولد بفعل طاعة، أما تحريم ذلك فلم يرد في كتاب ولا سنة ولا قول عالم معتبَر من علماء المسلمين، كم مرة يستخدم الألباني ءايات القرءان في غير موضعها؟ حسبنا الله ونعم الوكيل..
ولعل هذا الألباني يظن بنفسه أنه أغزر علما واوسع فهما من الإمام الشافعي، وهنا نرد عليه القول:
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة / وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
ثم هذا الألباني يلمّح إلى كون الاحتفال بالمولد نوع من أنواع الشرك والعياذ بالله فيقول: (فلا يستطيع الشيطان أن يتقرب إلى أحد بمثل هذا التعظيم الذي هو من باب الشرك) فحسبنا الله ونعم الوكيل! هذا الألباني من وظّفه ليعمل في تكفير المسلمين من أهل القبلة من الصائمين المصلين الخاشعين الراكعين ليل نهار!؟ ومن قال له إن تعظيم النبي بما يليق به صار نوعا من انواع الشرك؟ أم أن وصف المؤمنين بالمشركين هيّن عنده! ألا تبا له ما أبعده من الخير..
وانظروا أيها القراء كيف يذم الألبانيّ المدّاحين والمديح النبوي فيقول إنهم كذابون وإنهم لو فعلوا ذلك امام رسول الله فكأنما أهانوه! باختصار يبدو الألباني كأنه يبغض مديح المسلمين لنبيّهم والعياذ بالله تعالى..
وانظروا إلى صغر عقله وقلة فهمه عندما أراد أن يصف المحتفلين بالمولد النبوي بالنصارى، مستخدما التمويه الذي اعتاده في مخاطبة الناس ونقول في الرد عليه:
أولا: إن المسلمين يحتفلون بمولد نبيهم رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بينما النصارى يزعمون أنهم يحتفلون بميلاد عيسى عليه السلام.
ثانيا: إن المسلمين يقتصرون على قراءة القرءان ومدح النبي بما يليق به وإطعام الطعام للفقراء، ولا يصفون رسول الله بشيء لا يليق به ولا يقولون إنه إله أو ما شابه بل يقتصرون على ذكر أنه أفضل خلق الله كما وصف رسول الله نفسه بقوله: أنا سيد ولد ءادم يوم القيامة ولا فخر.
ثالثا: إن أهل السنة والجماعة يتبعون ما ثبت عن علمائهم وفقهاء المذاهب الأربعة ولا يتبعون الطوائف التي تشذ عن منهج اهل السنة والجماعة.
رابعا: لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم اليهود يصومون عاشوراء لأنه اليوم الذي نجى الله فيه موسى من فرعون صامه وأمر بصيامه فلو كان حراما أن يصوم ذلك اليوم لمجرد أنهم صاموه لما صامه وهذا دليل تحدث فيه الإمام ابن حجر العسقلاني امير المؤمنين في علم الحديث.
فماذا بقي للألباني من شبهة وتمويه باطل لم يستخدمه؟
وأنت يا أخ ياسر
فلا تحاول أن تغمض عينك وتدعي أنك لم تقرأ أن الإمام الشافعي هو من قسّم البدعة إلى نوعين بدعة هدى وبدعة ضلالة فقد قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: "المُحدثـات من الأمور ضربان أحدهما: ما أُحدث مما يُخالفُ كتابـا أو سُنة أو أثرا أو إجماعا، فهذه البدعة الضـلالة، والثانيـة: ما أُحدثَ من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه مُحدثةٌ غير مذمومة". رواه الحافظ البيهقي في كتاب "مناقب الشافعي" ج 1 ص 469.
فهل تترك كلام الشافعي الذي هو من أشهر أئمة السلف الصالح وتأخذ برأي بعض المتأخرين!
ثم اعلم أن كلام الشاطبي لا يعدو كونه خلاف حول تسمية الفعل المستحسن بالبدعة فهو لم يعتبره بدعة لأنه قام على دليل، فما قام على دليل عنده فلا يُسمى بدعة، وقد تكلم في ذلك العلامة المحدث عبدالله بن الصدّيق الغماري فقال ما نصه:
((يعلم مما مر: أن العلماء متفقون على انقسام البدعة الى محمودة ومذمومة، وأن عمر رضي الله عنه أول من نطق بذلك. ومتفقون على أن قول النبي صلى الله عليه وءاله وسلم "كل بدعة ضلالة" عام مخصوص. ولم يشذ عن هذا الاتفاق إلا الشاطبي صاحب الاعتصام، فإنه أنكر هذا الإنقسام، وزعم أن كل بدعة مذمومة، لكنه اعترف بأن من البدع ما هو مطلوب وجوبا أو ندبا، وجعله من قبيل المصلحة المرسلة، فخلافه لفظي يرجع الى التسمية. أي أن البدعة المطلوبة، لا تسمى بدعة حسنة، بل تسمى مصلحة)). انتهى كلامه.
ولكي تفهم المسألة بوضوح أكبر يا ياسر ما عليك سوى أن تراجع ما كتبته لك عن فعل خبيب رضي الله عنه فهو ابتدع صلاة ركعتين قبل أن يُقدّم إلى القتل، وقُتل قبل أن يقرّه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل تعتقد أنه مات عاصيا مبتدعا بدعة ضلالة يا رجل! لكنه علم أن هذا الفعل موافق للدين فابتدعه طلبا للأجر ثم سمِّ فعله ما شئت

.
لذلك يا ياسر لا تتسرع في النقل من صفحات الشبكة المعلوماتية ولا تستعجل بالترويج لفكر يعمل ضد مذهب أهل السنة والجماعة لمجرد أنك تأخرت في تحصيل العلم الثابت عن أهل السنة والجماعة وما وصلك كلام فقهائهم إلا متأخرا فدين الله تأخذه من أفواه العلماء وليس من تآليف لا تعرف مدى فقه كاتبها ولا إن كان ثقة أم لا.
فلما قام الدليل على جواز عمل المولد أغلقت الأبواب في وجوه الذين يريدون تحريم هذا الفعل وأعيد نقل ما قاله الإمام النووي في هذا الباب:
[قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: (وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ) هذا عامٌّ مخصوص، والمراد: غالب البدع. قال أهل اللُّغة: هي كلّ شيء عمل عَلَى غير مثال سابق. قال العلماء: البدعة خمسة أقسام: واجبة، ومندوبة، ومحرَّمة، ومكروهة، ومباحة. فمن الواجبة: نظم أدلَّة المتكلِّمين للرَّدِّ عَلَى الملاحدة والمبتدعين وشبه ذلك. ومن المندوبة: تصنيف كتب العلم وبناء المدارس والرّبط وغير ذلك. (ج/ص: 6/155) ومن المباح: التّبسط في ألوان الأطعمة وغير ذلك. والحرام والمكروه ظاهران، وقد أوضحت المسألة بأدلَّتها المبسوطة في (تهذيب الأسماء واللُّغات) فإذا عرف ما ذكرته علم أنَّ الحديث من العامّ المخصوص، وكذا ما أشبهه من الأحاديث الواردة، ويؤيِّد ما قلناه قول عمر بن الخطَّاب -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في التَّراويح: نعمت البدعة، ولا يمنع من كون الحديث عامَّا مخصوصا. قوله: (كُلُّ بِدْعَةٍ) مؤكّدا بكلِّ بل يدخله التَّخصيص مع ذلك كقوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ}].
لذلك وفي محاولة لترشيد مشاركاتك في الحوار يا حبذا تقف ولو مرة واحدة عند ما أورده لك من أدلة وقرائن وحجج وبراهين فمشكلتك أنت وغيرك أنكم تتوهمون انكم تردّون عليّ وإنما تردّون كلام الشافعي في تقسيم البدعة والنووي والعز بن عبد السلام وغيرهم الكثير من علماء أهل السنة قالوا بذلك وتردّون على الإمام ابن حجر العسقلاني والحافظ السيوطي والسخاوي وغيرهم الكثير من علماء أهل السنة وفقهاء المذاهب الأربعة الذين اجازوا عمل المولد الشريف، فلا تأخذنكم الأوهام ولا تخدعنكم الآراء الشاذة فالعبرة بموافقة علماء أهل السنة والجماعة والسواد الأعظم من المسلمين من فقهاء أهل السنة والجماعة.
ولي عودة قريبة بإذن الله تعالى لأضع بين أيديكم المزيد من الفوائد حول هذا الأمر.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين وءاخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.