الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة > قسم الرواية

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 12-07-2023, 04:15 AM   رقم المشاركة : 13
معلومات العضو
ابراهيم امين مؤمن
أقلامي
 
إحصائية العضو







ابراهيم امين مؤمن غير متصل


افتراضي رد: رواية قنابل الثقوب السوداء - أبواق إسرافيل "الرواية المشاركة في كتارا 2019-2020

****

فتى البركان الملثم
استيقظ جاك على صوت صراخ منبعث مِن القناة الإخباريّة، ليست أذنيه التي تفاعلت مع الصراخ؛ وإنّما ضميره، فصوت الصارخ المستغيث يسمعه ذو الضمير الحيِّ كجاك، بينما لا يسمع ذو الضمير الميت ألفَ صارخ مستغيث، لا بأذنيه ولا بضميره.
هبَّ مفزوعًا، فرأى أبراجًا تتهاوى في مشهد رهيب. حدّقَ بصره بحدّة وما يحدُّق إلّا في وجه الفناء، فرأى دموعًا كالأنهار، ودماءً تحترق، وعظامًا تذوب في بحور من الحِمم البركانيّة الطاغية.
وأصغى السمْع وما يسمع إلّا الحسيس وأزيز الطائرات التي تُحلّق فوق سماء الحدث، وصراخًا وفرارًا ورعبًا وهلعًا.
ولمْ تمرّ إلّا دقائق معدودة وشاهد أهوال القيامة تتجسد أمامه على شاشة التلفاز. ناطحات السحاب تتهاوى متهدمة، وبعضها خُسفت، والبركان يباغت الناس في منازلهم؛ فيحترقون ويصبحون بخارًا يتطاير في الهواء.
الناس تجري فرارًا إمّا من الخسف أو الحرق، والسيّارات يتخذونها مهربًا مِن البركان الغاضب.
البركانُ أكل السيارات، وتجشأ بطعام القطارات، وتكرّع بدماء الضحايا، يُميت بلا رحمة؛ فقد هرب منه قطارًا امتلأ عن آخره بالشباب والأطفال والعجائز والرجال فأدركه وضربه من جانبه ثمّ ابتلعه.
ولم يرحم حتى المغيثين، فقد انفجر في طائرة إغاثة فأحرقها. امتزجتْ أصوات صراخ البريء والمجرم، والظالم والمظلوم، والكاره والمكروه، والسجين والسجّان، حتى الرضيع يصرخ جوعًا يريد أن يلقم ثدي أمّه لكنّه اللحظة لم يدرِ أنّه لقمة البركان.
ومواسير ناسا ذات القطر الواسع تحاول أن تغيث، فتدفع بمائها بكلّ ما أُوتيتْ مِن قوّة غير أنّ البركان بغتها فأرداها صريعة وابتلعَ ماءها، ورئيس ناسا يشاهد مواسيره المحترقة فيدعو الربّ بالخلاص.
وأبواق الحكومة الفيدراليّة تناشد المواطنين بترْك المنطقة الثائرة وترْك كلّ ما خلفهم، ولقدْ قال قائلٌ منهم: «اتركْ فقد يكون بينك وبين الموت ثانية واحدة فاظفرْ بها واستفدْ وانج بنفسك.» والصلوات تُتلى في الكنائس فِراراً إلى الغيّاث الأكبر ..ربّهم.
وما أدهش العالم أكثر أنّ أقوى بركان كان بركان بيركلي القريب مِن الجامعة، ظلّ يجري مقتحمًا ما فوق الأرض وما تحتها متّجهًا نحوها، والطلبة تُنذر بمغادرة المكان، بينما رئيس جامعة بيركلي ظل واقفًا ولم يتحرك وقال: «نهلك معًا أو نبقى معًا.»
فلمّا وصل البركان برد وتجمّد كأنّه سجد وخشع، وعلى الرغم أنّه لم يرحم الرضيع؛ لكنّه هذه اللحظة خشع وانهار ولم يقوَ على النهوض .
ولقد حار العلماءُ في شأن هذا البركان السابق، علماء الجيولوجيا وناسا يؤكّدون أنّه كان ولابدَّ أن يواصل زحفه ويحرق الجامعة، لكن القساوسة أكّدوا أنّها معجزة ربانيّة تؤكد دفاع الربِّ عن هذه الجامعة لموْلِد رجلٍ سيكون السبب في نشر الفضيلة وحماية هذا العالم مِن الفناء، وقد صدقوا فعلاً (كما سيتبين مِن أمر جاك وفهمان).
العالم كلُّه يتابع المشهد، دول الغرب ترسل سراياها للمساعدة والتدعيم، حكّام العرب يبكون ويتباكون على أمريكا والشعب الأمريكيِّ ويعلنون الولاء والتضحية بالنفس مِن أجلهما، والشعب الفلسطينيّ مثْلج الصدْر يحمد الله ويُعلن الشماتة ويردّد أقوال بعض آيات القرءان الكريم التي تتكلّم عن الانتقام مثل: ï´؟إنّ الله عزيز ذو انتقام -إنّ ربك لبالمرصاد- ولا تحسبنّ الله غافلاً عمّا يعمل الظالمون إنّما يؤخّرهم ليومٍ تشخص فيه الأبصار) صدق الله العظيم.
بينما بعض المساجد ترفعُ أكفَّ الضراعة مبتهلين لاعنين الأمريكان وداعين بالتدبّر في آيات الله الكونيّة.
وفي مشهد آخر وعلى بُعد عشرات الكيلومترات مِن منزله رأى جاك كاميرا تسلّطُ الضوءَ على طفل وطفلة لمْ يتجاوزا الست سنوات.
-الطفل سمين ذو وجه ممتلئ وهيئة حسنة بينما الطفلة هزيلة وملابسها ممزقة ونحيفة شاحبة اللون- بدأ الإعلاميّ يتكلم عن هذا المشهد ليبيّنه ويشرح ملابساته إلى المشاهدين ودور الحكومة الفيدراليّة وفريق الإغاثة في إنقاذهما؛ بدأ يصف المشهد وملابساته.. وقدْ قال مُستهلّاً وجاك يسمع بانتباه وترقّْب:
«هذان الطفلان فلسطينيّان، اتّصلَ والدُ الطفلة مستغيثًا لإنقاذ ابنه وابنته مِن الجحيم، بينما لمْ تصلْنا إشارة حتى الآن بتوجّه فريق الإغاثة لإنقاذهما، لقد انشقّتْ الأرض عن يمين وشمال الطفليْن وتركتهما محصوريْن بين جداريْن مِن ألسنة لهب الحمم البركانيّة العالية،
نارٌ تتأجّج أمامهما وخلفهما؛ بينما هما يصرخان واقفين على الأرض المحصورة بين طوديّ الحمم الملتهبة، الأرضٍ قريبةٍ في شكلها مِن شكل المثلث متساوي الساقين المرسوم على الأرض، ويبدو مِن خلال المعاينة ومراعاة الأبعاد أنّ المثلث ضلعه يتراوح ما بين 15-17 من الأمتار بينما قاعدته أكبر فطولها ما بين 25-27 متر.»
فلمّا سمع جاكُ هذه الأبعاد كوّرَ كفىّ يديْه بحيث أصبح ظهريْهما للسماء، ثُمّ أمالهما خفْضًا ورفْعًا وهذه إشارة لإمساك دراكسيون دراجه بخاريّة، وقدْ كان يقصد ذلك بالفعل .
ومن حجرة مبيت عالم الفيزياء الفذّ ميتشو كاجيتا بمصادم ffc-1 الكائن في سيرن بسويسرا نجد كاجيتا يشاهد البركان ويرقص، وكلّما زاد البركان توحّشًا زاد رقصًا وفرحًا، ولقد كان يتراقص قائلا: «هيّا أيها البركان الرحيم خلّصنا من هذه الزبالة البشريّة.»
واستأنف الإعلامي: «والرماد البركانيّ والحِمم في ازدياد، وأخيرًا جاءتْ إشارة أنّ منطقة الطفلين خطرة ولا يملكون التحليق فوقها الآن وليس لديهم أدوات لمدِّ جسر لإنقاذهما. لكنّهم سيحاولون إرسال الدعم في وقت قريب، فكلّ طائرات الإغاثة منشغلة بإنقاذ عشرات الآلاف مِن الضحايا.»
انتفض جاك ثمّ قفز على دراجته البخارية وأنزل اللثام على وجهه وانطلق بها مخترقًا باب منزله الذي طار في الهواء، وظلَّ منطلقًا بأقصى سرعة متجاوزًا الزحام بالتحكم في حركتها بطريقة أسطورية. وبمجرد خروجه جاءتْ إشارتان أحدهما تقول إنّ الأبَّ الفلسطينىَّ صاحب الرسالة قد شاهد ولده منذ لحظات وأنّ المحصور في البركان ليس ابنه.
والإشارة الثانية من يهوديّ يقول عن هذا الذي مع الفلسطينيّة ابنه، وقد قال بالنص: «إن لمْ تنقذْه الحكومة فسوف يحمّلهم مسئوليّة موته .»
ولقد سمع قوله يعقوب إسحاق مقولته عبر التلفاز فارتعد وانتفض، ثمّ هاتف بيد مرتعشة الرئيسَ الأمريكيّ على الفور وقال: «إن مات طفلنا فسوف أمحوك من الوجود.»
ثمّ تلتها إشارة ثالثة بعد قليل أنّ فريق البحث متّجه لإنقاذ الطفل والطفلة لخمود الرماد البركانيِّ والحِمم حولهما بصورة تُمكّن طائرة الإنقاذ التحليق فوقهما لانتشالهما. ويبدو مِن الإشارة الثالثة أنّهم استطاعوا أنْ يوفّروا طائرة استغاثة بالفعل.
انطلق جاك متّجهًا إلى مكان الطفليْن، فلمّا دنا مِن المكان أدّى صلاته ودعا الربَّ بالنجاة والتوفيق ثُمّ دعا لأمريكا بالخلاص.
وانطلق بأقصى سرعة، ولحسن الحظ أنّ الجدارَ المنفصل الواقف عليه الطفلان منخفضٌ عن الأرض. فطارتْ الدراجةُ مرتفعة في الهواء لمسافة ما بين 15-17 مترًا وظلَّتْ في الهواء متجاوزة ألسنة الحِمم التي كادتْ أن تنال منه، وبالفعل فقد قذف البركانُ جمرةً صغيرة التصقتْ بأسفل بنطلونه. ثمّ بدأتْ الدراجة في الهبوط متّجهة إلى قاعدة المثلث الكبرى.
كانت الدراجة مسرعةً، وأيّ فرملة مفاجأة سوف تقلبه هو والدراجة في الجحيم، ففرمل على مراحل، المرحلة الأولى خفيفة وكذلك الثانية والثالثة، أما الأخيرة فكانت على بعد أربعة أمتار مِن حافّةِ قاعدة المثلث قبل أنْ يفعلَها، ثُمّ أسند بقدمه على الأرض وآمال الدراجة قليلاً فمالتْ وسارتْ تجاه أحد ضلعيِّ المثلث. وظلّت الدراجة تدور حول نفسها عدة مرات حتّى استقرتْ.

جاك يعلم أنّ الدرّاجة لن تستطيعَ العودة مطلقًا لوجودها في مهبط، وبالطبع فلن تصعدَ الدرّاجة ضد الجاذبيّة، وحتى لو كان هذا جائزًا فالمسافة قليلة لكي يطير بها مجددًا.
فماذا يخبئُ جاك لنا؟
من المدهش أن بطل العالم في الدرجات كان يشاهد المشهدَ فقال دهشًا: «أنا ما أستطيع فعلها.»
والناس تشاهد المشهد برمته عبر التلفاز، ولقد شاهدوا قفزته؛ فخطفت أنفاسهم حتى إنّها صرفت أبصارهم عن موت آلاف الضحايا الذين يسقطون كلّ ساعة.
اشرأبتْ أعناقهم نحو التلفاز، واستطلعتْ عيونهم كذلك محدّقين قائلين: «لقد ألقى الفارس الملثّمِ هذا بنفسه في التهلكة رغم شجاعته ومهارته وشهامته.»
ومن الوادي الجديد نجد فهمان يشاهد هذا الرجل الملثّم وهو يلقي بنفسه لإنقاذ الطفلين غير مكترثٍ لحياته، فتمنّى فهمان أن يكون مثله في التضحية والشجاعة.
أما داخل مبنى وكالة ناسا فيشاهد رئيسها الفتى الملثّم ويخاطب نفسه قائلاً: «أيّها الملثّم، أنت تصلح أن تكون رائد فضاء من الطراز الأول.» ثمّ تحركت شفتاه همسًا مستفهمًا: «مَن أنت أيّها الفارس الملثّم؟!كم أرجو رؤيتك.»
أيقن كل المشاهدين بأنّه سوف يموت، لكن ماذا يخبّئ لنا جاك؟ هل هذه العبقريّة وهذا الضمير الملائكيِّ ساذجٌ لهذه الدرجة أن يلقي بنفسه في الجحيم؟!
الحقيقة أنّ جاك ألقى بنفسه وهو بالفعل لم يحسب خطوات العودة، نظر إلى الطفلين وسألهما غيظًا وحنقًا عن سبب سيرهما بدون مصاحبة والديهما، ثمّ أطرق متسائلا: «وماذا كان سيفعل الوَالِدَانِ في هذا المأزق.»
فنظرت الطفلة إلى بنطلونه الذي بدأ يحترق، فقد بدأت الجمرة تتحوّل أسفل البنطلون نارًا فقالت له الطفلة: «عمو،أنتَ تحترق.»
ثمّ نظر الطفل اليهوديّ إليه أيضًا قائلاً: «سيدي أنتَ تحترق.»
فضرب جاك بنطاله بيده غير مكترث لما قد يحدث لقدمه او له من احتراق وإنّما حدّق في الطفلين وكرّر نفس السؤال للمرة الثانية.
فأجابتْ الطفلةُ: «إنّنا كنّا مجموعة مِن الأطفال عربًا وعجمًا، فأقبلَ عليّ هذا الولد وقال لي بأنه يهوديّ ويريد المال الذي معي والفستان الذي ارتديه، فلمّا قال ذلك رمقه بعض الأطفالُ العرب وقالوا له وهم يتغامزونه وأياديهم مبسوطة نحو جيبه بأن كلامه لا يصحّ ومبجلين إياه بقولهم له بأنه سيدهم.أمّا بقيتهم فتداولوا فيما بينهم ثمّ رحلوا جميعًا، وانتهز فرصة رحيلهم فضربني ولا زال يضربني حتى اِنشقتْ الأرض.» وفور ان انتهت من كلامها أجهشت بالبكاء حتى ارتعد جسدها وأعادت قائلة: «انشقتْ الأرض لأنّه ظلمني.» ثمّ تمالكتْ نفسها ومسحت دموعها وتثبّتتْ ثمّ رددت: «وهكذا سيدي الشجاع، تنشقُّ الأرض عندما تُسلب من أصحابها.»
فعلق الطفل اليهودي على قولها: «نعم سيدي، هي على حقٍ في قولها "تنشقُّ الأرض عندما تُسلب من أصحابها."نعم سيدي، انشقتْ الأرض لأنّ فلسطين اغتصبوا أرضنا.»
فلمْ يعبأ جاك بعراك الطفلين وإنّما أخذ يفكّر كيف ينجي هذين الطفلين من الموت، أيستسلم؟! جاك الذي لمْ يفشلْ قطٌ يموت الآن، مستحيل.
وعبْرَ الشاشات نجد الناس يتملّكهم الحزن الشديد على الملثّم قائلين: «خسارة أن يفقد هذا العالم رجل مثل هذا الفارس، وتأهّبوا للصلاة عليه بعد أن تأكله النيران.»
استجمعَ جاكُ فِكره وغيّب مشهد الفزع الذي ينتابه مِن شكل الطفلين، ثمّ جثا على ركبتيه صامتًا حتى ظنَّ الناس إنّه يصلّي صلاة الوداع وانتفض فجأة ونظر لبركان النار وصراخ الطفلين ودموعه تنهمر من عينيه، مسح دموعه ونظر نظرة خاطفة إلى الدراجة، ثمّ أقبل عليها وفتح حقيبة كبيرة كانت خلف المقعد الذي يجلس عليه واستخرجَ كيس النايلون الذي فيها -إنّه كيسٌ رقيقٌ خفيفٌ لا ينفذ منه الهواء مطلقًا ولا يحترق إلّا تحت درجة انصهار عالية ومطلىٌّ في فوهته بمادة لا تحترق، كان يحتفظ به في دراجته للقيام ببعض المناورات الطائرة، أما فوهته فعبارة عن طوق مِن الحديد ذات قطر صغير 90 سم ومطليّة بمادة ضد الحرائق- وتذكّر عندما اشتراه أنّ البائع قال له: «هذه المادة ضدّ الحريق يا فتى.» ولمْ يفكر وقتها في السبب لكنّه علمه الآن وقال لنفسه وقتها: «يبدو يا جاك أنّ هذا البالون كان يستخدم كمنطاد في نقل راكبين أو ثلاث.»
رآه فهمان وقد كان جالسًا، وعلى الرغم من ألمه وتفجّعه على الناس الذين يحترقون إلا أنّه لم ينسَ العلم كأبيه، فحدّق في الفتى الملثّم قائلاً: «أرجو أن تفعلها أيّها الملثّم ..أرجو أن تفعلها، وانتبه لما معك، فمعك الموقد والغاز والهواء.»
تفاءلَ جاك بذلك واستبشرَ، وارتسمتْ على وجهه علامات الطمأنينة.بعد ذلك، أخرج مِن الحقيبة علبَ كانز فارغة، علب كان يخزنها بعد ارتشافها ليبيعها لأحد الباعة من أجل أن يستعين بها على قضاء بعض حوائج المعاش.
ولحسن حظه أنّها كانتْ كثيرة، استخرجها وألقاها أرضًا ثمّ ثقبها كلّها من أعلى ثمّ قال همسًا: «لا بأس بها فإنّها تفي بالغرض.»
لقد تعجّب الناس عبر الشاشات من فعله الغريب فقالوا: «لقد أصابته لوثة الجنون.» أما رئيس ناسا ففهمَ ما ينوي الفتى فعله،
فقال متحفزًا: «أرجو أن تنجح في صنع سفينتك الفضائيّة أيّها الملثّم.»
وقد صدرتْ أوامر إلى طائرة فريق إنقاذ بالذهاب إلى مكان الحادث لإنزال أريكة بحبال تحتوي على أبازيم رابطة لتحمل الطفلين إلى الطائرة.
بعد ذلك استخرجَ جاك مِن أسطوانة الدراجة الغازية الغاز الذي تعمل به بعد أن ثقبها ثمّ أفرغها كلّها في علب الكانز عن طريق أنبوب.
ثم قام بسداد علب الكانز كلِّها بسدادة محكمة، وربطها كلّها معًا بإحكام في أربع مجموعات، ثم ما لبثن أن ربط المجموعات في قاعدة خشبيّة كانت ملقاة على أرض البركان.
وفهمان يحدّق في الشاشة مائلاًَ مقوس ظهره ويحفزه غيابيًا بقوله: «هيا، هيا اِفعلها، اِفعلها أيّها الملثّم البطل.»
ومن تل أبيب كان يعقوب إسحاق يشاهد المشهد من أوله، ولقد أدرك أخيرًا ما ينوي فعله ذاك الملثّم.
بعد أنْ انتهى جاك، لمْ يجد عناءً مطلقًا في المرحلة التالية، كان عليه الآن أن يحضر مضخّة الهواء اللاسلكيّة (قوتها 12 فولت)كان يضخُّ بها الهواء لإطاريّ دراجته. طرح البالون وأمرَ الطفلين بإمساكه جيدًا كي لا يطير فامتثلا، ثمّ ربطه جيدًا في صخرة كبيرة كانتْ على سطح الجدار المعزول حتى لا يطير، كما ربط َالطرف الآخر كذلك. قام بضخّ الهواء البارد داخل البالون حتّى امتلأ، ثمّ قام بسدّه حتى لا يتسرب الهواء البارد.
وسرعان ما أحضر مجموعات الكانز الأربعة، وقام بنزع سداداتها واحدة تلو الأخرى وبسرعة، وكلّما نزع واحدةً منها أشعلَ النّار فيها فكانتْ تشتعل كموقد البوتاجاز، فاطمأنّ أنّها تعمل بامتياز. أشعلَ النارَ بوساطة أحد الأعواد الخشبيّة التي كانت ملقاة على الأرض مِن خلال أحد ألسنة اللهب المتأججة، ولقد لحظ تسرّب بعض الهواء مِن البالون، فأعاد ضخَّ الهواء مِن جديد حتى امتلأ، نادى على الطفلين، وأعدّ حبلاً متينًا كان يستخدمه في تسلْق الأشياء المرتفعة، أحضره مِن الحقيبة أيضًا، ربطَ نفسه في جهة وربط الطفلين في الجهة الأخرى من البالون حتى يتّزن البالون ولا يتأرجح، لكن الطفلان أثقل قليلاً، فاضطر لحمل حجر في يده -وزنه 11 كيلو جرام - في الإطار الحديديّ الدائريّ المثبّت في أول البالون القريب مِن أرض الجدار مدَّ يده إلى الداخل وأمالها أفقياً، ثمّ ربطَ المجموعات الأربع فيه.
قال فهمان عندها: «ها قد فعلها، ها قد فعلها.»، أما رئيس ناسا فقال: «لقد صنع مركبة فضائيّة، فأرجو أن ينجح في صناعة كوابحها.»
وصلتْ الطائرة أخيرًا، وأرسل قائدها تقريرًا إلى مبنى الطائرات أنّه لن يستطيعَ التحليق عِن قرْبٍ بعد أن ارتفعتْ ألسنة اللهبِ منذ قليل، وتبعًا، فإنّ الدرج لن يبلغ الطفلين، وجاءت الرد له فورًا بعدم المغامرة والانتظار لعلّ البركان يهدأ. تلاها إشارة أخرى معللًا للطائرة بعدم المغامرة لأن هناك فتىً ملثمًا قد صنع مِنطادًا طائرًا، ولذلك يجب عليه الترقب.
بدأ الهواء البارد يسخن تدريجيّاً بفعل مواقد الكانز، ثُمّ بدأ البالون يرتفع محلقًا عاليًا، وعندما اطمأنَّ جاك أنّ المنطاد ارتفع عن ألسنة اللهب ولا خطورة منه بدأ يوجّه البالون حتى ساقته الرياح للحركة الأفقيّة؛ فتغيّر مِن الوضعيّة الرأسيّة إلى الوضعيّة الأفقيّة.ثم مدَّ يدُه وقام بنزْع مجموعةً من المجموعات الأربع، فبدأ المنطادُ يهبط مائلاً.
بدأ المشاهدون يتفاءلون وكلّهم في ذهولٍ وترقّبٍ، يأملون أن ينجح الملثم في عملية الهبوط.أما يعقوب إسحاق فحمد الله على نجاة الطفل وأطلق أخيرًا أنفاسه التي كانت محبوسة.
ولمّا غادر المكان أفقياً أيضًا نزعَ المجموعة الثانية؛ فخفَّ اللهب كثيرًا ممّا تسبّبَ في هبوط البالون تدريجيّاً، لكنّه ما زال يحلّق؛ فنزع الثالثة ثُمّ الرابعة فاصطدموا جميعًا بالأرض دون أذى. انشقّتْ الأرضُ المثلثيّة بعدها مباشرة وابتلعتْ الأرضُ الدراجةَ.
نظر خلفه ليجد دراجته التي يعشقها تنفجر، حمد الربَّ على نجاة الطفليْن، ثُمّ ترك المشهد كلّه هروبًا من أن يعرفه أحد.
بدأ البركان يهدأ بعدما أفرغتْ الأرض غيظها وغضبها، والحِمم الباردة تغطي مساحات شاسعة على أرض كاليفورنيا وخاصة المنطقة المحيطة بجامعة بيركلي. ورغم موت آلاف الضحايا في البركان الغاضب إلاََ أنَّ مشهد جاك ارتكزَّ في عقول وقلوب العالم كلِّه وخاصة الأمريكيين.
وظلّتْ وسائل الإعلام تقصُّ وتروي وتستفيض في وصف فتى البركان الملثّم، وخاصة أنّ الطفلين أحدهما يهوديّ والأخر فلسطينيّ .
وظلتْ على مدار أيّام وشهور يعرضون صورة الدراجة وهي تطير ، وصورة الملثّم وهو طائر في الهواء ببالون صنعه ببراعة شديدة ، وصورة الدراجة وهي تتهاوى في البركان، وأشاروا إلى وجهه مليارات المرات متسائلين: «تُرى مَن أنت أيها الملثّم المجهول؟»
ولقد شاهد جاك تعليقات وسائل الإعلام على صنعه فلم يكترثْ لهم وإنما قال مستبقيًا نفسه:«الحمد للرب على نجاة الطفلين.»







 
رد مع اقتباس
قديم 24-12-2023, 04:50 AM   رقم المشاركة : 14
معلومات العضو
ابراهيم امين مؤمن
أقلامي
 
إحصائية العضو







ابراهيم امين مؤمن غير متصل


افتراضي رد: رواية قنابل الثقوب السوداء - أبواق إسرافيل "الرواية المشاركة في كتارا 2019-2020

حكمة:اغرسْ في أرضك بذورًا تصلح لها..
سبعة أشهر مضتْ على زلزال كاليفورنيا
اجتاز فهمان الثانويّة العامة ولمْ يكنْ بين العشر الأوائل على مستوى الجمهوريّة، مع أنّ أبيه كان يعتقد أنّه سوف يكون أولهم.
اِغتمَّ فطينُ وسأل ابنه عن هذه العبقريّة المفرطة التي لمْ تُفعّل في الدراسة.
أجابه فهمان: «أبتِ أنّا منشغل دائمًا بالبحثِ والتقصّي في العلوم التي أعشقها مثل الفيزياء، وقد تبحرت كثيرًا في علومها. ولذلك انشغلتُ كثيرًا عن باقي المواد وأهملتها سهْوًا.»
اقتنع فطين بكلامه، وكيف لا وهو من هو، هو العلامة الحذق. قال فطين:«وماذا بعد؟»
ردَّ بحزم: «كليّة العلوم.»
- «أتكتب أوّل رغبة علوم القاهرة؟»
تلعّثمَ ولمْ يقوَ على الكلام، ثمّ أطرق في أسىً بالغٍ ليداري ما به.
قال فطين: «ما لك لا تنطق؟ اِرفع رأسك وتبسم، أريد لكَ العلوم في جامعة.» وهنا ضرب فطين جبهته بضع ضربات وهو يردد قوله: «جامعة، جامعة، جامعة، جامعة بيركلي بكاليفورنيا،فما رأيك؟»
انفجرتْ عينا فهمان مِن البكاء فرحًا ووجلاً، واحتضنَ أبيه وقبّل يديه.
بعد ذلك سأله أبوه: «أتعلم كمْ النفقة؟»
- «كثيرًا يا أبتِ، كثيرًا.»
- «اِعلمْ وأخبرني، كذلك أخبرني بترتيبات اللحاق ببيركلي.»
جلس فهمان أمام الحاسوب ليبحث عن شروط القبول والنفقات و..الخ. فلمّا قرأها تفجّع قائلا: «كارثة، نفقات الالتحاق باهظة جدًا.»
انصدعَ قلبُه وامتقعَ وجهُه بعدما أيقن انّه لا سبيل للسفر إلّا بالمنحة الدراسيّة، وهو يعلم أنّ أبيه لن يستطيع تحمل أعباء النفقات. تصفّح أكثر؛ فوجد أنّ المنح الدراسيّة لا توهب إلّا في حدود ضيقة جدًا.
حان وقتُ المساءِ، وأتى فطين مِن الخارج، ثم أخذه وخرجا قاصدين السيرك، وسأله في الطريق: «هل أنجزتْ المهمة؟»
أجابه: «لا أريد السفر يا أبتِ، النفقة كثيرة وفوق طاقتك بكثير.»
سمعها فطين وسأله عن حجم المصروفات فلمّا أجابه أطرق في أسىً بالغ. ومِن الغمِّ الذي سيطر على أوصالهما قرّر فطينُ إلغاء عرض الليلة، وقفلا راجعيْن إلى المنزل.
ظلّا صامتيْن ساعات، الحزن قد ألجم اللسانين فخرسا، لكن فطين القويّ ما وقف في حياته عاجزًا أبدًا، فبدّل كثافة الصمت القاتل بقول حازم: «ستسافر يا ولدي مهما كان الثمن، أعدك بذلك، ستسافر وربّ هذا الكون.»
وفور كلمته تلك رن جرس هاتفه، إنّه الطبيب مؤيد.
- «مرحبًا صديقي الطبيب.»
- «كيف حالك يا فطين؟»
- «الحمد لله.»
- «مبارك لولدك.»
- «الله يبارك فيك.»
- «كيف حال سركك ؟ سمعت أنّك تكسب كثيرًا .»
-«الحمد لله.»
- «نريد منك خدمة، انزلْ وقابلني.»
نظر إلى ابنه وربت على كتفيه مطمئنًا: «لا تستهن بأبيك؛ فأنا ما أعجزني شيء من قبل حتى أعجزُ الآن عن تحقيق حلم هو حلمي قبل أن يكون حلمك.»
نزل فطينُ لمقابلة مؤيد. قابله على مدخل المبنى المشرف على أعمال السيرك يستحثّه على الإسراع حيث إنّه تأخّر عن موعده المحدد حيث إنه ما تأخر قط.»
فقال فطين له: «اعتذرْ لهم عن تقديم عرض الليلة لأنّي مريض.»
فلمّا مضى خطوات للأمام رجعها مرّة أخرى ثمّ أخرج من جيبه خمسين دولارًا وقال له: «أعطها لمن لم يجد في صناديق القمامة طعامهم اليوم.» ثمّ استقلّ سيارة مؤيد ومضى.

***
حكمة:إذا أردتَ أنْ يصدّقَ الناس أكذوبتك فصدّقها أنت أولاً .
درع الإله
وفي مكانٍ خالٍ وقفت السيارة وكان في انتظارهما بروفيسور تكنولوجيا الفلك والفضاء -وهو منهم - نزلا وقابلاه ثمّ ارتجلوا ثلاثتهم.
قال فطين لمؤيد: «أأمرني صديقي، قلتَ تريد خدمة.»
قال مؤيد موجّهًا كلامه لفطين وهو يتأوه:«المقاومة داخل فلسطين وخارجها معرضة للخطر .»
ردّ فطين متحسرًا: «يا خبر أسود، كيف؟»
أجاب مؤيد: «تكنولوجيا الأقمار الصناعيّة لعنة الله عليها، جاءنا مِن أحد عيوننا وهو منّدس بينهم أنّ هناك أنباءً بامتلاك إسرائيل لقمرٍ صناعيّ -تصميم أمريكيّ- باستطاعته رؤية ما تحت القشرة الأرضيّة.»
- «كيف ذاك؟ كلُّ ما أعلمه أنّ عمليات الرصد والبحث ما هي إلّا مجموعة مِن أجهزة استشعار ومجموعة من أجهزة الزلازل وأدوات تنصّت كالميكروفون وأشياء من هذا القبيل .. الخ. كما أنّ الأقمار مِن خلال أجهزة الاستشعار الراديويّة تستطيع أن ترصد وسط الضباب، أمّا أنّها تخترق القشرة الأرضيّة فهذا مستحيل.»
نظر البروفيسور إلى فطين مندهشًا من عبقرية فطين وآثر الصمت.
قال مؤيد : «كلُّ أساليب رصدهم تحاشيناها في أنفاقنا الرئيسة التي تعتمد عليها المقاومة بشكل رئيس لأنّها أنفاق محصنة، أمّا غير المحصنة فسقط بعضها وهي أنفاق مهملة لأنّها مجرد مخازن نلقي فيها بعض متاعنا.»
قال فطين: «إذاً، جهّزوا باقي الأنفاق بالتكنولوجيا الحديثة وتنتهي المشكلة.»
- «ليست المشكلة في الأنفاق غير المجهّزة؛ إنّما المشكلة أنّ الأنفاق كلّها بلا استثناء قد تُدمّر؛ للأسف يا فطين حتى الأنفاق خارج فلسطين معرّضة للتدمّير الكامل أيضًا.»
- «كيف؟ الأنفاق داخل فلسطين كلام معقول؛ وإن كنتُ أأمل ألا يحدث ذلك، أمّا خارج فلسطين فكيف ؟ كيف؟»
- «معظمها في شمال شرق سيناء وجنوبها، ويعقوب إسحاق لا يدخر جهده لتدميرنا، وأنتَ تعلم أنّه استطاع أن يُمضي الاتفاقيّة الرباعيّة الآثمة؛ فتعرّضتْ أنفاقنا للخطر في شمال شرق سيناء. كما استطاع أن يأخذَ فندق هيلتون طابا فتعرضنا للخطر أيضًا في جنوبها، والآن يريد أن يعرّي كلّ الأنفاق بالقمر الصناعيّ الجديد، فيباد اتّحاد المقاومة عن آخره.»
- «لعلها حرب إعلاميّة يا دكتور.»
حدق البروفيسور فطين مرة أخرى، ثم طأطأ رأسه على كلمته الأخيرة وظلّ صامتًا أيضًا.
قال مؤيد: «لا لا، لو أعلنوه لقلتُ إنّها حربٌ نفسيّة، لكنهم يخفونه فيما بينهم حتى ينقضّوا علينا به.»
- «وهل تعلم كيف تخترقُ هذه الأقمار اللعينة؟»
أدار مؤيد كفَّ يده مشيرًا إلى البروفيسور قائلاً: «يجبْك عن هذا برفيسورنا الفضائيّ.»
أجاب البروفيسور: «رغم الرسالة التي وصلتنا فنحن كخبراء في تكنولوجيا الفضاء لم نستطعْ أن نصلَ إلى طريقة ما ولو نظريّة تمكّنهم من معرفة مكان نفق واحد تحت الأرض بوساطة قمرهم الصناعيّ الذي أخبرنا به أحد رجالنا.»
علق فطين على كلام البرفيسور: «لعلَّ أجسامنا التي تصدر الأشعة تحت الحمراء أو عمليتي الزفير والشهيق في جهازنا التنفسيّ تتسرب فوقنا مباشرة فترصدها مجسات قمرهم هذا.»
دهش البروفيسور مرّة أخرى من علم فطين بفيزياء الفضاء، قال له: «هذا مستبعدٌ يا حاج فطين لعدم تمكّن هذه المجسات من رصْد الأشعّة.»
قال فطين ضاحكًا: «إذن، ممكن لو لديهم كِلابًا مدرّبة تكتشفُ أماكن الألغام أو البارود، أقصد كلاب جان تستطيع أن تشمَّ على بعد عدة أمتار تحت الأرض، ممكن، ممكن.» ضحك فطين طويلاً ثم تابع كلامه ضاحكًا: «ممكن لو علقنا الكلب فوق القمر الصناعيّ وألبسناه بذلة فضائيّة ليعمل كمجس أو تلسكوب فيدور مع القمر ويمسح المناطق المحتمل وجود أنفاق فيها، عندئذ، عندئذٍ يكون كلب من كلاب الجان.» سكت فطين عن الضحك والكلام هنيهة ثم قذفه قائلاً: «بروفيسور، أظنّها حربًا إعلامية، فهم يريدون أن يرعبونا بطريق غير مباشر.»
وضح البروفيسور: «هي كذلك، لكن مؤيد يراها غير ذلك -يقولها وهو يشير إلى مؤيد- وإنّي مختلف معه، ولكن عندما يتعلق الأمر بكيان دولة علينا أن نضع كلَّ الاحتمالات في الحسبان.»
قال فطين:«ما الحل؟»
قال البروفيسور: «الروس.»
قال مؤيد: «الرصاص.»
قال فطين مستفهمًا: «الروس؟ الرصاص؟»
قال البروفيسور: «للأسف لدينا خياران.الأول، الأخذ برأي الروس وشِراء جهازهم الذي لديهم لتجنّب الخطر، والآخر، إحاطة الأنفاق بطبقات مضاعفة من الرصاص.»
قال فطين: «وماذا قرّرتم؟»
أجاب البروفيسور: «إحاطة الأنفاق بطبقات سميكة مِن الرصاص لن يفي بالغرض حال الهجوم، وليس لدينا إلّا اللجوء إلى الروس فيما أشاروا إلينا به، لكنّه خيار مكلّف جدًا جدًا.»
قال فطين: «وهل يعرف الروس طبيعة هذا القمر ليبعونكم هذا الخيار المكلّف؟»
ردّ البروفيسور: «لا، لكنّهم يقولون كلّ شيء جائز، و يقولون مهما كان مِن أمره فإنّ جهازهم قادر على خلْق ستارة ثلاثية قادرة على إذابة كل ما يرتطم بها، وزادوا، العيب الوحيد في الستارة أنّها لا تقوم بعمل تشويش ضد أيّ أجهزة كشف.»
ردَّ فطين: «آه، يقصدون عند كشْفهم وضرْبهم بأيّ سلاح لا يفلحون، لعلّ الروس اخترعوا حقل القوى المتَكَلم عنه في روايات الخيال العلميّ.»
تعجّبَ البروفيسورُ ونظرَ إلى مؤيد وكأنه يقول له: «انظر إلى عبقرية رجلكَ.» ثم قال موجهًا كلامه لفطين: «هو كذلك بالفعل، يقولون إنّ جهازهم قادر على إذابة الصواريخ وحزم الليزر.»
ردَّ فطين: «وضّح كلامك أستاذنا الكبير، أنت تقصد الجهاز الذي يصنع حقل القوى.»
نظر البروفيسورُ في الأرض خجلاً لعدم دقة كلامه وقال: «أنا كنت ضمن المبعوثين إليهم من قبل اتحاد المقاومة لسماع فكرتهم ومدى جدواها والمطلوب في سعره، وأراها لا بأس بها.»
قال فطينُ وهو ينظر إلى مؤيد: «وما دوري أنا، إبداء رأى أمْ م م..؟»
أجاب مؤيد: «لقد قرّرَ الاتحاد الاستعانة بالجهاز لصنْع حقل القوة ونحتاج إلى المال، وأنت مِن أحد الذين قصدناهم.»
قال فطين وهو يحدق في مؤيد: «أنا؟! من أين آتي المال؟» ثمّ نظر إلى البروفيسور قائلاً: «ألَا تستطيعون صُنْع هذا الجهاز ؟»
أجاب البروفيسور: «حاولنا فلمْ نستطعْ، أحضرنا كلَّ خامات حقل القوّة ومزجناهم معًا أكثر مِن مئة مرّة ثمّ ضربناها بطلقة رصاص فاخترقتها، واضح يا فطين أنّ الجهاز يعمل على مزجهم بطريقة وبنسب معينة حتى يعمل حقل القوّة على أكمل وجه.»
علق فطين: «إذن لا مفرَّ، تريدون المال للشراء.» ثمّ وجّه كلامه إلى مؤيد مباشرة: «أنا لا أملك مالاً؛ إن أردتم أخذ الشقة التي تأويني وولدي فلا مانع لديّ.»
ردَّ مؤيد بجموح وهو يحدّق بعينيه في وجه فطين: «السحر، السحر، ألعابك السحريّة، أخبرتْنا عيوننا أنَّ عدد مشاهدينك يتزايد بصورة مخيفة، وأنّ الحيَّ والأحياء المجاورة مفتونون بك، ولو طلبتَ أيَّ سعْر للتذكرة فمنَ الممكن على مدار شهر تحصل على المال الكثير.»
قال فطين: «مستحيل، هم حُفاة عُراة يسكنون جحور النمل، مستحيل.» صمت يأسًا وتدبّر الأمر بعمق ثمّ قال: «لو افترضتُ أنّى فعلتُ ما قلتَ فماذا، فماذا ينفع الحجر الواحد إذا أردنا أن نبني به برجًا كبيرًا.»
قال مؤيد: «عندما يحمل كلٌ منا حجر نستطيع أنْ نبنيه يا فطين.»
صمت فطين هنيهة، وتذكّر وعده لابنه المسكين بشأن سفره، ثمّ همس في نفسه: «والآن العروبة تناديني، فأيّهما أولى؟»
وقت أن همس فطين هذه الكلمة كان فهمان نائمًا في المنزل، فوقع عليه من سقف الحجرة حبال ثلاثة كان يستخدمها أبوه في بعض أعماله، الأول وقع على عنقه، والثاني على يديه، والثالث على قدميه، ثمّ أزاحتهم عواصف شديدة آتية من شرفة الحجرة؛ فالتفّتْ لتوثقه ولكنّها لم تنل منه.
وجّه فطين كلامه إلى مؤيد بعدما استوقفه وهو سائر وأمسك بمنكبيْه: «وأنا قررّتُ أنْ أحملَ ألف ألف حجْر إليكم.»
فأمسكَ مؤيد منكبيّ فطين قائلا: «مصر فيها رجال، طول عمرها فيها رجّالة.»
نظر فطين إلى البروفيسور وقال: «أخبرني ما طلبات الروس ليبعونا جهاز حقل القوة هذا ؟»
قال البروفيسور: «يجب عليك معرفة ماهيته أولاً قبل سعره يا حاج فطين.»
قال فطين موجهًا كلامه للبرفيسور: «حقل القوّة حاجز نحيف غير مرئي لا يخترق، يحرف أشعة الليزر ويذيب الصواريخ، وأيضًا يصدَّ الأعاصير والعواصف ويجرف الطوفان.»
حملق البروفيسور في فطين وتعجب أكثر من شأنه، قال: «إنّ الروس يسمونه "الدرع الإله"و ..»
قاطعه فطينُ بحدّة مشوبة بالامتعاض: «استغفر الله، استغفر الله ليس كمثله شيء.»
بروفيسور متابعًا كلامه: «درع الإله ما هو إلّا ثلاث طبقات، الأولى نافذة بلازما مسخنة إلى درجة حرارة عالية جدًا تصهر المعادن، والطبقة الثانية ستارة من أشعة ليزريّة ذات طاقة ضخمة تسخّن أيّ شيء يمرُّ من خلالها وتبخّره سواء كانت صواريخ أو مدافع، والطبقة الثالثة عبارة عن شاشة مصنوعة من أنابيب كربونيّة نانونيّة أقوى مِن الفولاذ بعدّة مرات، وبهذه الطبقات الثلاث استطاع الروس صنْع "الدرع الإله الذي لا يخترق".»
قال فطين: «سوف يصلكم المال.»
نظر إلى مؤيد: «كلُّ يومٍ مُرْ علي، خذ ما اتحصّلُ عليه مِن مال.»
قال مؤيد: «فطين أنت معك جهاز لمْ نخبرك به.»
قال فطين: «ليس معي شيئًا.»
قال مؤيد له: «ألمْ تشعر مطلقًا أنّ عقلك تطوّر في الإدراك والفهم والذاكرة و ..الخ.»
ردّ فطين: «أشعر طبعًا وقلت في نفسي إنّ الفلسطينيّ كان عبقريّة مِن عبقريات الزمن.»
ردّ مؤيد:«لا لا، معك خليّة إلكترونيّة قام بروفيسور بيتر بتركيبها في رأسك لتعمل بجانب الخلية الطبيعيّة لأّنا كنّا نودُّ الوقوف بجانبك لتستطيع الإنفاق على ولدك، وأنا كنتُ أتعشّم يومًا أن تنضمَّ إلينا فتكون عندئذٍ فرْد مقاومة خارق. المهم، جاء دورها الآن، ركّزْ تركيزًا شديدًا سوف تُفعّل مباشرة، ركّزْ على ألعابك السحريّة وسوف تأتي بالخوارق بالفعل، ارفعْ التذكرة وقمْ بعمل الدعاية سوف تحصد مالاً كثيرًا، استغلها وسوف يأتونك أصحاب الملايين.»
تذكّرْ عندها فطين يوم أنّ تعرّضَ أهل الحيِّ لولده، فقد نظر إلى عصيّهم فتساقطتْ.
عاجله مؤيد بكلمة يمتصُّ بها وقْْع المفاجأة عليه ويستحثّ وطنيته ونبله: «فطين، رُضّع فلسطين ونسائها وشيوخها يلوذون بك فغثهم.»
رغم دهشة فطين بشأن الرقاقة إلَا أنّه بدأ كلامه قائلاً: «روحي فداء لهم.»
ثمّ تابع كلامه بحدة وسرعة كالقذائف: «لكنّكم لمْ تشاوروني في أمر الخليّة، كما أنّكم أضمرْتم الأمر ولمْ تصارحوني بِه وهذا أغضبني.»
نظر إليه البروفيسور ليهدّئ من روْعِه وقال له: «ِلمَ الغضب؟ الخليّة ليس لها أيّ تأثيرات سلبيّة على عقلك، بل العكس هي تزيدك ذكاءً وفكرًا.» صمت فطين بعد تنهيدة طويلة وسكت ولم ينبس بكلمة وإنما علت وجهه ابتسامة عريضة.
وعندما شعر مؤيد برضا فطين نظر إليه مبتسمًا: «لنرحل إذن.»







 
رد مع اقتباس
قديم 26-02-2024, 10:20 AM   رقم المشاركة : 15
معلومات العضو
ابراهيم امين مؤمن
أقلامي
 
إحصائية العضو







ابراهيم امين مؤمن غير متصل


افتراضي رد: رواية قنابل الثقوب السوداء - أبواق إسرافيل "الرواية المشاركة في كتارا 2019-2020

حكمة: العلم مع ضمير حيّ معيار حضارة عريقة
الحركة بتأثير الدماغ
عاد فطين إلى البيت مثقلاً بالأعباء والهموم، لا يدري كيف يواجه ولده بمسألة تأخير سفره إلى أجلٍ غير مسمى.
دخل حجرته فوجد الحبال الثلاثة؛ فأزاحهم ثمّ قطّعهم وقال: «لا انهزام، لا انكسار، لا قضبان.» ثمّ أقبل على ابنه وفرد جسده ليتحرّر. جلس بجانبه بينما فهمان ما زال نائمًا. تذكّر كلمات مؤيد الأخيرة: «ركّزْ تركيزًا شديدًا سوف تُفعّل مباشرة، ركّزْ على ألعابك السحريّة وسوف تأتي بالخوارق بالفعل، ارفعْ التذكرة وقمْ بعمل الدعاية سوف تحصد مالاً كثيرًا.» ظل يكررها في نفسه حتى رنّ الهاتف، إنّه مؤيد.
حذّره عبْر الهاتف قائلاً: «البروفيسور يسلّمُ عليك ويقولُ لك: ركّزْ وتخيّلْ أنك تنقل الأشياء وهي سوف تنتقل مباشرة، وما دام التركيز مستمر ستظلُّ في حراك متواصل، وعند زوال التركيز يزول تأثير الحركة فيها، وإيّاك أن ترهقها؛ فالبروفيسور قال لو أكثرتَ مِن التركيز فستتلف عقلك وستتلف أيضًا الخليّة.»
قال فطين: «يجب علي الحذر إذن، عُلم.»
ظلَّ فطين يفكر في الأمر كثيرًا، واهتدى لفكرة مبتكرة تعتمد على الحاسوب العصبي برأسه، وقرر تنفيذها من الغد.
نزل بعض المحلات التي تبيع الأدوات السحريّة واشترى مستلزمات اللعبة السحريّة الجديدة، وعزم على عمل ألعاب تتحرك بفعل خليته الصناعيّة، وهمس لنفسه بها قائلاً: «وليكن اسمها، الحركة المعلقة.»
عاد إلى المنزل وأغلق عليه باب حجرته ليعد ترتيبات التجربة، وكلما قام بتجربتها تفشل في كل مرة، شغّلَ الكمبيوتر وفتح بعض الكتب علها تعاونه في أداء تجربته بنجاح، وبعد بحثٍ مضنٍ وعمْل التجربة مرات عديدة نجحتْ بامتياز. عندئذ، انتفضَّ مِن مكانه فرِحًا مُهللاً.
اليوم التالي أرسل منسقو ألعابه إلى أهل الحيَّ وأخبروهم باللعبة الجديدة، ونادوا في الأحياء المجاورة بأنّ الساحر فطين سوف يعلّق الأشياء ويجعلها تثبتُ ضد الجاذبية الأرضيّة، وأنّ سعر التذكرة ستتضاعف في هذه التجربة إلى مائة ضعْف.
فور أن سمع فهمان تلك الأخبار صُعق، وشعر بالذنب، ولكنّه آثر الصمت حتى حين. والملاحظ أنّ هذه الزيادة دفعت الناسَ إلى الفضول؛ ممّا زاد عددهم وتتابعوا حتى افترشوا الشوارع، انفضَّ عنه كلّ الفقراء وخاصة ممن يأكلون من صناديق القمامة.
تتابع كلّ الناس غير الفقراء لمشاهدة العرض، وممن حضر، الأغنياء، وتيارات إسلاميّة متطرفة، وأعضاء في حركة مذهب التنوير، وشخصيات سياسية، وأفراد من الأمن القومي المصريّ، وبعض وسائل الإعلام.
وأخيرًا قربت ساعة الصفر؛ فانطلقَ فطين مِن منزله يصاحبه ولده حاملاً حقيبة العمل.
فلما وصلَ السيرك هاله المشهد، تفحّصَ المشاهدين وأيقن أن الجُحر الذي يعيش فيه هو وابنه سوف يكون أمام مرمى سمْع وبصر البلد كلّها؛ فارتاع لهذا كثيرًا وانقبض قلبه.
وبدأ العمل، ناوله فهمان بعض أدوات التجربة فأمسكها وطرحها على الطاولة مستاءً وقال له: «انتظر يا ولدي.» ثمّ نادى على أحد المنسّقين: «أين أهل الحيّ ؟ أين أصحاب جحور النمل؟»
سمعها فهمان فانفرجت أساريره وزفر زفرة طويلة كأنّ ثقلاً رُفع من على قلبه الآن.
فأجاب المنسق: «يفترشون الشوارع المجاورة، ويلتحفون بأغطية الحزن والعزل والحرمان.»
ترك فطين المكان غير مكترث للحاضرين وذهب إليهم، وفور وصوله سمع قولاً لأحد الأطفال لأبيه: «أبي، هو عمو فطين طردنا ؟»
فهرع إليه فطين وحدق فيه دامعًا، فبادله الطفل بدموعه التي تنزل على شفتيه المشققتين، ثم تأخذ في الانهمار حتى لامست ثوبه المرقع.
نادى فطين عليهم جميعًا: «إخوتي وأبنائي، لن يرقد فطين مرقده اليوم حتى تروا جميعًا عرض الليلة، والتذكرة سنضاعفها مرّة واحدة.» فهلّلوا جميعًا له.
قفل راجعًا، وقف أمام الطاولة وقال: «نبدأ باسم الله، وتوكلتُ على الله.»
ألقى على الطاولة بعضًا مِن قطع المعادن ذات حجم كفِّ اليدِّ (هي في الأصل مغانط) ثمّ ألقى على بُعد 60 سم تقريبًا سائلاً متجمّدًا (في الأصل زئبق متجمد بالهيليوم).
قام بالتركيز على السائل، حرّك يده اليمنى جهته كأنّما يستنهضه، بدأ وجهه يرتعشُ بشدة، حتى جلد وجهه يرتعش خفضًا ورفعًا وما زكى الرعشةَ إلّا قوّة التركيز الخارق.
عندها بدأ السائل المتجمد يتحرك كأنّما يدفعه تيارُ هواء شديد جدًا، وكلُّ المشاهدين ينظرون في حالة ترقّب فاغري الأفواه، ترقْب يكاد تنخلع له القلوب.
ارتفع السائل إلى أعلى حتى اعتلى المعدنَ بالقفز، وهكذا غدا السائل معلقًا في الهواء دون تدخل أيّ قوّة خارجيّة.
بلغت الدهشة من المشاهدين مبلغًا عظيمًا، فصمتوا هنيهة ثمّ هبّوا بأهازيج كادتْ تخلع جدران المكان.
أسكتهم فطين ليكمل تجاربه.
ناوله فهمان سوائل متجمدة أخرى على أشكال مختلفة، منها سائل شُكّل على هيئة رجل عربيّ يمتطي فرسًا ويحمل سيفًا فقال فطين:«هذه ملحمة الناصر صلاح الدين.» ناوله عربيّ آخر يحمل جناحي صقر جريح ويمتطي حصانًا أعرجًا فقال فطين: «وهذه سمفونيّة:سوف تنهض يا وطني.»
وانقبضت أسارير فهمان من جديد عندما حلّل التجربة بداخله فوجد فيها تدليسًا وغشًّاً.
انتهى العرضُ والناس في حالة تصفيق حادٍّ وأهازيج كالرعد. بعدها توافد على المكان المنتظرون في الشوارع المجاورة، أخذ1 كل منهم مجلسًا، وفعل فطين نفس التجارب هي هي.
بعد ذلك مضيا إلى البيت وفطين يقول لابنه: «سأضع هذه الحقيبة في المصرف -يقصد مال التجارب-»
قال فهمان بصوت حزين: «أبتِ لا أريد السفر، أنا أحبُّ بلدي يكفيني بلدي.»
نظر إليه فطين بغرابة شديدة لم ينبس بكلمة؛ بل مضى مسرعًا إلى الخارج بلهفةٍ، وبمجرد أن اختلى بمكان هاتفَ مؤيدًا ليدعوه لأخذ المال.
عاد فطين إلى البيت فوجد ابنه يبكي بحدّة، فسأله دهشًا: «ما بكَ يا ولدي؟ ما الذي أصابك؟»
- «لا أريد السفر كما قلتُ لك.»
- «لم يا ولدي؟ ما الذي غيرك؟»
- «أنت.»
- «أنا؟ ألمْ ننه مسألة سفرك؟»
- «بمال حلال ، بمال حلال يا أبتِ.»
- «ومَنْ قال لك يا ولدي أنّي سأسفّرك بمال حرام؟!»
- «المال الذي يأتي بالكذب على الناس واستلاب أموالهم وهم في حاجة إليّه هو مال حرام، لمّا فطين المصريّ مَثل الشرف والوطنيّة الآن كاذبٌ وغاشٌ يكون المال حرام.»
لطمه لطمة شديدة سقط على إثرها على الأرض، ثم قال له على الفور: «اسكتْ اسكتْ، أنت غبي لا تعلم شيئًا.» ثمّ رفع من حدة صوته وقال: «لمّا الناس تدفع ضرائب لأجل المحافظة على هويّتهم وأعراضهم يكون هذا عارًا؟!»
وأخذ فطين يكررها أكثر من مرة. ثمّ خفّض مِن حِدّة صوته -قد كان واقفًا فقعد- وقال بتأوه: «ربيتك على الأمانة والشرف والآن تقول أنّي كاذب وغاش !كيف؟ كيف يا ولدي كيف؟»
هبَّ فهمان واقفًا ودموعه قد خالطها الدم المنهمر من وجهه قائلاً بثقة ويقين: «ضاعفت تذكرتهم، وكذبت عليهم.» سكت هنيهة ثمّ فصّل: «ضاعفتْ تذكرتهم وهم لا يجدون قوت يومهم، وكذبتَ عليهم أيضًا، قلتَ لهم أنّك حرّكتَ الأشياءَ وعلقتها في الهواء، في حين أنّكَ استخدمتَ الخواص الفيزيائيّة للأشياء لحملها ولكن لا ، لا، لا أدري كيف قرّبتَ السائل المجمّد، أنت تضلل الناس يا أبتِ.»
ردَّ فطين دهشًا: «اشرحْ لي يا ولدي استنتاجك، اشرحْ.» وفطين يمسح في دموع ابنه المختلطة بدماء أنفه وشفتيه ويأخذ بيده ليقعده وهو يردد أثناء كل أفعاله هذه: «بيّن لي، بيّن لي، اشرحْ.»
بدأ فهمان يشرح لأبيه استنتاجه متهدّج الصوت مهزوم النفس متحسّر القلب: «السائل المتجمد زئبق في غاز الهيليوم، الزئبق مادة فائقة الموصليّة لا يعمل عند درجة حرارة الغرفة؛ لذلك أحطته بغاز الهيليوم البارد جدًا لتنهار مقاومته تمامًا.»
ارتعشت يدا فطين؛ فقد ظنّ أن ابنه تجسس عليه بالأمس أثناء القيام باختبارات التجربة فسأله: «كيف عرفتَ أنّ هذا زئبق وهذا هيليوم؟»
- «من نتائج اللعبة، فالمعدن يا أبتِ لم يكنْ معدنًا عاديًا بل مغناطيسًا كهربائيّاً. الحقل المغناطيسيُّ المتولّد مِن المغناطيس حرّض التيارات الكهربائيّة على سطح الزئبق ممّا نتج عنه حقول مغناطيسيّة معاكسة تنتج من التيارات المحرّضة. تلك الحقول الجديدة فيه تسبّبتْ في تحريكه ليصبح معلقًا في الهواء.والحقول المغناطيسيّة غير مرئيّة. أمّا تقريب الزئبق حتى يعتلي فلا أجد لها تفسيرًا، كيف قرّبته لتحدث عملية الرفع، لا يمكن فِعل هذا إلّا مِن خلال خليّة عصبيّة مرتبطة بالدماغ وأنت لا تمتلك هذه يا أبتِ، مَن حرّكه ليعتلي يا أبتِ؟ مَن حرّكه ؟ أتخاوي الجِنّ يا أبتِ؟»
بمجرد انتهاء كلامه اِحتضنه أبوه بقوّة وحرارة والدموع تنهمر من عينيه، ثمّ ربت على ظهره حامدًا شاكرًا الله على عطائه المتمثل في ابنٍ جمع بين العلم والضمير الحيِّ.
ثمّ أبعده مِن حضنه ليرى وجهه ويمسح دمعه وهو ما زال ينتفض من البكاء وقال: «ستصبح يا ولدي حجّة على أهل العلم جميعًا، قمْ يا ولدي، اغسلْ وجهك وثقْ في أبيك، واعلم أنّي أخذت مالاً لأُحيي أمّة، أحيي العروبة.»
- «إذن فهمني.»
- «الأمر ليس بيدي ولا أملك قرار البوح بهذا السرِّ العظيم، لكنْ قرَّ عينًا يا ولدي وثقْ في أبيك، ولا تنسَ أنّي قلتُ للناس أنّي اعتمد على خواص المواد لتقديم هذه الألعاب، أي أنّي لم أغش يا بني.»
لم يرتح فهمان على الرغم من قناعته بمبرر أبيه المجهول.
ابتسم فطين، ثمّ خلع لاسته ووضعها على رأس ابنه ثمّ قال: «هذا تاج العلم.»
فضحكا معًا.
وكلُّ عدّة أيامٍ تأتي سيّارةُ الطبيبِ مؤيد تأخذُ ملايين الأموال. وتتابعتْ الأيامُ تنوّعتْ فيها ألعاب فطينِ السحريّةِ، وبدأ الناسُ يأتون مِن المحافظات؛ فقام المنسّقون بتهيئة الشارع الرئيس لعروضه، وذاع صيتُه حتى وصل إلى أمنِ الدولةِ المصريّةِ وسوف يترتبُ على ذلك كارثة ستحلّ به قريبّا.
بعد قرابةِ شهرٍ..موسكو.
وفْدٌ سرِّي مِن اتحاد المقاومة سافر إلى موسكو بعد إعداد مال الصفقة، حضرَ ليعاين حقول القوّة ويبرمُ الاتفاق.
وزارةُ الدفاعِ الروسيِّ أتوا بالخلطة ثمّ وضعوها في جهازهم فاستخرجت حقل القوة المكوّن من النوافذ البلازميّة والستائر الليزريّة والشاشات النانونيّة ثمّ نصبوه. ومن مركزِ إطلاقِ الصواريخِ أطلقوا صاروخًا عليه فاصطدم بالحقل وأحدث رجّة عنيفة جدًا أشبه بالزلزال ثُمّ وقع منصهرًا. ثمّ أطلقوا صاروخين معًا فاصطدما به ووقعا منصهرين على الأرض. ثمّ لجئوا هذه المرة لتسليط حزمَ الليزرِ عليه فلمْ تُحدث فيه أي ثقب، كما لمْ تُسبّبْ له أيّ انصهار، وقد كان أمر حزم الليزر خدعة لم ينتبه إليها فيزيائيو الاتحاد.
انطلقوا جميعًا إلى المختبر لإتمام الصفقة حيث أخذ الروسُ المالَ وأعطوهم الجهاز.
تمَّ شحنَ الجهاز إلى مصرِ مِن ضمن أجهزة استيراد مِن الخارج ولمْ يعلم الجمرك بالطبع ما بها.
اتّصلَ فطينُ كعادته بعد أوّل كلِّ عرض ليبلّغَ مؤيّدًا بتوريد حقيبة جديدة مِن المال فأجابه أنَّ اتحاد المقاومة أنجزَ المهمةَ وجارٍ العمل لتصفّحِ الأنفاقِِ الرئيسةِ بحقولِ القوى.
حمدَ اللهَ بعدما اطمانَّ عليهم، ثمّ شردَ كثيرًا وقرّرَ أنْ يُسفّرَ ولدَه فهمانَ بهذه الحقيبة، ويخفّضُ التذكرةَ مِن جديدٍ إلى عهدها الأوّلِ.وبالفعل، تمَّ الشروعُ في التنفيذ وإعداد أوراقِ سفر فهمان.
في داخل الاتحاد، وُضِعَ الجهازُ أمام مجموعة مِن بروفيسوراتهم، قاموا بفحصه وتحليله بطريقتِهم، وبعد مرورِ ستّةِ أشْهرٍ مِن الفحص والتحليل استطاعوا أنْ يصلوا لسرّ صنعِه بعدها مباشرة، صنعوه عمليًا بنجاح منقطع النظير (كان فهمان في نهاية هذه الفترة في بيركلي، فيما بعد).






الجزء العاشر
اتّجه فطينُ إلى أحد المصارف ووضع حقيبة آخر عرض باسم ابنه. عاد فطينُ بعد ذلك إلى المنزل مباشرة فوجد فهمان مغتبطًا،
فسأله عن مصدر سعادته.
فأجابه: «بسبب خفْض تذكرة الدخول.»
ردّ فطينُ بعد أنْ زفرَ زفّرةً طويلةً كأنّما جبل كان جاثمًا على صدره قائلاً: «شدة وزالتْ يا ولدي.» همس لحظة ثم أخبره بشأن الحقيبة وبعدها سأله: «ماذا اخترتَ؟»
أجابه بإباء: «أريد الحصول على بكاليوريوس في العلوم الفيزيائيّة، وقدْ حددتُ لكَ المطلوب مِن الإجراءات كي ألتحقَ بالجامعة هناك.»
- «أيّ جامعة اخترت؟»
- «جامعة بيركلي بكاليفورنيا.»
- «ألم تكن هذه الجامعة التي حفظها الله من البركان بمعجزة؟»
- «بلى يا أبتِ حفظك الله ورعاكَ.»
صمت فطين متأملًا في ابنه وتفرّس شيئًا قاله في نفسه: «لعلّ الله حفظها من أجلك يا ولدي.» سكت هنيهة ثمّ سأله: «متى تنوي السفر؟»
- «بمجرد الانتهاء من الأوراق اللازمة سأسافر فورًا، خلال ستة أشهر على الأكثر أكون في بيركلي إن شاء الله.»
- «تمام، أعدّ أوراق سفرك وتوكّلْ على الله.»
- «أعددتها أبتِ، وبمجرد الموافقة على ابتعاثي وحصولي على خطابِ قبول جامعة كاليفورنيا وحصولي على نموذج i-20 المسمى بشهادة التأهيل الصادر منها عبر البريد السريع سأحصلُ على تأشيرة الدخول إلى الولايات المتحدة مباشرة f-1 مِن القنصليّة الأمريكيّة بالقاهرة، وبعدها أعدُّ حقائبَ السفر مودِعًا.» لجلج فحصر لسانه وأطرق رأسه ثم أكمل: «إيّاك يا أبتِ.»
- «وما المسار بالضبط حال نزولك أرض الأمريكان؟»
- «سأتصل بالملحقيّة المصريّة بواشنطن، وبعدها اتّجه مباشرة إلى كاليفورنيا جامعة بيركلي، وهناك سيأخذوني إلى حجرتي بالسكن الجامعيّ الخاص بها.»
- «كيف؟ ألَا تحتاج إلى إبرام عقد خاص بالسكن الجامعيّ؟ أمْ ستنزل في غرفة إيجار خاصة أولاً؟»
- «أنا أحجز مِن مصر أبتِ، وعندما أذهب إلى هناك أكون على علم بمنزلي الجامعيِّ لديهم.»
- «الحمد لله، يطيبُ المنزل إن شاء الله.»
أعدَّ فهمان أوراق سفره استعدادًا للرحيل في الصباح، والآن الليل هو محطة انتظار لحين فلْق الحبّة.
هاتف فطينُ الطبيبَ مؤيدًا ليأتيه على وجه السرعة، فلمّا أتاه أخبره أنّ فهمان سيسافر في الفجر متّجهًا إلى أمريكا مِن أجل استكمال دراسته. فدعى له مؤيد بالتوفيق.
بوجّهٍ كالحٍ قال فطين: «صديقي الحميم، لمْ يكن لفهمان أحدٌ غير الله وإياي، ولو حدث لي شيئًا فسيضيع، ولن يستطيع استكمال دراسته بالخارج.»
ردَّ مؤيد مطمئنًا: «فطين الإشارة خضراء على الدوام مِن اتحاد المقاومة للسير إليك والوقوف بجانبك وتلبية كلَّ رغباتك مهما كان الثمن.»
صمت فطين لحظات وفجأة أجهش بالبكاء، وظلَّ يبكي حتى وصل إلى حدِّ الخنين، وبدأ صوت خنينه يرتفع مع رعدة تصيب جسده، وفهمان يسمع صوت نحيب أبيه من داخل غرفته فيبكي، ويزداد بكاءً ببكاء أبيه.
خرج فهمانُ مسرعًا من غرفته واقتحم المجلس، ثمّ احتضن أبيه بحرارة قائلا بصوت متهدّج من بكاء متواصل: «لن أسافر، لن أسافر أبتِ، لن أتركك.»
أبعده فطين عن حضنه قليلاً ليمسح دموع عينيه، وربت بعدها على شعره وقال: «لابدَّ أن تسافر بني، مصر في حاجة إليكَ، لابدَّ أن نضحّي مِن أجل تراب بلدنا، سافرْ، سافر، وإن أردتَ أن تخفّفَ عنّي ما أجده فكنْ عند حسن ظنّي بك، وأرني وهذا العالم من هو فهمان فطين المصريّ.»
بكى مؤيد لهذا المشهد الساخن المفعم بالحرارة، أشدّ ما تأثّر به مؤيد هو كلمة فطين لولده: «لابدّ أن نضحّي من أجل تراب بلدنا.»
نظرَ مؤيد إلى فطين وقال له متأثرًا: «اطمئنْ تمامًا ولا تخشَ فنحن أيضًا أهله، ألم ترَ رأسك؟ ألم تدرِِ أنَّ الدّم المصريّّ والفلسطينيّ دمٌّ واحدٌ ؟! توكّلْ على الله وسفّر ابنك واعلمْ أنّي أتكلم ب ب ب.» توقف عن الكلام واقتربَ من أذنه وهمسَ له: «ب بلسان اتحاد المقاومة.» ثم رحل فورًا.
نظر فطين لولده وقال مستسلمًا: «سافرْ وتعلّمْ واخدمْ وطنك، سيأتي يومٌ يا ولدي وستحتاج مصر إليك، هذا اليوم ستجد فيه من يحمل هذا البلد ويقيم دعائم العدل فيها، ويستعين بك وبالعلماء للعودة مجددًا إلى القمّة التي فقدناها منذ قرون، سنتقلّد القممَ يومًا، ونطفو مِن لُجج البحار طفْو النجاة؛ لا طفو الغرقى كما هو الحال اليوم، فطفونا طفو المنافقين.» وخلدا إلى فراشهما.
لمْ ينما، كانت ساعات الانتظار تحرقُ الأكباد قبل القلوب، حتى جاءتْ لحظة الخلاص، رغم أنها الضربة القاضيّة إلَا أنّها سوف تريح القلوب والأكباد من جلدات الانتظار.
أذّن الفجر مُرسلاً بين ثناياه رُسلَ الرحيل، وتنفّسَ الصبّح لهيبًا في قلبيهما، وأرسل سطوعه أضواءً تضيء لفهمان دروب الرحيل.
حمل فطين حقائب ابنه واستقلّا سيارة قاصدين المطار، وهنا تكلمت لغة العيون وخرست الألسن، ولغة العيون حروف من الدموع تسقط شلالات ماء. على أبواب المطار سقطتْ لاسته؛ فشعر أنّ رأسه قُطع مرّة أخرى، وفقدَ عصاه التي يتوكأُ عليها؛ فشعر عندها وما كذبه قلبه قبل ذلك بأنّه الوداع الأخير.
قال فهمان بعينيه: «سأفتقدك يا أبتِ.»
ردّ فطين بعينيه: «وأنا كذلك يا ولدي، يحفظك الله من كلِّ شياطين الأنس والجنّ.»
وحلقت الطائرة في الجوّ، وفطين يرمقها بعينين زائغتين.
وفور ولوجَ فطين الحيّ قابله أحد الأهالي وسأله عن لاسته المزركشة، تحسّس فطين رأسه فوجده حاسرًا، ثمّ عاود السائل وسأله عن عصاه، فنظر في كلتا يديه وتذكّر أنّه فقدها في المطار. تركه فطين ولم يجبْه بشيء، ولجَ حجرة ولده يرفلُ في ثيابه فأمسكها مسمارٌ في الباب فمزّقها. تسارعتْ دقّات قلبه حتى أغلقتْ أنفاسه كأنّه في حشرجة النزع الأخير من الموت، رقد ساعات فتململَ كالمريض.
تحامل على نفسه وقام ليطفئ نار الفراق بصبّ الماء على أعضاء جسده، فتوضأ وصلّى ودعا الله أن يثبّته على هذا الأمر الذي لا طاقة له به. ثمّ رقد في مصلّاه وظلّ نائماً أكثر من اثني عشر ساعة.

****
غرفة ببيركلي تتوّج جبين الجامعة شرفًا وعزّة إلى الأبد
بمجرد هبوط الطائرة توجّه فهمان إلى إدارة الهجرة والجوازات بالمطار بأوراق الالتحاق وتأشيرة الدخول إلى مسئول الجمارك وحمايّة الحدود ليختم له تاريخ الدخول إلى الولايات المتحدة الأمريكيّة. اتصل فهمان بالملحقيّة الثقافيّة المصريّة في واشنطن لتسوية الشئون الماليّة الخاصة بدراسته ومعرفة كلِّ الأمور المتعلقة بوحدات الدراسة، وكذلك لمعرفة الأمور الخاصة بالمدينة السكنيّة التي سيقيم بها.
بعدها ركب إحدى السيّارات الهجينة إلى كاليفورنيا قاصدًا جامعة بيركلي، وبمجرد نزوله أرض الجامعة اصطحبه أحدُ إداري الجامعة إلى سكنه بالمدينة الجامعيّة الخاصة بها -كانت المدن الجامعيّة في أمريكا مخفّضة نسبيًا في العقود السالفة، ومع توافد الكثير مِن الطلبة إلى جامعات أمريكا وتزاحُم ولاياتها إلى حدٍّ أصبح مِن غير المعقول قبول أجناس عربيّة أو أسيويّة، بدا هذا الدعم النسبيِّ يقلُ تدريجيًا حتى انعدم تقريبًا، حتى أنّنا لا نكاد نرى فرْقًا كبيرًا بين تكاليف منزل في فندق كبير وغرفة في المدينة الجامعيّة- وكانت حجرة فهمان التي اتّفقَ عليها مُسبقًا مِن مصر فسيحة نسبيًا، تحتوي على سريرين، ونظرًا للتكاليف السكنيّة الباهظة آنذاك؛ فقد آثر أن تكون مشتركة لرفع نصف التكاليف عن أبيه. وهناك قابل جاك الذي كان له السبق في حجز الغرفة.
وما إن نظرَ إليه حتى شعر بشيء يربطه به، شيء يصله به أشبه بحبل المشيمة السري، فصافحه مغتبطًا (فهمان لا يعلم أنه فتى البركان الملثم).
وفى اللحظة التي صافح فيها فهمانُ جاكَ كان أبوه ما زال نائمًا في مصلّاه لم يستيقظ بعد، انفرجت أساريره وهو نائم.
صافحه فهمان وتعمّد ارتطام يده بيده بقوّة أثناء المصافحة، اكتنفه الذهول فقد شعر ببرد يده في قلبه. شعر بقوة قبضة يد جاك وهكذا كان أبوه، لمْ يلحظ أيّ اهتزازٍ في جسده فهو ثابت كالمسمار وهكذا كان أبوه. ابتسامته عريضة صادقة وهكذا كان أبوه، فتمنّى عندئذ أن يكون هذا الفتى كلّ أهله بعد أبيه. لمْ يتركْ فهمان هذا الشعور الرائع يمرُّ عليه مرَّ الكرام، حدّق فيه، تفحّصه بنظرة عميقة، وأوغل في نفسه يريد أن يتفحّص أعماقه وهو ما زال يصافحه لم يتركْ يده بعد. قسمات وجهه تأخذ مِن كلِّ ملامح أهل الأرض، لمْ يكن أحمر ولا أصفر، كما لم يكن أبيض ولا أسود فقد اجتمع في لون بشرته خليط مِن كلِّ هذه الألوان، وإن كان يغلب عليه اللون الاصفر، وكأنّ ملامحه تشير أنّ كلَّ ألوان أجناس البشر هي كلُّها كلُّها أوطانه (صدقت فراسة فهمان فهي بالفعل نظرة جاك للعالم). عيناه حادتا البصر كالصقر، واسعتان، عريض المنكبين، مفتول العضلات، ممتلئ الصدر إلى حدٍّ ما، غزير الشعر في اليدين ممّا ينمُّ أنّه غزير كذلك في الصدر. لا بالطويل ولا بالقصير وإن كان للطول أقرب. هدوؤه وابتسامته الخفيفة تدلّ على شاب يتسم بالمودة والعطاء.
ولقد توغّل أيضًا جاك في أعماق فهمان فوجد فيه النبوغ والتضحية والعطاء.
فلمّا طال بهما الأمر سحب كلٌّ منهما يده.
وعزما على التعارف وبدأ فهمان بالكلام وعرفه بنفسه.
فقال جاك: «وأنا جاك.» سكت هنيهة ثمّ أعاد وزاد: «جاك الولايات المتحدة الأمريكيّة.»
- «أنا سعيد بأن الله جمع بيني وبينك في مكان واحد.»، ثمّ تمتمَ على استحياء: «ماذا تعني جاك الولايات المتحدة الأمريكيّة؟»
- «ألم يكن فهمان المصريّ هو ابن الفراعنة؟»
تثاءب جاك لغلبة النوم عليه، وبصوت هادئ ناعم خيره بين أحد السريرين.
ركضا، بيد أنّ عينا فهمان لم تنما، يفكّر في أبيه في حاله بعده، وخالطه شأن جاك في التفكير أيضًا.
سأله فهمان مجددًا: «هل يسكن أبوك هنا في كاليفورنيا؟»
- «مات.»
- «رحمه الله ..وأمُّك؟»
- «ماتت.»
- «رحمها الله.»
- «هل لك أقارب؟»
- «أمريكا.»
- «وهل ال.....»
لم يكملْ السؤال حيث سمع له صوتًا، فنظر فوجده يغطُّ في نومٍ عميق.
رقدا، وشاء الله أن يجمع روحيهما كما جمع جسديهما، فرأيا عُجبًا.
ففهمان رأى كابوسًا مخيفًا؛ رأى روحه بعد ثلاثة عشر عامًا من مستقبله تعبر سمًا كسمّ الخياط، ثمّ طُرحت على طاولة ناريّة؛ فخشي أن تحترق، فضج صارخًا يستغيث، فجاءته مخلوقات تبدو عليها علامات التقوى فأمنته وأسكنته، بعدها ببضع سنوات ألقوا عليه نورًا لم يره من قبل؛ فنهض وقام من مرضه، ثمّ رأى آلهة كاذبة تستعبد البشر فتمنى عندها الموت فصرخ وخرّ ساجدًا (وهذه الرؤية تحققت).
أما جاك فقد حلم بكابوسٍ هو الآخر. إذ رأى وحشًا بحجم الشمس، ثمّ أخذ ينكمش على نفسه حتى أصبح مثل مدينة صغيرة، ثمّ فتح منتصفه كأنّه فمه، ثمّ سعى خلفه ليأكله ويأكل مَن حوله؛ لكنه قرّر أن يباغته ليمزّقه مِن الداخل، فجذبه فدخل بين فراغات أمعائه ومزّقها، ولكن للأسف فقد كان يمزقه هو الآخر، صرخ وما زال يصرخ حتى استيقظ صارخًا (وهذه الرؤية تحققت).
نظر تلقاء فهمان فوجده يصرخ مثله ويصيح: «أغيثوني أغيثوني.»
انطلق جاك نحوه؛ يُهدّئ من روعه ويهزّه من منكبيْه كأنّما يوقظه حتى يصمت. فقال له فهمان: «معذرة أخي لعلّ صوتي أيقظك فزعًا.»
- «أهو كابوس؟»
- «نعم.»
فتعجّب جاك مِن تزامن كابوسيْن في أول لقاء يجمعه مع هذا العربيّ الخلوق، وعندها علم جاك أنَّ هناك آصرة قويّة تجمع بينه وبين هذا الفتى.
صباح اليوم التالي ...
ذهب فهمان لشراء بعض الكتب في مجال الفيزياء الذريّة وأحدث المختبرات الحديثة مثل مصادم الهادرونات المستقبلي fcc-1 ووضعها على الأرض، ثمّ نظر في الجدران ففوجئ بوجود أرفف فارغة، لحظات وولج جاك الباب واعتلى سُلّمًا ليضع كُتبًا عليها ثمّ نزلَ وقالَ همسًا: «هذه كتب طائرةٌ فيها ما يحمينا مِن الفناء.»
قرأ عناوينها، كلّها كتب تتكلم عن فيزياء الفلك والعلوم الفضائيّة.
اجتمعَ رئيسُ الجامعة بالدوليين المتميزين فقط؛ وكان منهم فهمان بالطبع؛ وعرض عليهم قروضًا حسنة مقدمة مِن الحكومة الفيدراليّة على أن تسدّد أثناء عملهم في أمريكا بعد التخرج، وإذا اِرتأت أمريكا الاستغناء عن الطالب بعد تخرجه تنازلتْ عن الدين.
وتمرُّ الأيّام وألِفَ جاك فهمان وأحبّه.
وذات يوم، فتح جاك الحاسوب الكبير في الحجرة، كتب في محرك البحث: «رحلات الفضاء القمريّة» وكان فهمان بجانبه فآثر ان يشاركه المشاهدة.
شاهدا فيها مجموعة من الروبوتات وهي تحمل أطنانًا مِن تربة القمر لاستخلاص هيليوم -3 في الأماكن المظللة منه، شاهدا كثيرًا مِن الروبوتات تتسلّق المصاعد الفضائيّة تندفع بشعاع من الليزر مِن الأرض، ثمّ بعد ذلك تسير متّجهة إلى القمر مدفوعة من خلال الخلايا الشمسيّة النانويّة التي انتهى منها خبراء العالم منذ عدّة أيّام؛ فضلاً عن تعبيد منطقة كبيرة عند خط الإستواء تمهيدًا لبناء محطة كبيرة من الألواح الشمسيّة النانويّة على أرض القمر. وذكرتْ وكالة ناسا أنّها لا تودّ عمْل محطة شمسيّة مداريّة فحسب؛ بل تريد تثبيتها على أرض القمر. وذكروا تقنية لنقل الطاقة الكهربائيّة مِن القمر إلى الأرض باستخدام المرايا.
رنَّ جرسُ هاتف فهمان أثناء ذلك، إنّه أبوه.
خرج مسرعًا مِن الحجرة إلى الردهة العامة، طمئنّ أبيه همسًا، ثمّ سأله عن حاله أيضًا فأجابه بأنّ كلّ شيء على ما يرام، وأمره بأن يعتني بنفسه وأغلق الخطّ على الفور.
همس فهمان في نفسه قائلاً: «أعرف أنّك ما استطعتَ أن تسيطر على مشاعرك، فلمّا كاد الدمع ينحدر مِن مقلتيْك دعوتَ لي وأغلقتَ الخطّ كي لا أسمعك.»
ولقد صدق حدس فهمان فبمجرد أن أغلق الخطَّ لم يتمالك أبوه نفسه، وأخذ يجهش بالبكاء وقال وهو يمسح الدمع من خديّه: «كلّ شيء يهون من أجلك يا مصر.»
غاب ساعة يهيم على وجهه حزنًا على مشاعر أبيه التي احترقتْ وتضعضعت مِن لهيب الغربة.
دلف فهمان باب الحجرة، فوجد جاك يتمتم بكلمات عن رحلة إلى أحد النجوم قائلاً: «هذه المحطة الشمسيّة من الممكن استغلال طاقتها في إطلاق شعاع ليزر من محطة ليزر تُبنى بجانبها، والشعاع يدفع شراعًا شمسيًا بمسافات لا بأس بها، لكن المشكلة أنّ الدفع سيكون في نهار القمر فقط حيث تتغذى الخلايا الشمسيّة على الشمس، و ..»
واستمر يحدّث نفسه وفهمان يسمعه ويحدّق في وجهه، فلعب به الفضول وأعاد تشغيل الفيلم مِن جديد بعد أن غادر جاك؛ فدار بخلده بعد مشاهدته ما دار بخلد جاك أيضًا.







 
رد مع اقتباس
قديم 05-03-2024, 12:47 PM   رقم المشاركة : 16
معلومات العضو
ابراهيم امين مؤمن
أقلامي
 
إحصائية العضو







ابراهيم امين مؤمن غير متصل


افتراضي رد: رواية قنابل الثقوب السوداء - أبواق إسرافيل "الرواية المشاركة في كتارا 2019-2020

فور أن انتهى فهمان من المشاهدة نادى على جاك فانتبه، ثم قال له: «سوف تحتاج رحلتك هذه إلى جهاز شامل يدعم الحياة.» فحملق فيه جاك وحدّج فيه بقوة إعجابًا وحبّاً.
كلّ يوم يمرّ تزداد الآصرة بين جاك وفهمان حتى تخطتْ كلّ حواجز اختلاف الجنسيّة والديانة، وما كان هذا التخطّي إلّا لصفاء قلبيْهما وعظمة بذلهما للغير؛ فضلاً عن عبقريّتهما العلميّة.



لم تمضِ بعد سوى بضعة أشهرٍ على سفر فهمان، وفطين في همٍّ متواصل ليل نهار، فالحرمان يهزّه ويفكك أوصاله على الدوام، ويشعل قلبه حرقةً واشتياقًا. حتى أنّ عيناه ذبلتْ، وبدأ يفقد بعض قواه المعهودة.
وكثيرًا ما كان يجرفه الشوق إلى ولده فيتخذ قرارًا بالسفر إليه، بيد أنَّ أعباء مصاريفه كانت بمنزلة قيدٍ يمنعه ويغلّ قدميه.
ولمْ يكن الحرمان هو الضارب على نفسه فقط، بل الفاقة والذلة التي أحاطت بالعرب، والخنوع الكاسح من الأنظمة العربيّة لنظيرتها الغربيّة مما يهدر كرامتهم وكرامة شعوبهم؛ فضلاً عن الكارثة الكبرى التي تتمثل في تسهيل الدعم اللوجستيّ والنفسيّ لانخراط المنظمة الصهيونيّة لتنخر في جسد دولة فلسطين. وهنا، هنا في الوادي الجديد تتجسّد كلّ مظاهر الفاقة والذلة أمام عينيه.
كثُرتْ صناديقُ القمامة، وأصبحتْ تنتشر في جميع أنحاء الوادي الجديد؛ لأنّها غدتْ الطعام الرئيس للغالبية العظمى من أهلها. والصناديق رغم كثرتها فإنها لا تكفي حاجة أهلها من الغذاء؛ فتسبّب ذلك في نشوب معارك فيما بينهم.
فاضطر النظام الحاكم وضْْع عساكر عليها حفاظًا على الأمن القوميّ من جهة، ومن جهة أخرى كي لا يعتاد الشعبَ على البذخ والإسراف بحسب زعمه. وللأسف حتى هذه جرت فيها الرشوة أيضًا؛ فتحصّل من غذائها من لا يستحق وحُرم منها من يستحقه.
ومن المضحكات المبكيات أنّ القطط والكلاب المحلّية أصابها الهزال من الجوع، فقتل بعضهم بعضًا أثناء تسللها خلسة من أجل الحصول على طعام هذه الصناديق. ومن بعيد، نشاهد كلبًا ثمينًا وقطة ثمينة أُستوردا من أمريكا وسويسرا، ينظران إلى صناديق القمامة، وبينما هم على ذلك؛ إذ ألقى مالكهما قطعًا من اللحم البقريّ الطازج لهما.
فجرى إليها أحد أطفال الفقراء ليحوزها، فرآه مالك الكلب والقطة فأقبل عليه غاضبًا وكاد يقتله لاتهامه بسرقة أموال الناس لولا أن أسرع أبوه وانتشله من أنيابه وفرّ به.
تناول الكلب الأجنبيّ قطع اللحم وأسرع بها إلى والد الطفل وألقاها بين يديه، نظر إليه كلبٌ محليّ فحقد على الطفل فأراد أن يتسلّل خلسة ويأخذها منه.
وهذه الصناديق تمتلئ دومًا ببقايا طعام الأغنياء التي أخذت تتضخّم ثرواتهم بطريقة مذهلة، وتمتلئ أيضًا من وحدات الكتائب العسكريّة المصريّة، بينما نجد صورة مشرقة تطلّ من بعيد، إنهم فئة استثنائية من أعضاء المجلس العسكريّ، يعملون لصالح الشعب في الخفاء.
فقد كانوا يعطون بعض الجنود طعامًا طازجًا ويقول وزير الدفاع لهم: «اِذهبوا إلى صناديق القمامة بهذا الطعام وأعطوه لمن تجدونه هناك من أفراد الشعب.»
لم تكن كلّ هذه الصور القاتمة لتمرّ على فطين دون أن ينفعل معها ويتفاعل ويؤدّي دوره فيها كرجل وطنيّ من أبناء هذا الشعب.
لم يستطع فطين أن يفعل شيئًا تجاه ما يرى، كلّ ما استطاع أن يفعله هو الذهاب إلى الصناديق بالمال الذي يحصل عليه ليلقيه فوق رءوسهم. ولقد حصل على مالٍ كثير بعد أن رفْع سعر التذكرة التي يشتريها الأغنياء بطريقة مبالغة جدًا، ومع هذا لم يُحجموا عن الإتيان إلى السيرك ومشاهدة العرض.
وفي هذه المحطة الهامة من حياة فطين وقعت الواقعة التي ليس لها من دون الله كاشفة؛ إذْ تسرّب خبر فطين إلى نظام أمن الدولة بأنّه يساعد الفقراء؛ فوضعوه تحت المجهر حتى لا يمثل خطرًا على النظام -فمن المعروف أنّ الخوف قد سيطر على الشعب فشلّ أركانه، وفطين قد يشجعهم يومًا من أجل المطالبة بحقوقهم المهضومة- وأمن الدولة ترى أن فطين توافرت فيه كل سُبل القيادة
الدببة الروسيّة تقهقعُ على مفاتيح أبواب فلسطين
مكتب رئيس الوزراء الإسرائيليّ إسحاق يعقوب
هاتف يعقوبُ وزير دفاعه فلما حضر أمره بالجلوس فأبى أن يجلس.
فسأله يعقوب دهشًا: «لِمَ لا تجلس؟»
- «أنا لا أريد أن أتشبّه بالعرب سيادة الرئيس، فهم دائمو الجلوس والكلام وأنا أريد الحركة والعمل.»
فسرّ يعقوب لذلك، ثم ما لبث أن سأله على الفور: «هل أرسل وزير العلوم والتكنولوجيا الأجهزة الجديدة.»
- «منذ دقائق فقط.»
- «وهل انتهى خبراء هيئة الصناعات العسكريّة من تجهيز الصواريخ؟»
- «انتهوا منذ ساعات.»
- «وخبراء الجيولوجيا؟»
- «جاهزون.»
- «وخبراء هيئة الصناعات العسكريّة.»
- «جاهزون.»
- «وأفراد العمليّة والروبوتات؟»
- «جاهزون، الكل يتحرق شوقًا لهذه العملية.»
- «اتصلْ بطياري القوات الجويّة وابدأ التنفيذ فورًا، أنا سوف أكون بانتظاركم هناك.»
قال الوزير دهشًا: «معذرة سيادة الرئيس، أين تودّ الذهاب؟»
- «إلى المعسكر لشرْح عملية اقتحام النفق المراد اقتحامه بالصور، بعدها مباشرة نذهب كلنا لمسرح العمليّة سيادة الوزير.»
- «أنت! أنتَ ! كيف؟»
- «ألم تقلْ منذ دقائق أنّك لا تحبّ الجلوس ولا الكلام؟ ألَا تحبّ لي ما تحبّ لنفسك؟ هيّا فأنا لا أريد الكلام أيضًا، جهّزْ فريق الاقتحام والطيارين واسبقوني عند مركز العمليّات الحربيّة، ثمّ نتّجه بعدها مباشرة إلى النفق لاقتحامه.»
حضر الجمْع كلّهمُ وأُنيرتْ شاشة كبيرة، وقف أمامها يعقوب إسحاق وبدأ بعرض بعض الصور -هي مجموعة صور لشكل النفق من الداخل والخارج- وأشار إلى أول صورة منها وقال: «هذا النفق يطلق عليه المغتصبون النفقَ العقرب، أولئك الذين يسمّون أنفسهم اتحاد المقاومة الفلسطينيّة، ولقد وصفوه بذلك إشارة أنّ مَن يودّ مسّه بسوء لابدّ أن يُلدغ فيموت، وهو أحد الأنفاق الرئيسة الهامة للمغتصبين.» سكت هنيهة ثم أشار إلي الجدران والأسقف قائلاً: «كما ترون، هذه الجدران والأسقف طبقات خرسانيّة مدعّمة بطبقات من الرصاص السميك. لونها غريب وكأنّها مطليّة بمادة ما، ولقد حاول رجالُنا معرفة سبب تغيّر لون جدرانها وأسقفها فلم يهتدوا لإجابة.»
وعرضَ صورة أخرى، أشار بعصاه عليها وقال: «هؤلاء قنّاصة على مداخل النفق؛ تلك القنّاصة التي تستطيع أن تسقط عصفور من على شجرة على بعد نصف كيلومتر واحد.»
وأشار إلى صورة ثالثة وقال: «وصورة مستقلة يظهر فيها شكل الكمائن والفخاخ فضلاً عن عشرات الألغام الأرضيّة.»
ثمّ عرضَ مجموعة صور أخرى تبيّن شكله من الداخل، وأشار عليها جميعًا بعصاه قائلاً: «كما ترون أنّ طرقها معبّدة بصورة أشبه بشكل خيوط العنكبوت، ولذلك فهي أنفاق عنكبوتيّة تؤديّ إلى متاهات ومهالك. فهم عندما يأتونه لابدّ أن يكون معهم خريطة تبيّن لهم المكان المراد الوصول إليه أو المكوث فيه. فيها أسلحة وذخائر، وجاسوسنا لم يستطعْ تحديد مكانها، لكنّه قال لنا أنّه يرى عربات محملة بالأسلحة والذخائر تخرج منها ولا تعود.» أخذ نفسًا عميقًا ثم قال في إثره: «وطبعًا يا سادة هذا معناه أنّ النفق فيه مصنع أسلحة.»
وألقى بالعصا جانبًا ثم قال: «ومثل هذه الأنفاق تُمثل حضارة كبيرة، فهي مجهّزة بكلّ سُبل دعم الحياة من غذاء واتصالات وصناعة، يا سادة، المغتصبون يستطيعون أن يحيوا عشرات السنين في هذا النفق دون الاتصال بالخارج، مصدر خطورة هذا النفق وأمثاله أنّه يمثل مسرح العمليات الحربيّة ووضْع الخطط لباقي أفراد المقاومة، وفيه يتمّ تدريب الكوادر القتاليّة وتصديرها إلى باقي الأنفاق وخاصة ترحيل المدربين إلى سيناء، كما أنّهم يطلقون صواريخهم منها مستهدفين مدننا التي يقطنها المدنيّون والعسكريّون على حدٍّ سواء.»
أقفلَ الشاشة ثمّ قال: «ساعة الصفر بعد لحظات، علينا بالتحرك الآن، توكلنا على الله.»
تقدّم يعقوبُ -وقد تلثم- ومعه فريق الاقتحام السالف الذكر، تصحبه مجموعة من الكلاب المدرّبة وقنّاصة ومقاتلين تدرّبوا خِصيصًا للضرب تحت الأرض، بالإضافة إلى خبراء كشْف الألغام وروبوتات، كلُّ هؤلاء سيكونون على تواصلٍ مستمر بمجموعة من الطيارين الذين يحلّقون بالقرب منهم. الطائرات تحمل الصواريخ المجهّزة خصيصًا لاختراق القشرة الأرضيّة وهدْم الطبقات الخرسانيّة والرصاص الذي يغطي أسطح وجدران الأنفاق العسكريّة.
حتى إذا رصد فريق الاقتحام النفق الهدف الذي بيّنه يعقوب في الصور قاموا بتحديد الإحداثيات وأرسلوها إلى هذه الطائرات، عندئذٍ يقذفونه بصواريخهم.
تقدّم فريقُ البحث أولاً ويشمل الجيولوجيون والمهندسون لتحديد موقع النفق -فتحديد الموقع ليس بالأمر الهين رغم أنّ أحد جواسيسهم ولجه من قبل، كما أنّ هناك مداخل ومخارج وهميّة تؤدي إلى متاهات أو ألغام - وبعد بحثٍ مضنٍ استطاعتْ أجهزة الاستشعار أن ترسل بيانات منها، وبتحليلها تبيّن وجود إرهابيين فيها. وبتسليط أجهزة الزلازل الدقيقة تمّ رصْد بعض الاهتزازات مما يدلّ على وجود حركة. وهنا جاء دور الروبوتات المصممة للكشف عن الخطوط والمنحنيات عن بُعد، وهذه مدونة على شريحة الروبوت، فإذا رصدها ترسل هذه الروبوتات إشارة لها صوتًا خاصًا، يعبّر هذا الصوت عن وجود بشر.
وبالفعل أرسلت الروبوتات إشارتها التي تثبت وجودهم في هذه المنطقة.
جاء الآن دور الكلاب، تسير الروبوتات إلى الأمام تتبعها الكلاب، الروبوتات تسير في اتجاه الخطوط والمنحنيات التي تدل على وجود بشر، ومن خلفها الكلاب البوليسيّة. ظلّت الروبوتات تسير وخلفها الكلاب، ويعقوب إسحاق وباقي الفريق لمسافة بلغتْ أكثر من عشرة كيلومتر، وقد واجه الفريق عدة ألغام ومتفجرات في طريقهم خلال هذه المسافة بيد أنّ الكلاب البوليسيّة كانت تشير إلى أماكن وجودها فيتحاشوها ويمضون بعيدًا عنها. والطائرات تتواصل مع فريق الاقتحام.
بدأتْ تظهر أمام يعقوب بعض أبواب الأنفاق، يحرسها قنّاصة مهرة، يتوارون خلف جدران سميكة من الرصاص منتصبة أمام الأبواب. عندها أمر فريق الاقتحام بتعين إحداثيات الموقع وإرسالها إلى الطائرات حتى يؤدّون دورهم. أرسلت الروبوتات الإحداثيات إليها، ثمّ أمر يعقوب إسحاق الفريقَ كلّه بالتراجع بعدها مباشرة بمسافة تسمح لهم بمعاودة المكان فضلاً عن بُعدها عن قناصة العدو وصواريخهم. لم يشعر مَن في النفق بحركة يعقوب إسحاق ورجاله.
صُوبت الصواريخُ إلى موضع الإحداثيات، ثمّ أطلقها الطيارون على الفور؛ فاخترقتْ قشرة النفق الأرضيّة -والتي تبلغ سمكها نحو عشرة أمتار- ثمّ اصطدمت بأسقف وجدران النفق، وهنا المفاجأة..فقد أحدثتْ هزّات عنيفة هرع على إثرها مَن بالداخل، وأُطلقت سفارات الإنذار، وتأهّبتْ القنّاصة وباقي رجال النفق للقتال، أُنيرت الكشافة الخارجيّة، وتمّ رصْد فريق الاقتحام من بعيد، بعيد جدًا، تمّ الرصد من خلال ثقوب موجودة في النفق. أطلق رجالُ المقاومة بعض العبوّات الناسفة والرصاص والمدافع نحو فريق الاقتحام، بيد أنّ كلّ هذا لم يصل بسبب البُعد الشديد من الثقوب. أمر قائد النفق أفراد الاتحاد بألّا يخرجوا لعمل هجوم مضاد، وقال لهم بأن يمكثوا جميعًا في أماكنكم. وكلّ هذا وما زالتْ الروبوتات ترسل إشارتها بقذْف المزيد من الصواريخ، إذ إنّ النفق لم يتهدّمْ منه شيئًا.
تعجّبَ يعقوبُ إسحاق، فاقترب نحوه وحده غير مبالٍ بالخطر الذي قد يدركه، لم يصحبه في تقدمه سوى أحد الكلاب، لتصوير الصواريخ الساقطة على جدران النفق فوجد عجبًا، وجدها تصطدم بالأسقف ثمّ تسقط ذائبة على الأرض على هيئة شُهب من النار، ثمّ تتطاير دُخانًا كثيفًا.
فقال صارخًا: «يا أولاد الكلب والزناة.»
ثمّ تقهقر للوراء وأمر الطيارين بالتوقف عن الإطلاق وانسحاب كلّ الفريق من الموقع؛ وذاك لأنّ الخطة مبنية على هدْم النفق ثمّ الهجوم وتصفية أفراده وأخْذ الأسلحة التي بداخله وتحميلها على العربات المدرّعة التي أحضروها معهم.
بعدها أرسلتْ إشارة مشفرة من قائد النفق إلى باقي الأنفاق مفادها أنّ النفق تمّ ضرْبه بأكثر من عشرين صاروخًا بوساطة الطائرات فأحدثت بعض التصدّعات الداخلية فيه نتيجة الهزّات الشديدة، وعلّل ذلك بأنّ الجدران والأسقف الخارجيّة محاطة بدرع الإله -وهي حقول القوى الروسيّة- بينما من الداخل فهي ذات ترسانة خرسانيّة رصاصيّة فقط.
وصل الخبر بالطبع إلى مؤيد وكان جالسًا مع بروفيسور بيتر حينها، فضحكا معًا. قال البروفيسور الذي لم يكفّ عن الضحك: «والله إنّ تقهقع الدبِّ الروسيّ أسكتَ نهيق الحمار الأمريكيّ.» كان عبد الشهيد إذ ذاك موجودا وآثر الصمت لحين يكفوا عن الضحك ثم قال: «علام تضحك يا أبتِ؟ » ثمّ نظر إلى بيتر وقال له: «وأنتَ كذلك يا جدي، ألَا تعلمان أنّ وصولهم للنفق كارثة وإن قُتلناهم جميعًا، فمعنى ذلك أنّ معهم أجهزة متقدمة ستمكّنهم من رصْد الأنفاق ومحاصرتها سنوات فلا يخرج أحد من النفق ولا يدخل إليه فيهلك كلَّ مَن فيها، وأنتم تعلمون أنّ كثيرًا من الأنفاق الرئيسة غير داعمة للحياة على المدى البعيد.»
ارتاعا لكلامه فسكتا، مضى بيتر إلى فراشه حزينًا، أما مؤيد ففور سماعه لكلمة عبد الشهيد لم يستطع القيام، تقلّب مزاجه وذهبت الدماء من وجهه، ارتطمت أسنانه نتيجة الرعشة التي ألمت بكلّ أوصاله. وظلّ مؤيد فيما بعد مثقلا بالخوف والهموم.


***
حريق الجامعة
اشتدّتْ العلاقة بين فهماك وجاك أكثر وأكثر مِن طول الأُنسة، فضلاً عن توازي خُلقيهما وعبقريتهما المنقطعتي النظير، هذا التوازي كان أكبر عامل محفز لتغلغل كلّ منهما في الآخر.
أمّا داخل المحاضرات فكان شأنهما عجبًا، كانا كثيرًا ما يتناقشان مع أساتذة الفيزياء بخصوص نظرياتها الشائكة ويطرحان حلولاً جديدة، كلّ هذا على الرغم أنّهما ما زالا في الفرقة الأولى؛ ممّا ينمّ عن وجود مخزون إبداعي داخلي لكلّ منهما ليس له علاقة بالتحصيل والمعرفة.
وفي شأن الأبحاث، فكانا يقدمان أبحاثهما إلى أستاذ الفيزياء، وعندما يطّلع عليها يجدها أشبه بأحد الرسائل المعدة لاجتياز شهادة دكتوراة.
وعلى ذلك ذاع صيتهما في الجامعة كلّها، مما حدا بأحد الأساتذة -الذي ارتاع كثيرًا لشأنهما- الذين يعلمون العلاقة السابقة بين بيروفيسور بيتر وعالم الروبوت المصري برفع تقرير أمني إلى رئيس الجامعة يحذر فيه من شدة العلاقة الحميمة التي ربطت الطالبين ببعضهما. رفعه رئيس الجامعة إلى وحدة السي آي أي دون أن يقرأها. ووضعت السي آي أي تحت مجهر المراقبة خشية أن يحدث لجاك مثلما حدث لبيتر. في لحظة فراغ أمر رئيس الجامعة بإحضار التقرير ليطلع عليه، فلمّا أتاه فتحه، وظلّت عيناه تحدقان في التقرير بدهشة، وكأن التقرير يتكلم عن عالمين فيزيائيين وليسا طالبين. وظل يقرأ حتى رنّ جرس هاتفه، إنّه رئيس مخابرات السي آي أي، أخبره في المهاتفة أنْ يستميل الفتى المصري نحوه، ويتقرّب إليه بشتى الوسائل. وفور إغلاق الخط همسَ لنفسه: «يبدو أنّ العالم مقبل على مرحلة جديدة، يكون فيها هذان الفتيان محورا ارتكاز لموازين القوى العالميّة.» وعاود مجددًا القراءة.
وفي نفس الوقت نجد جاك يتنزه في حديقة الجامعة، وفهمان في المسكن يبتكر خلية صماميّة.
جلس جاك ينظر إلى الحديقة ليتمتع بمنظرها الخلّاب، ويصغى بأذنيه ليسمع صوت العنادل، فقال همسًا: «يا ليت قُبح أهل الدنيا ينقلب جمالاً مثل جمال هذه العنادل، ويا ليت عواء البشر وفحيحها يتحولان إلى طرب جميل مثل صوتها.»
رفع بصره إلى السماء؛ فوجدها ملآنة بالغمام وقتئذ ؛ٍفقال كلمة واحدة: «الحياة .» إلا أنّه شعر بانقباض في قلبه لم يدرِ سببًا له.
وبينما هو يتحسّر على حال العالم رآه أحد زملائه؛ فناداه مِن داخل سيارته، وأشار بيده ليأتيه من أجل القيام برحلة طائرة بها.
ركبها وحلّق بها مرتفعًا إلى علوٍّ لم يبلغه أحد قبله، حتى إنه جاور سرب أحد الطيور المهاجرة، فالتقط أحدها وقبّله ثمّ طيّره مرّة أخرى.
واستمرَّ في التحليق مرتفعًا حتى ظنّ المشاهدون أنّه كاد يلامس السحاب، وذهب عن الوعيّ فجأة؛ فقضى لحظات حالمًا، حيث لاحَ له ولأوّل مرّة جنود مِن الصفيح ألسنتها وسائر أعضائها منه أيضًا. كانوا مدججي السلاح، يهبطون مُردفين، قاصدين استعمار الأرض أو كأنّهم، تحاول أن تخترق البُعد الذي يوصّلهم إلى الأرض وكانوا يشيرون إليه ليكون دليلهم فأبى، واخترقهم هو، قاتلتهم ولكنّهم رموه عن قوسٍ واحدة، فقال: «ربّاه، أين أنا؟»
هكذا رأى المشهد بين النائم واليقظان ولم ينتبه مِن غفوته إلّا بعد أن وجد نفسه على الأرض والنّاس يفرّون مذعورين من أمام السيّارة.
خرجَ جاك مِن السيّارة مرتعدًا لما رآه، فكّر، فلمْ يستطع تفسير الحدث المؤلم.
وفهمان ما زال قائم على صنْع الخلية الصماميّة، فكان يطرح أكياسًا مغلقة بداخلها معدن قلوي على طاولة الحجرة، وكذلك طرح بعض الأدوات التي يحاول منها صُنع خليّة الصمام.
لمح جاكُ عن بُعد البستانيّ يسقي أحد الأشجار، ما لفت نظره أنّها تطلُّ على إحدى شرفات مختبرات الجامعة. أسرع إليّه وقال له بغضبٍ وصوتٍ عال: «اجتثْ هذه الشجرة يا رجل.»
رد البستانيُّ متعجبًا: «ما لك أنت والشجرة أيّها الفتى الأرعن؟»
فقال جاك: «يا رجل، وجود شجرة تطلُّ على مختبر علميّ أمر خطير.»
ثم ما لبث أن سأل نفسه: «كيف لمْ أرها إلّا اليوم؟!جاك لابدَّ أن تنتبه أكثر مِن ذلك.» وقرّر أن يكلّم رئيس الجامعة بشأن الشجرة غدًا، ثمّ اتّجه قافلاً إلى المسكن. دخل جاك على فهمان فوجده قائم على عمل بعض التجارب كالمعتاد.
استلقى على سريره، وتوجّه بنظره تلقاء فهمان يتأمّل في قسمات وجهه المألوفة، كما يتأمل في الأكياس التي على الطاولة.
والعجيب أنّ فهمان نفسه لم يشعر بلحظة دخول جاك أصلاً، فهو لم يدرك إلّا ما كتّل له كلّ محسوساته وهو صنْع خليّة صمام تلك التي أنهاها منذ لحظات وهمَّ بها ليجربّها. فجأة وقع أحدُ الأكياس المغلقة على الأرض، وتمزّق، وخرج ما فيه من محتوى، وتدحرج فتوارى تحت السرير. أحسَّ جاك بالاختناق؛ فهبّ منتفضًا على الرغم أنّ باب وشرفة الحجرة مغلقان تمامًا، أي لم يأتيهما أي دخان خانق من خارجها، فصرخ في فهمان وقال له: «ألم تجد المحتوى بعد؟»
ثمّ جرى إلى باب الحجرة ونافذتها ففتحهما، فقلّ الاختناق. ثمّ أعاد القول مرّة أخرى، أوجده وأغلقه.
فلمّا أمسكه فهمان ووضعه في كيس آخر تجدّد الهواء كما كان مرّة أخرى، ثمّ قام جاك وأغلق الباب والنافذة.
اندهش فهمان من سرعة استنتاج جاك، فسأله: «ما الذي أعلمك أن سبب الاختناق هو المحتوى الذي كان بداخل الكيس.»
ردّ: «لم يحدث الاختناق إلّا بعد أن وقع الكيس وتمزّق، هذا الكيس يا صديقي به معدن يمتصُّ الأكسجين من الجوّ، فلمّا ثُقب أدّى المعدن عمله على أكمل وجه.»
- «أتعرف ما في هذا الكيس؟»
- «مِن أين أتيت بهذا المعدن يا صديقي؟ إنّه نادر جدًا.»
لم تزايله الدهشة أيضًا من علم جاك، سأله: «مَن أعلمك بحيازتي له؟»
- «سرعة الاختناق تدلّ على أنّه معدن الكوبالت مضافًا إليه بعض المركبات، إنّها بللورات ملحيّة مازة قادرة على تفريغ أكسجين الحجرة في ثوانٍ معدودة، إنّه ثقب أسود للأكسجين فقط.»
بينما هم على ذلك ازداد الجوّ سوءًا بالخارج، فقد ظهرتْ سحب كثيفة جدًا في السماء تُنذر الأرض بقصف رعدٍ وحشيّ. شعرا بها ولم يكترثا لها لسخونة الحوار بينهما.
قال فهمان: «هل ترى هذه الخليّة الصماميّة التي بيدي؟»
- «لماذا ابتكرتها؟»
- «الخليّة الصماميّة عبارة عن قناة تحتوي على مركب يقوم بسحب مركب الأكسدة الأوّل المتراكم على البللورات ثمّ يتطاير في الهواء.»
- «أعلم.» صمت هنيهة ثم سأله مجددًا: «كمْ معك مِن هذه الأكياس الآن؟»
قال وهو ممسكٌ بإحدى يديه الخلية والأخرى شيئًا ما: «مئة وسبعة عشر كيسًا، وها هي صماماتهم سوف أركبها.»
- «مبارك لك صديقي، اختراعك سوف يوفّر بعض حاجة روّاد الفضاء من الأكسجين، حيث من الممكن تركب على البذلة الفضائيّة لتمتص الأكسجين إلى داخلها.»
ورعدتْ السماء بشدّة، وتزايد رعدها، وتوالى القصْفُ واحدًا تلو الآخر، وغدت الرياح تقتلع بعض الأشجار ذات الجذور الصغيرة.
فانتفض جاك فجأة حيث تذكّر الشجرة، فقطع حديثه مع فهمان آملاً قطع الشجرة قبل أن تقع الكارثة. لكن الشجرة فعلتها قبل أن يدركها، حيث سمع أبواق إنذارات الحريق تُطلَق في كلِّ مكان من الجامعة.
خرج جاك وفهمان على الفور إلى الردهة المؤديّة لكلّ حجرات المسكن، وكان فيها لوحة تحكّم أنظمة الاحتراق -والمتصلة بطريقة مباشرة مع باقي لوحات التحكم الموجودة في الجامعة كلّها، إنّها مِن النوع المعنون- وفيها وجد رقم لوحة تحكّم -هذه اللوحة الأخرى تعطي أجهزة استشعاراتها إنذارات الحريق ومدوّن عليها اسم المكان ومحتوياته- قرأها فعلم مكان الاحتراق بالضبط، وقد صدق ظنه؛ فقد نشب الحريق في المختبر الذي تطلّ عليه الشجرة، فعلم أنَّ العاصفة الرعديّة قد اخترقت الشجرة فشبَّ فيها الاحتراق نتيجة الأكسدة، وأحرقتْ معها المختبر وسرتْ النار تعدو في المبنى كلِّه.
على الفور طلب من فهمان إحضار الأكياس وخلايا الصمامات، أسرع فهمان داخل الحجرة وأخرج البللورات الملحيّة المازة من الأكياس ووضعها على الفور في خلايا الصمامات ثمّ وضعهم جميعًا في شوال وحملها، فلمّا خرج من الحجرة متّجهًا إلى الباب الرئيس وجد جاك منتظره في سيارة يلوّح بيده ليستحثّه على الإسراع -تلك السيارة اقتحمها منذ دقائق معدودة، ونتيجة ذلك أعطت أجهزة استشعاراتها إنذارات صاخبة، وتمّ نقل الفعل على هاتف صاحبها وبيته- ركبَ فهمان السيّارة مع جاك، طار بها جاك متّجهًا إلى مكان الحريق. وفي طريقهما شاهدا الطلبة والأساتذة يهرعون مبتعدين عن مصدر الحريق، يصرخون متفجعين، بينما ألسنة اللهب ترسل دخانها إلى أسفل السحاب.
طرقت السرايين آذني رئيس الجامعة مِن لوحة تحكّم مكتبه، فألقى الملف من يده وخرج هلعًا لينظر الحدث، فشاهد ألسنة النيران ترتفع وهي تلتهم الجامعة، وسيارات الإطفاء بدأت تتوافد واحدة بعد الأخرى. بينما بدأت تتحرك طائرة الإطفاء الأمريكيّة العملاقة لخطورة الموقف.







 
رد مع اقتباس
قديم 14-03-2024, 05:56 AM   رقم المشاركة : 17
معلومات العضو
ابراهيم امين مؤمن
أقلامي
 
إحصائية العضو







ابراهيم امين مؤمن غير متصل


افتراضي رد: رواية قنابل الثقوب السوداء - أبواق إسرافيل "الرواية المشاركة في كتارا 2019-2020

وجاك وفهمان على بعد مئات الأمتار مِن مكان الاحتراق ، النار التهمتْ المختبر فانفجّر وامتدتْ ألسنته إلى المختبرات المجاورة.
ارتفع جاك بالسيّارة إلى أعلى وأحاط بالمكان إحاطة السوار بالمعصم، وظلَّ يدور حولها بأسرع مِن دوران الصقر، و يُحصي نيرانها كأنّه يحبسها خلف جدران عازلة، وفهمان يرمي بالخلايا الصماميّة على مواضع الأكسدة، يدور جاك بسرعة البرق ويرمي فهمان بحكمة وحنكة منقطعة النظير. تسحب تلك الخلايا الأكسجين ولا تشبع منه أبدًا، ولا تسمح الصمامات بخروجه.

وحضرتْ طائرة الإطفاء الأمريكيّة، وشاهدت -وسط سحب كثيفة وتملأ السماء- سيارة جاك فلم تكترث لها، امتدت ببصرها إلى الأسفل فشاهدت عجز سيارات الإطفاء عن احتواء الموقف. وبدأت الاستعداد لإطفائها؛ أثناء هذه اللحظة بدأت النيران تخف شيئًا فشيئًا -وذاك لأن الخلايا الصمامية قد استمكنت من وقف عمليات الأكسدة- فانشغلت الطائرة بسيارة جاك؛ فقد أهملت عملها بعد أن سحر جاك قائد الطائرة بمعجزته الخالدة.
فلمّا همّت بإلقاء مواد إطفائها وجدت النار قد انطفأت ولم يبق منها إلّا الرماد والدخان الذي ما زال يتحرك في الهواء. خطفَ أحدُ سائقي سيارات الإطفاء الهاتفَ مِن أحد الصحفيين الذين صوروا الحادثة بفضولٍ جامحٍ ونظر في المشهد، فتسمر مكانه بعد أن شاهد تلك المعجزة.


قال جاك لفهمان وهو يدور حول مواضع الأكسدة التي هدأت: «نكتفي بهذا القدر يا صديقي.»
وهبط جاك بالسيارة التي لم تكف بعد عن إطلاق أبواب إنذاراتها.
أما رئيس الجامعة، فقد شدته من بين كل هذه الأحداث براعة السيارة الطائرة وقدرتها الخارقة على إطفاء حريق عجزت عن إطفائها عشرات سيارات الإطفاء. سعى إلى السيارة مسرعًا، وحال وصوله إليها كان جاك يفتح بابها فالتقوا ثلاثتهم. نظر فيهما، فتأكد له أنهما الطالبين الذين كان يقرأ ملفهما منذ قليل، فقال لهما: «أنتما! تعالا معي.» وفي طريقهم إلى المكتب سألهما: «من أنتما! أقصد ممن أنتما!أقصد هل أنتما مثلنا بشر؟!»
ردَّ فهمان: «أنا فهمان وهذا أخي وصديقي جاك.»
وفور وصولهما أعادا عليهما السؤال السابق لدهشته: «مَن أنتما ! أقصد ممن أنتما ! أقصد هل أنتما مثلنا بشر!»
أعطى فهمان كارتًا مدوّن فيه هاتفه الشخصيِّ وقال له: «يا فتى، كُن على اتصال بي في أىّ وقتٍ تريد، يا فتى، اعتبرني أهلك.» وحدّث نفسه قائلاً خسارة: «كنت أودُّ أن تكون أمريكيًا.»
قال جاك: «هل لنا أن ننصرف يا بروفيسور.»
- «تنصرفا قبل الترحيب!» ثم سارع نحو فهمان مرة أخرى وقال: «يا فتى، لقد قررتْ الجامعة منذ عدّة ساعات أن تتكفّلَ بنفقات دراستك بقرضٍ حسن، فما رأيك؟»
نظر فهمان إلى جاك ولمْ ينبس بكلمةٍ، بينما سرح جاك بخياله -وهو السياسيُّ المحنّك- إذ يعلم أنّ عرضًا كهذا غرضه ضمان ولاء فهمان لأمريكا بعد التخرج والعمل على أرضها. وفي تلك اللحظة طرق حارس الأمن الباب، وأخبر رئيس الجامعة بأن بالشرطة بالخارج.
قال الشرطي: «معنا بلاغ مِن أحد طلاب الجامعة ضدّ المدعو فهمان فطين المصريّ بالتعدّي عليه، وسرقة سيارته بالإكراه، وإحداث أضرار بالغة فيها.»
دهش جاك وقطّب غاضبًا وقال: «دعوه ولا يمسّه أحدٌ بسوء، وأنا سوف آتي به إلى القسم.»
ردّ الضابط: «ابتعدْ أنت أيّها الفتى، لا شأن لك بالأمر.»
اربدّ وجه جاك مِن الغضب، ثمّ أخذ يهدر كهدير الرعد، وكوّر قبضته، ووثب على الضابط فلكزه في صدره لكزه طرحته أرضًا وهو يصرخ: «لا يملك أحد في الكون كلّه القول لجاك الولايات المتحدة الأمريكيّة ابتعدْ، لا شأن لك بالأمر، بل الشأن كلّه لي.»
أحاط به أفراد الشرطة وأمسكوه مِن ذراعيّه. فانتفض رئيس الجامعة قائلا: «اتركوه.» ثم أخذ جاك من بين أيديهم وقال: «هدئ من روعك يا جاك يا ولدي، لن أترك صديقك فهو ولدي أيضًا.»
ردّ جاك: «لمّا يتعرّض أحد للظلم فلجاك الشأن كلّ الشأن، ومَن! صديقي! لا أملك من الدنيا سواه.»
وسحبت الشرطة فهمان بينما فهمان ينظر إلى صديقه مسرورًا لقوله السابق.

حكمة: الثعلب يترصّد أمام الحظيرة
دخل فهمان على وكيل النيابة، أبلغه الوكيل أنّه متهم بالتعدّي على المدعو إسرائيل، وإتلاف سيّارته الطائرة بعد سرقتها بالإكراه.
فصمت فهمان ولم ينبس بكلمة. وكان صمته عبارة عن خوف ممزوج بالدهشة مما ألجم لسانه فلمْ يجد ما يقوله.
وكان إسرائيل صاحب البلاغ جالسًا واضعًا أحد قدميّه على الأخرى أمام وكيل النيابة، ويلوك في فمه شيئًا، ويرتدي نظّارة -هي إحدى نظارات جوجل التي تنقل الواقع الافتراضي- وعلى الطرف الآخر نجد الذعر يملأ قلب فهمان، ووكيل النيابة يتأهب لفتح التحقيق.
لحظات وقدِمَ جاك ودخل المكتب وقال: «أنا الذي أخذت سيارة هذا الرجل وكلّ الجامعة تشهد بذلك.»
فردّ (أو ردت كتعبير رمزي) إسرائيل: «أنا صاحب السيارة وهذا المصريّ هو الذي سرقها منّي.»
قالت الوكيل لليهوديِّ بسخريّة: «هناك شهود يا معالي الرئيس فما قولك؟»
قال إسرائيل له: «أنا صاحب السيارة، وأنا أتهم ذاك الفهمان.»
ردتْ الوكيل ساخرًا: «يا سيادة الرئيس،عنده شهود ولن أستطيع أن أحتجزه، إن أردت اتهام الطالب جاك فلا مانع لدي لفتح التحقيق.»
لحظات أُخر وجاء رئيس الجامعة ودخل على النيابة وقال أنا شاهد على الواقعة، وقص عليه كل ما شاهده.
نظر الوكيل إلى اليهوديّ إسرائيل: «ماذا ستفعل الآن؟»
خلع اليهوديّ نظارة الواقع الافتراضي وطرحها أرضًا وسبَّ فيهم جميعًا: «أتدافعون عن المصريين المغتصبين؟!»
ثم تركهم غاضبًا.
أقبل الوكيل على فهمان وقال: «لله درك يا فتى، لقد أنقذت أمريكا من ضر محقق.»

مضى فهمان وهو غاضب من سلوك إسرائيل؛ سلوك مستفز صارخ، وشعر بعدم الأمان في هذه البلد. ولقد شعر جاك بوجيعته فقال له: «لعلك غاضب من ثقة الطالب إسرائيل المفرطة، حنانيك يا صديقي، إنّ الرئيس الحالي لأمريكا يحاول بقدر الإمكان التضييق عليهم بعد أن توغّلوا كثيرًا في عهد الرئيس السابق، ولولا يعقوب إسحاق وحسن تدبيره وسعة حكمته لضاعتْ إسرائيل في عهد رئيسنا الحالي، ألَا يكفيك أنّي أحبك كثيرًا حتى أنّك أعزّ علىّ مِن أيّ أمريكيّ، صدقني لو كان لدىّ أخٌ لاستأثرتك عليّه، أنت يميني في العلم والخلق، لا أستطيع الاستغناء عنك.»
سكت هنيهة ثمّ قال: «فهمان هذا رجلٌ حقود عليكَ لأنّك تميزت عليه في كل شيء، ومثله مثل أيّ يهوديّ لا يحبّ أيّ ازدهار حضاريّ لأيّ دولة عربيّة ولاسيما لو كانت في محيط المساحة المعروفة من النيل إلى الفرات.»
وزفرَ زفرة طويلة ولم ينبس بكلمة بعدها.
طأطأ فهمان رأسه وقال: «لذلك ضربتَ الضابط وقلت له: «لمّا يتعرض أحد للظلم فلجاك الشأن كلّ الشأن.».»
قال جاك: «فهمان، هذا الطالب أعرفه جيدًا، إنّه يهودي متطرف، ولو أحببتَ أن أركلَ مؤخّرته وأحطّم نظارته وأكسّر قدمه لفعلت، ولا أخاف منه ولا مَن وراءه، فهمان، كلّ ما أريده أن تبتسمَ وتفهم وترضى.»
احتضنه فهمان وشعر أنّ جاك حضارة وأمّة أخلاق في شخص إنسان، شعر أن الألفة التي وجدها في قلبه غلبتْ غربته نحو العالم الأجنبي كلّه.
وهكذا، فقد قوّت تلك العاصفة -التي كادت أن تعصف بفهمان- العلاقة بينه وبين جاك، فاجتمعا معًا، وتآلفا معًا، وتآخيا معًا، تحت قبّة هي أجلّ القباب، أغلى القباب، أثمن القباب، إنّها الإنسانيّة.
***
لقد وضعتْ المخابرات الأمريكيّة ملف جاك وفهمان على رأس الملفات الحساسة بعد حادثة حريق الجامعة مباشرة ولاسيما بعد موقف جاك الذي اتّخذه عندما ضرب ضابط الشرطة في مكتب رئيس الجامعة من أجل صديقه.
فهم لا يريدون أن تتكرّر كارثة بروفسيور بيتر مرّة أخرى. وقد سلكتْ أمريكا حربًا ضروسًا تجمع بين الترغيب مِن جهة، والترهيب الحذر المشوب بالضبابيّة مِن جهة أخرى لجذب العلماء العرب على وجه الخصوص، وذاك لأنّ السيطرة على منطقة الشرق الأوسط مِن أولويات أصحاب القرار الأمريكيّ -وسبب هذه الأولوية أنّها معبر للدول الأسيويّة مِن خلال المضايق والقنوات والممرّات الحيويّة- ومِن التدابير التي قامتْ بها الإدارة الأمريكيّة تجاه ملف فهمان وجاك أن قرّر السي آي أي عمل تقرير كامل عن الفتى وعن حالته العلميّة والاجتماعيّة، ومِن أجل ذلك، تمَّ تكليف أحد أفراد جهازهم أن يتحرّى عن فهمان في بلده.
وبعد يومٍ واحد فقط كان التقرير أمام أحد مدراء الجهاز، مدوّن فيه باختصار الكلام المعنىْْ به مِن قِبلهم. ومفاده الآتي:
«فهمان فطين المصريّ هو شاب مصريّ الجنسيّة أبًا وأمًا، أمّه متوفيّة، كانتْ خبيرة في فيزياء الجسيمات، وكانتْ تساعد زوجها في عمله، ولم تعمل في أيّ جهة حكوميّة بعد زواجها. أما أبوه فقد باع منزله في منطقة جنوب سيناء، وسافر إلى الوادي الجديد، ويقطن هناك منذ عامين تقريبًا. فور نزوله أرض الوادي الجديد قام بعمليّة زرع رأس جديد، ولم يعرف أحد سبب انتقاله مِن أرض سيناء إلى الوادي الجديد لأنّ انتقاله كان مفاجئًا، كما لم يُعرف سبب قيامه بعمليّة الزرع. يعمل ساحرًا، ماهر جدًا في أداء عمله، ولقد شاهد عروضه السحريّة أحدُ رجالنا الذي كان له باع طويل جدًا في هذا المجال، وقال إنّ هذا الرجل يملك قوّة خارقة تمكنه من أداء ألعابه السحريّة ببراعة لم يصل إليها أمهر السحرة حتى اليوم. ذو ذكاء وهيبة، يخشونه كلَّ الناس. مشهور بين أهل منطقته بالوطنيّة والكرم، وطنيّ حتى النخاع، ذاع صيته حتى وصل إلى أمن الدولة المصريّة. الأمن المصريّ وضعه تحت المجهر بسبب التفاف الكثير مِن الناس حوله.»
وقام جهاز المخابرات بتحليل هذه المعلومات، ومما توصلوا إليه أن فهمان سيكون عالم فيزياء نظرية بالوراثة قبل أن يكتسبها من البيئة التي تُوفر له. أما بالنسبة لترْك الأب لجنوب سيناء فجأة ورحيله إلى الوادي الجديد مع عملية تغيير رأس ينم عن وجود سرّ خطير، وبالقطع هو هارب مِن شيء ما. وبالنسبة لخوارقه في أعماله السحريّة فأرجعتْ الإدارة ذلك إلى قوّته في علم الفيزياء، ولكن عندما تمَّ عرض تلك الأعمال على أمهر السحرة وعالم الفيزياء والذي أخبر من قبل رئيس الجامعة بشأن جاك وفهمان قالا كلمة سواء: «إنّ هذا الرجل يمتلك قوة داخليّة ليست روحيّة تمتْ إضافتها في مخّه، في الغالب تحتوي خلاياه الدماغيّة على رقاقة إلكترونيّة إضافيّة تجعله يتحكم في حركة الأشياء في اتّجاه وعكس الجاذبيّة الأرضيّة، ولا أحد يستطيع القيام بهذه العمليّة إلّا بروفيسور بيتر فقط على مستوى العالم كلّه.»

فتأكّد للمخابرات أنَّ هناك خيطًا يربط بين فطين وبروفيسور بيتر ولاسيما أنّ عملية تغيير الوجه تمتْ بعد اختفاء بيتر بفترة ليست كبيرة. أمّا الأمن المصريّ فهو يخشى مِن قيام ثورة على النظام يكون هذا الرجل مُحرّكها.
وبناء على ذلك قرّر جهاز المخابرات بتأليب الحكومة المصريّة على هذا الرجل عن طريق لجنة حقوق الإنسان، وسردتْ عدة أمور تخصُّ منطقة الشرق الأوسط منها تجاوزات الأنظمة في السجون، وتغييب الوعي المدرك ودروشته ووضعه في بؤرة الجهل والتخلف عن طريق الدجل والشعوذة.
كما حثّت الحكومات العربيّة والمصريّة على وجه الخصوص معاقبة هؤلاء الدجّالين، وأيّ دولة ستقصّر في هذا ستتعرّض للمساءلة والعقوبات.
وبدءوا بتنفيذ القرارات، فاتصل جهاز ال سي آي أي بالرئيس المصريّ يعلمه أن يقبض على المدعو فطين المصريّ لضلوعه في قتْل أو اختطاف البروفيسور بيتر المختفي منذ فترة دون أن يلحقوا به أي ضرر.
صدر على الفور قرار رئاسيّ باعتقال المدعو فطين المصريّ بتهمتي الدجل وإثارة الشعب ضد النظام الحاكم، ففطين مصدر تهديد لهم مِن الأساس، وعلى ذلك فهم يراقبونه منذ فترة خشية تأليب الشعب على الحكومة من خلال الثورة.
كما قرّروا القيام بعمليّة مسح شامل في جميع المحافظات وخاصة القاهرة للقبض على كلّ القائمين بعمل الدجل والسحر.

المخلصون يشعرون بقدوم الزلازل
منذ فترة وفطين يشعر بقدوم كارثة ستسحقه، لذلك اتصلّ بالطبيب مؤيد وأخبره بما يشعر.
ردَّ الطبيبُ عليّه أن يستعين بالله على قضاء حوائجه، وكان اللقاء بينهما عابرًا إلى أقصى درجة حيث اكتفى فطين بإبلاغه أنَّ هناك خطرًا يحدّق به، وأنّ ابنه فهمان في الخارج سيتحطّم مِن بعده، فدعى له مؤيد وطمأنه بأن اتحاد المقاومة لن يتركه أبدًا، وسيظل يسانده حتى يصل الى مبتغاة.
قال فطين بدموع حارة: «مؤيد، وصيّتك ولدي مِن بعدي.» ثُمّ ناوله عنوان ابنه.
رحل مؤيد وترك فطين حائرًا لا يدري ماذا يفعل، أصابه الإبلاس والتيه، وأخيرًا قرّر إرسال خطاب إلى ابنه كتب فيه:

«بسم الله الرحمن الرحيم
ولدي الغالي، السلام عليكم، أرجو أنْ تكون بصحة جيدة، لقدْ سعدتُ كثيرًا باختراعك الأوّل، الخليّة الصماميّة، وفي انتظار المزيد والمزيد مِن ابتكاراتك، وأنا متأكد أنّكَ سوف تنجز الكثير منها. وكلُّ ما أرجوه أن تبتكر لنا ما يُخرج مصر من دهاليز القيعان المعتمة ويحلّق بها إلى قمم الشموس المضيئة؛ كلّ ما أرجوه أن تبتكر لنا ما يُطفئ النار التي شبّتْ في عروبتنا، وتمزّق أشرعة الأهواء التي مزّقت أشرعة سفينتنا، يجب أن ينتهي رماد الاحتراق المنبعث من ..
أهوائنا .
أحقادنا .
نزاعاتنا .
أطماعنا .
ولدي، إنّى أشمُّ رائحة غدر اليهود وأنا أكتب كلامي هذا، وأنّ مخططهم لحرْق العالم تطرق أُذنيّ الآن. إنّ العالم مقبل على حرب عالميّة ثالثة لا محالة، وستكون كلمة الفصل فيها للعلم والتكنولوجي.
العالم سيحترق، فاجعل علمك يطفئ ناره ولا يشعلها؛ اجعله سلاحًا في يدك اثقبْ به طبول الحرب، وسُدّ أبواقها، وصُمّ به آذان الشياطين، وهذّبْ به النفوس الآثمة، وأشهرْه عاليًًا، ستجد حمائم السلام يتخذونه متكأ.







 
رد مع اقتباس
قديم 19-03-2024, 05:28 AM   رقم المشاركة : 18
معلومات العضو
ابراهيم امين مؤمن
أقلامي
 
إحصائية العضو







ابراهيم امين مؤمن غير متصل


افتراضي رد: رواية قنابل الثقوب السوداء - أبواق إسرافيل "الرواية المشاركة في كتارا 2019-2020

ولدي، أريدك أن تكون ردءاً لمِصر مِن هذه الصراعات، تعَلّمْ وعلِّمْ وحاول أن تصلّ بقلبك إلى رئيس بلدك فتعينه ويعينك على الخلاص مِن أضراس الحرب النوويّة القادمة، لا تعملْ لدى أحد، اِعملْ في بلدك، كُنْ نابغة عصرك؛ تجدُ رئيس بلدك مِن أمامكَ وخلفكَ وعن يمينكَ وعن شمالكَ، لا تعملْ خارج مصر، لا تعملْ لدى أحد.
ولدي، تثبت ولا تهن، ولا تترك مكانك، فإنّي راحل عاجلاً أم آجلاً، فاتخذ مؤيدًا أبيك؛ فهو رجل ليس له نظير.
ولدي، لا أحبّ أن أرى دموعك إلّا عند الفرح، فلا تحزن، فكلنا راحلون؛ كلنا راحلون.
ولدي، لقد آثرت أن أكتب لا أن أتكلم حتى تظلّ كلماتي منتصبة على سمعكَ وبصركَ وفؤادكَ فتتلوها وتذكرها ولا تنساها أبدًا، فاحتفظْ بخطابي هذا ما دمتَ حيّاً. ليكن خطابي وحيك ودربك ونجاتك.
ولدي، لا تعملْ لدى أحد غير بلدك مصر، أكرر كُن بين أبناء وطنك
أبوك:فطين المصريّ.»
وبدأ يغلّف كلماته بيدين مرتعشتيْن وعينيْن دامعتيْن ويضعها في الخطاب،كما نوى إرساله أيضًا إلى مؤيد.
شعر فطينُ بأنّ القلم قد انكسر، وأنّ اللسان قد خرُس، وأنّ الروح قد نُزعتْ، وأنّ المسافة بينه وبين ابنه قد بعُدتْ وغدتْ في اللانهاية بعد هذا الخطاب.
وصل الخطاب بالبريد السريع وقرأه فهمان؛ فشعرَّ بأنّ أباه نعى نفسه فانصدع قلبُه، وحاول طرْد هذا الإحساس مِن قلبه تفاؤلاً.

***
أنهى فطينُ عمله اليوم بعد أداء عرْض مميز قدمه مجانًا لأوّل مرّة. وكان مِن بين المشاهدين فرقة من أمن الدولة، ونظرًا لأنّ المطلوب عدم إثارة بلبلة أثناء القبض عليه لحبِّ الناس له تقُرّر القبض عليه في الخفاء.
عاد إلى منزله. فتح بابه وأضاء الأنوار وأسند عصاه على الحائط، فلمّا نظرَ أمامه وجد فرقة أشبه بفرقة المارينز الأمريكيّة التي تؤدّي المهمات الصعبة، فتوجّس شرًا وأمسك بعصاه مرّة أخرى، ثُمّ نظرَ إليهم بغضبٍ وازدراء وقال: «مَن أنتم؟»
قال أحدهم بصلف وحزم: «أمن الدولة، معنا أمر بالقبض عليك.»
- «لن أخرجَ معكم حتى أعرف تهمتي بالضبط.»
رد الضابط بحزمٍ: «ستعرف هناك.» ثم مضى للأمام وهو يقول للفرقة:«اسحبوه.»
ردّ غاضبًا بعد أن صرخ في الممسكين به ودفعهم بقوة: «أريد أن أعرف الآن.»
تعصّب الضابطُ عليه قائلاً: «نحن لا نلعب.» ثم صرخ مجددًا في الفرقة قائلاً: «هيا يا بهائم اسحبوه.» ودلف الباب وهو يتكلم.
فأقبلوا عليه ليكبّلوه، فلمّا دنوْا منه تضاعفتْ قوّة فطين وعزيمته، وتضخمتْ عضلاته، ونخرَ أنفه وزأر كالأسد، واستُنفرتْ الخليّة الإلكترونية وغدت في مرحلة تأهّب قصوى لدفع ضرر المعتدي.
ضربهم بعصاه بقوّة وثباتٍ فخرّ بعضهم على الأرض، وبعضهم أمسكه من ياقة جلبابه فنطحه فشقّ رأسه، تكاثروا عليه من جديد بعد أن نهضوا من الأرض فأمسك أحدهم ورماه عليهم فخرّوا جميعًا على الأرض. وقعتْ لاسته على الأرض فانتبه لذلك وتوجس شرًا. أخرج الضابط مسدسه من مغمده وشهره في وجهه وقال مهددًا: «سرْ أمامي وإلّا قتلتك.»
وكذلك أخرج رجاله مسدساتهم مِن أغمادها، ركّز فطين على الأسلحة تركيزًا شديدًا فخرّت واقعة مِن أيديهم تحت تأثير الخليّة، وخطف مسدس الضابط بسرعة خاطفة ثمّ لكمه في وجهه فأدماه. تناولوا المسدسات من الأرض مجددًا، وأشهروه في وجهه، لكنّ الضابط وجد الدماء تنزف منه كالأنهار فضربه قصاصًا بطلقتين في قدميه فخرّ فطين ينزف، تحامل فطينُ ونهض يتوكأ على الجدار عندما دنوا منه ليجرّوه؛ فضربهم جميعًا فطرحوا أرضًا من جديد، وللأسف نزْف الدم أسقطه هو أيضًا، فسقط مغشيّاً عليه. حملوه وأوضعوه في سيّارة الشرطة، ثمّ ألقوه في زنزانة انفراديّة وأرسلوا له طبيبًا ليخرج الرصاصتين. وعلى الفور تمَّ إبلاغ السي آي أي بإنجاز المهمة.
آفاق فطين مِن غيبوبته فور إلقائه في الزنزانة مباشرة، وفور أن تحرك سُمع صوت الأصفاد المرعب التي تغل يديه وعنقه وقدميه.
بعد قليل دخل عليه جنديان أخذاه واصطحباه إلى مكتب أحد رموز النظام، بعدها أجلسه أحد كبار رجال أمن الدولة وبدأ التحقيق معه
نظر إليه المحقق قائلاً: «لماذا قتلتَ يا فطين؟»
ردَّ دهشًا: «قتلتُ مَن؟»
قال غاضبًا: «لا تتصنّع الجهلَ يا ابن الكلب، بيروفيسور بيتر؟»
قال بهدوء: «أتعرف يا هذا لو تركوني عليك لنفخت فيك فتبخرت في الهواء، لا أعلم شيئًا عمّا تقول.»
- «لا، أنت لست قاتلاً فقط، بل قليل الحياء والأدب أيضًا، فطين كُن متعاون معنا حتى نستطيع أن نساعدك، ألم تقتل بروفيسور بيتر بعد أن زرع لك رأسًا؟ تعاون معنا نتعاون معك.»
ضحك فطين وتعالت ضحكاته الساخرة، ثُمّ تثاءب فجأة ووضع يده على فيه كأنّما يريد النوم ثُمّ قال: «أتعاون معكم لأجل أنْ تتعاونوا معي!لا جرم، عالم فندق طابا كان بودِّه أن يتعاون معكم فهل تعاونتم معه أم.» قاطعه المحقق قائلاً: «لِمَ تخرج بنا عن موضوعنا الرئيس! قتل بروفيسور بيتر لا يهمنا في شيء، هذا شأنهم وسوف يقتصّون منك بطريقتهم، لكنْ من قتل ضابط الأمن أثناء قيامه بتطهير الخلية الإرهابية في منطقة إمبابة؟ والرائد الشهيد كذلك أثناء وجوده في اقتحام ال ..؟»
وأخذ يعدّدُ له رجال النظام الذين قُتلوا على مدار سنة ونصف مضتْ. وقد نسب له إدارة خلية إرهابية
- «مَن هؤلاء الذين سيقتصّون منّي بطريقتهم، فئران أم أبراص؟ وأيّ خلية تقصد؟ خلية نحل مثلاً، تسألنّي عن رجالكم! أيّ رجال؟ أنا أعلم رجالاً بمعنى الكلمة أنت لا تعلمهم؛ ألم يكن عالم الفندق مِن رجالكم؟! ألم يكن العلماء المغتالون في القرن السادس والسابع والثامن والتاسع والعشرين والواحد والعشرين من رجالكم؟! ألم يكن فهمان ولدي الذي سوف يتشرّد مِن بعدي مِن رجالكم؟! ما زالتْ أياديكم إلى الآن تسيل منها دماءُهم.»
قال منتفضًا: «هل أنت مجنون!هؤلاء رجال تخلّوا عن مصريتهم وعروبتهم فتركناهم، ولمّا تابوا وأرادوا العمل في بلادهم بعد أنِ استيقظتْ ضمائرهم لَمْ يخبرونا؛ فكانتْ مصائرهم الاغتيال بيد إسرائيل. هل تظنّ أنّنا نقتل أبناءنا، ثُمّ أنّهم لم يطلبوا الحماية منّا كي نحميهم، ولكن كانتْ كلُّ قراراتهم منفردة دون تنسيق معنا، فمثلاً عالم فندق طابا كان تحت حراستنا وقد فعل رجالنا ما كان يتوجّب عليهم فعله ولكن للأسف طالته يد الغدر. مصر ملآنة بالصراعات الداخليّة، ونحن نعمل ليل نهار لعدم إحداث فوضى قد تؤدّي إلى ثورة على نظام الحكم فتحدث انقسامات بين الشعب تؤول في النهاية إلى حرب أهليّة.» صمت هنيهة يستبقي نفسه ثم استأنف وهو يشيح بيده يمينًا ويسارًا: «انظرْ إلى العالم وتلك الحروب الأهليّة التي تحدث بين الشمال والجنوب والشيعة والسنة و ...إلخ. ثمّ تأتيني وتكلّمني عن رجال ونساءٍ لمْ يخبرونا بوجهتهم ولا بطلب من أجل حمايتهم.»
كان فطين ساند خدّه إلى كف يده اليمنى وأنزل جفني عينيه أثناء كلام الضابط، فلمّا سكت عن الكلام رفع جفنيه متثائبًا ووضع باطن يده على فمه ثمّ قال: «كلام جيد، لننهي كلامنا، أنا وابني نلوذا بِكم فهل ستتركونا؟»
سكت هنيهة ثمّ تابع كلامه بحسرة: «كم زوّرتم التاريخ على مدى عقود طويلة، وسوف يأتي رجل منها يحملوه رجال منها أيضًا فيأخذون بيدها.»
- «يأتى مَن؟ ومَن المسكينة؟»
- «ألا تعرف الأمّ، هي المسكينة، غُلّت بأياديكم، مصر يا أيّها السجّان.»
- «مصر.» ارتعش المحقق وانتفض ثمّ استأنف: «أنت ممن تريد النيل بمصر أيّها المزوّر القاتل.» ثمّ نادى على الحرّاس أن يرجعوه إلى زنزانته.

وقد علم فطين مِن أحد المسئولين الصادقين الذين يخافون على هذه البلد ولا يرضون الدنيّة في أوطانهم أنّ غدًا سوف تقلّه طائرة إلى أمريكا مقبوضًا عليه مِن قِبل رجال المخابرات الأمريكيّة للتحقيق معه.
ومنذ أن علم ثارت ثورته وهاج اهتياج الثور، وبدا له أنّ أشرّ ما يقع به وبابنه أن يكون مجرمًا في بلد يكون ابنه فيها عالمًا.
فأطفأ أجيج الثورة ببرد الصلاة، وظلَّ طوال الليل يدعو ربه ألّا يجمع بينه وبين ابنه في أمريكا. في الصباح نزل الوفد المخباراتي مِن المطار متّجهًا إلى فطين؛ وعندما وصلوا إلى محبسه وجدوه قد فارق الحياة.
ومات المواطن فطين المصريُّ، وودّع الحياة بعد أن رسم للعروبة دروب نجاتِها، وضرب لهم أروع الأمثلة في الشجاعة والفِداء والتضحية.
مات المواطن فطين المصريُّ بعد أن أعدّ مِن صُلبه فتىً سوف يكون له شأن في إصلاح هذا العالم الفاسد (كما ستبين أحداث الرواية).
الآن الجسد الطاهر مسجّى بعد أن رسم البسمة على شفاه عشرات الألوف مِن أهل قريته ووادعهم وآلفهم وصاحبهم.
مات فطين المصريُ، فهل سيواري الثرى جسده الطاهر أم تحمله الرياح إلى النجوم؟ وكيف سيُدوّن شخص فطين المصريّ في التاريخ؟ سيدوّن في مزابله أم في نفحاته؟
رماد معطّر يزين سماءَ مصر
ظلَّ مؤيد منذ القبض على فطين متوترًا، لا يكاد يتمالك نفسه نتيجة الحزن عليه، حتى إن لسانه يتلعثم أثناء الكلام بسبب الحزن المشوب بالخوف الساري في كل أوصاله.
لم يخف عن مؤيد فزّاعة أمن الدولة المصريّة التي تُصيب ولا تُخطئ من أجل الحصول على الاعترافات؛ تلك الفزّاعةُ التي اِنهار تحت وطأتها رجال أقوياء، كما يعرف أيضًا قوّة ورباطة جأش فطين ومدى إخلاصه ووفائه له وللمقاومة. وظلّتْ هاتان المعرفتان تختلجان في صدره فتحدث له الريبة والاضطراب؛ مصارعة عنيفة بين أمل يكتنفه يأس، وعزيمة يكتنفها وهن. ولقد نصحه قادة الاتحاد بالاختباء خشيّة أن يرشد فطين عليه تحت وطأة أساليب أمن الدولة؛ لكنّه رفض لثقته الشديدة في إخلاص فطين ومدى صلابته التي لا توهن.
ظلَّ مؤيد يكدّس كلَّ قواه الحيّة في رصد كلِّ ما يتعلق باعتقال فطين، ويحوم حول الأسباب التي بسببها تمَّ اعتقاله، واتحاد المقاومة لهم عملاء في كلِّ مكان داخل مصر وخارجها، بلْ لهم أنصار داخل الأنظمة نفسها يفدونهم بأعمارهم إذا لزم الأمر.
وكان التقرير يأتيه أوّلاً بأوّل عن ملابسات اعتقاله وحالته، بل أدقّ الأسرار وصلتْ إليهم وهو وصول الوفد الأمريكيّ ليأخذ فطين.
وفي الليلة المشئومة وصل التقرير إلى مؤيد أصيل يقول عبارة واحدة: «اُستشهد فطينُ.»
سمعها مؤيد، فاختلجتْ عيناه وزاغ بصره، واسودَّ وجهه وخرس لسانه إذ التصق في سقف حلقه، وانتفضَ جسده وسرتْ فيه حرارة الصيف الحادِّ حتى ألجمه العرق إلجامًا، جلس وشرب شربة ماء ليجري في سقف حلقه الجاف، وأدار التكييف حتى يذهب عرقه، وأغمض عينيه حتى لا تخطف من أثر الحزن.
بعد عدة ساعات مِن وصول التقرير الأول وصل تقريرًا آخر يقول بأنّ فطين لم يُدفنْ؛ بل أُحرقتْ جثته وذرّتها الرياح؛ فسقط مغشيّاً على الفور.
مرَّ يومان ومؤيد ما زال معتكفًا في بيته، يفكّر كيف يواجه ابن فطين بخبر اعتقاله ثمّ موته حرقًا.
ومن بيركلي اتصلَ فهمان أكثر مِن مرّة بأبيه، بيد أنّ الهاتفَ مغلقٌ دائمًا، فهو أو أبوه قلّما يمرَّ يومٌ إلّا تبادلا الحديث عبر البريد أو صفحات التواصل الاجتماعيّ، لكنّ هذه المرّة كلّ شيء مغلق.
وتمرّ الأيّام، وظلَّ فهمان مشتت الخاطر لا يذهب إلى الجامعة، وعندما تذكر خطاب أبيه توجس شرًا؛ فقرّر النزول إلى مصر.
وجاك مشفق عليه بسبب حالته العصيبة، وليس في إمكانه فعْل شيء تجاهه إلّا بكلمة اطمئنان تُهدّأ مِن ثورة الخوف والوجل اللذين يعتريانه.
وفور رفعه الحقائب جاءه خطاب مِن مجهول، فتحه، قرأ: «بعد السلام، أنا صديق أبيك، ومعي نسخة من الخطاب الذي أرسله لك والدك منذ أيام، أكيد تذكُرني، الأمن المصريّ اعتقلَ أباك بتهمة الدجل والشعوذة؛ فمات في محبسه، وقد قاموا بالواجب ووارو سوءته. ابقَ في مكانك وتذكّر وصايا أبيك لك، ابقَ في مكانك ولا تتركه، وقدْ حوّلت لك مالاً وفيرًا يكفيك حتى الإنفاق على دراساتك.
افتح خطاب أبيك واقرأه، وتذكر قوله: «تثبت ولا تهن ولا تترك مكانك، فإنّي راحل عاجلاً أم آجلاً، فاتخذ مؤيدًا أبيك فهو رجل ليس له نظير.»، واعلمْ أنّك موضوع تحت ميكرسكوب السي آي أي بعد حادثة حريق الجامعة. ابقَ في مكانك وسيطرْ على مشاعرك، وكنْ رجلاً مثل أبيك يا ابن فطين المصريّ.»
بالطبع لمْ يقلْ الطبيب له الحقيقة لأنها قد تصيبه بانهيار عصبيٍّ وتؤثر على مستقبله العلمِيّ وإنّما قال له ما يبقيه ثابتًا ويفي بالغرض.
تناول فهمان الخطاب، انهار بمجرد قراءته، أحسَّ بنار الفراق الأبديِّ يحرق قلبه إلى الأبد، وأنّ التشرّد سبيله، وأنّ حواسه ما عادت تصلح للعمل.
رمقه جاك؛ فجلس بجانبه، وتناول الخطاب، وقرأه، ثمّ تركه ونظرَ إلى فهمان ذي الجسد المرتعد والدموع الساخنة والأنف الأخنّ، قال له: «إنّ المصيبة وإن عظُمتْ؛ فليس لها أن تُعجزك وتُفتت عضديك، و كلّ مصيبةٍ وإن جلت وعظُمت فلابدَّ يومًا ما تهون. أنت رجلٌ تحمل رسالة للناس جميعًا، ولقد كان نبيّكم محمدٌ صلدًا رغم وفاة زوجته وعمّه في عامٍ واحد. فهمان، سيطرْ على مشاعرك ولا تجعلها تأخذ بناصية عزيمتك ووفائك للعلم؛ فتضيع وتضيّع عَالمًا في أمسِّ الحاجة إليك غدًا. صديقي نحن نحمل رسالة كبيرة، ويتوجب علينا أن نتماسك عند الكارثة وألا نتباهى عند النجاح حتى نستطيع أن نؤدي رسالتنا العلمية على أكمل وجه.»
ثمّ توجّه إليّه ونصب وجهُهُ في وجهِهِ وطلب منه أن ينظرَ إليّه، بيد أنّ فهمان ما يستطيع أن يرفع هاتيْن العينيْن البائستيْن في وجه أحد أيًا ما كان هذا الكائن، ولذلك قضى يومه مغمضًا كالأعمى.
ووضع يديه على منكبيّ فهمان ثمّ قال له: «فهمان، تماسك، المفروض أنّك عالم فيزياء لا تهزّك أبداً نائبة الدهر، كما يجب ألّا تهزّك متقلبات الطبيعة، لابدَّ أن تتغلب على كلِّ شيء وتنسى كلَّ ما يعوق مسيرتك. فهمان تماسك، أمامك الدنيا كلّها ذلولة ارتعْ فيها كيفما تشاء وأرِ هذا العالم كمْ سيصبح علمك ترياقًا في وجه الموت عندما يتحدّى َالإنسانُ الطبيعةَ الغضوبة. وإن كانتْ مصر فقدتْ رجلاً مثل أبيك فعلمك المنتظر يستطيع أن يُحيي ألف فطين إذا نُشر به السلام.»
يكلّمه جاك لكنّ فهمان لمْ يكن حاضرًا مطلقًا، لا عقل ولا قلب ولا رؤية، كلّ ما يسيطر على كيانه هو حزن الفقد وانتظار الضياع.







 
رد مع اقتباس
قديم 23-03-2024, 03:49 AM   رقم المشاركة : 19
معلومات العضو
ابراهيم امين مؤمن
أقلامي
 
إحصائية العضو







ابراهيم امين مؤمن غير متصل


افتراضي رد: رواية قنابل الثقوب السوداء - أبواق إسرافيل "الرواية المشاركة في كتارا 2019-2020

محبرة دماء مِن صفحات التوراة
لقد دعا يعقوب إسحاق وزاراته وأصحاب القرار مِن دولة إسرائيل والمخلصين لها لعقد اجتماع سريِّ سمّاه اجتماع «ردُّ الكرامة لسبعة آلاف سنة مضت» أبلغهم بنفسه واستنفرهم عليه، قائلاً العبارة التي لا تفارق لسانه: «اجتماع ردّ الكرامة لسبعة آلاف سنة مضتْ»
وكانت هذه الدعوة إثر فشل اقتحام أحد الأنفاق الرئيسة لاتحاد المقاومة. قبل أن يبدأ الاجتماع استحثَّ وزيرُ العلوم والتكنولوجيا أعضاء الاجتماع كلّهم بترك هواتفهم الجوّالة خارج الكابينت، ثمّ قام بنفسه بفحص أقلام الوزراء وأجسادهم بوساطة جهاز كشْف ذبذبات متطور للتأكد مِن خلوِها مِن أيّ أجهزة تنصّت خشية أن تكون وُضِعت فيها على غفلة منهم، وقام كذلك بفحص المكان؛ فلمْ يبدِ الجهاز أيّ ذبذبات تُذكر، عندئذٍ نظرَ إلى يعقوب بثقة قائلاً: «الكابينت آمن يا سيادة الرئيس.»
فأشار يعقوب إلى الجمع بالجلوس لبدْء الاجتماع.
بدأ يعقوبُ بافتتاحية المجلس قائلاً: «أنا يعقوب إسحاق -خادم إسرائيل- أحبُّ إسرائيل وأحبُّ القصاص، واعتزُّ بديني وشعبي، ولا يوجد على وجه الأرض كلّها منذ بدْء الخليقة جنس أطهر مِن جنسنا -فهم أبناء الله وأحباؤه، هم السادة ولا أحد غيرهم، هم شعب الله المختار، نحن؛ نحن الملوك والأسياد- ومع ذلك فنحن الشعب الذي تعرض للاستئصال على مرّ تاريخنا كلّه. لمْ ترحمنا أوروبا لأنهم يعتقدون أننا نحارب ديانتهم؛ فاضطهدونا وشرّدونا، ولكن ما زال ولا يزال الإسلام هو عقبتنا الرئيسة.» صمت لحظات تأوه فيها ثم استأنف: «لقد أذلونا في عصر محمّدِهم، وهم يريدون استرجاع أمجاد أجدادهم. يا سادة، نحن شعب التيه المضطهد على مر العصور، لن يجفَّ دمعي، وتنام عيني، ويهدأ لظى فراشي وتنطلق أنفاسي إلّا بعد القصاص مِن هذا العالم ثمّ حكمه؛ وكلّكم يعلم ماذا فعلتُ لدولة اسرائيل كي تسود، فقد نجحتُ في مطاردة الفلسطينيين هنا وفي مصر، وأنا ما دعوتكم إلا للضرورة القصوى.»
سأله وزير العلوم والتكنولوجيا عن أسباب الاجتماع مباشرة، فرمقه وزير الدفاع رمق استنكار، لم يكترث يعقوب لفعل الوزيرين ثم أمضى كلامه قائلا: «فشْلنا في اقتحام الأنفاق الرئيسة للمقاومة كارثة بكلّ المقاييس.» وأشار إلى وزير التكنولوجيا مستأنفًا كلامه: «ولقد أخبرتُ وزير التكنولوجيا بالأمر، فقال لي إنّ الأنفاق محصّنة بحقول قوى، ثمّ شرح لي تركيبها وطريقة عملها، وأكّد لي أنّه سوف يخترع صاروخًا قادرًا على اختراق تلك الحقول وتدمير كلّ الأنفاق، ثمّ تأتي الخطوات التالية كما سيتبيّن من الاجتماع.»
سكت هنيهة ثم أشار إلى الجمع قائلاً: «كما إني أجد في هشاشة الأنظمة العربيّة مأربي، فالرؤوس قد أينعتْ وحان قطافها، فالشعوب العربيّة على وشك الانفجار مِن أنظمتها الحاكمة بسبب الظلم والفقر وقلة الماء، وهي أنظمة تكره بعضها، وهذه النقطة بالأخص بمنزلة قنبلة موقوتة لا تحتاج أكثر مِن إشعال فتيلها فتنفجر فيهم جميعًا.ولا تنسوا يا سادة قوة إسرائيل اليوم، فلدينا الآن رجال مخلصون هم أفضل مَن أنجبتْ إسرائيل أيضًا على مرِّ تاريخها، وهم على أتمِّ الاستعداد للتضحيّة بالنفس والمال من أجل؛ مِن أجل «ردّ الكرامة لسبعة آلاف سنة مضتْ» -متمثلة في حاخامات المعابد، واللوبي الصهيوني، وكبار البارونات- وقد بلغ الاقتصاد اليهوديّ مبلغًا عظيمًا في عقدنا هذا. كلُّ هذه الظروف ألقتْ بظلالها في كافّة أرجاء دولة إسرائيل بكل قطاعاتها ومؤسساتها لعقد اجتماعنا هذا «اجتماع ردّ الكرامة لسبعة آلاف سنة مضت »، والآن، أودُّ منكم وضْع مقترحات لإقامة دولة إسرائيل الكبرى، أودُّ وضْع خطة للسيطرة على العالم؛ سيطرة على:المسلمين، والمسيحيين، والبوذيين، والنازيين، حتى الملحدين، السيطرة على العالم .أودُّ القصاص؛ أودُّ القصاص؛ وأسألُ اللهَ أن يجعلني وإيّاكم مِن المتقين.» وبعد أن أنهى كلامه قام ولثّم رأس الحاخام الأكبر وحثه على التكرم بإبداء رأيه.
وقبل أن يستهل كلامه قدم بعض الطقوس التعبدية التي تنم على الخشوع والتألم لما آلت له دولة إسرائيل -والحاخام ذو لحية كثيفة وشارب غزير ونظارة وقبعة سوداوين- بدأ بقوله: «بعد مراجعة التوراة والتلمود، وإمعان النظر فيما يدور مِن أحداث عالميّة؛ تبيّن لي على الحقيقة التي لا لبس فيها أنّ هرمجدون على الأبواب؛ لكنّها تحتاج إلى جهدٍ مضنٍ منكم كي تُؤجج وتستعر. واعلموا أن الشعب الأمريكيّ المسيحيّ الصهيونيّ سوف يساعدكم على تنفيذ مخططكم؛ لأنّ هناك نصًا صريحًا يحفّزهم على إشعال الحرب العالميّة الثالثة. هذا النص ورد في موضع واحد من الإنجيل في سفر الرؤيا: «ثم سكب الملاك السادس جامه على النهر الكبير، الفرات، فنشف ماؤه لكي يُعدَّ طريق الملوك الذين من مشرق الشمس، ورأيت من فم التنين ومن فم الوحش ومن فم النبي الكذاب ثلاثة أرواح نجسة شبه ضفادع فإنهم أرواح شياطين صانعة آيات تخرج على ملوك العالم وكل المسكونة لتجمعهم لقتال ذلك اليوم العظيم يوم الله القادر على كل شيء، ها أنا آت كلص، طوبى لمن يسهر ويحفظ ثيابه لئلا يمشي عريانًا، فجمعهم إلى الموضع الذي يدعى بالعبرانية هرمجدون.» والتلمود يأمركم بالعمل على إقامة الحرب النوويّة بين أقطاب العالم، ثم تلا بخشوع: «وقبل أن يحكم اليهود نهائيًا–أي قبل أن يحكموا العالم- يجب أن تقوم الحرب على قدم وساق، ويهلك ثلثا العالم ليأتي المسيح الحقيقي ويحقق النصر القريب.» واعلموا أنّ أرض المعركة هنا في هرمجدون. فاعملوا على تهويد فلسطين كي تمثل لنا أرض فلسطين مركزًا لإدارة العمليات. وعندما تسود دولة اليهود فعليكم ببناء الهيكل على أنقاض الأقصى لاستقباله (يقصد استقبال المسيا الملك). ما ورد في بروتوكلات حكمائكم أنّ المسيا الملك كامنًا في الهيكل. وبعد أن تقوم دولة إسرائيل عليكم بالزحف مع المسيا الملك إلى الشام لخوض الملحمة الكبرى والنهائية، ثمّ تلا بخشوع: «مُدُنُ عَرُوعِيرَ مَتْرُوكَةٌ. تَكُونُ لِلْقُطْعَانِ، فَتَرْبِضُ وَلَيْسَ مَنْ يُخِيفُ.» ثمّ أردف النص بنصٍ آخر: «وَيَزُولُ الْحِصْنُ مِنْ أَفْرَايِمَ وَالْمُلْكُ مِنْ دِمَشْقَ وَبَقِيَّةِ أَرَامَ. فَتَصِيرُ كَمَجْدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ.» واعلموا أنّ الظفر حليفه وحليفكم كما هو مذكور في التلمود على قول التوراة: «سيأتي المسيح الحقيقي ويحصل النصر المنتظر، ويقبل المسيح وقتئذ هدايا الشعب ويرفض هدايا المسيحيين، وتكون الأمة اليهودية إذ ذاك في غاية الثروة لأنها تكون قد حصلت على جميع أموال العالم.» كما جاء أيضاً: «حيث يأتي المسيح تطرح الأرض فطيرًا وملابس من الصوف وقمحًا حبة بقدر كلاوي الثيران البريّة، وفي ذلك الزمن ترجع السلطة إلى اليهود، وجميع الأمم تخدم ذلك المسيح، وسوف يملك كل يهوديِّ ألفين وثلاثمائة عبدًا لخدمته، ولن يأتي إلا بعد اندثار حكم الشعوب الخارجة عن دين بني إسرائيل.» واستأنف تراتيله بقوله: «فيستأصل جميع الأديان، ما عدا الدين اليهودي، ويحل كل الحكومات، ما عدا مملكة يهوذا، وعندها يَستريح ربُّ الأرباب، رب إسرائيل بين خصومه، ويعمُّ العالم سلام، كما يقول التلمود، فيَنتهي بذلك بكاء رب الجنود وندمه وأنينه، لتفريطه في حق شعبه المختار، فتُمطِر السماء فطيرًا وملابس صوفية مخيطة.» ثم سكت هنيهات. فعلم يعقوب أنه انتهى من تراتيله، حينئذ نظر إليه وإلى رئيس الكنيست بعينين حالمتين، كما ملأته نصوص التوراة بهجة وسرورًا، فلمعتْ عيناه وانبسطت أساريره، واستنشقَ استنشاقًا طويلاً مغمضا بعينين حالمتين ليستحضر أمامه عرْش إسرائيل في مخيّلته.

أشار يعقوب إلى وزير العلوم والتكنولوجيا ليتكلّم فقال الوزير: «لقدْ كانت تقارير وزارتنا على مرِّ التاريخ المرجع الأول ونقطة الانطلاق لأيّ خطة عمل تقوم بها دولة إسرائيل بكلّ وزارتها وهيئاتها؛ خطة عمل لتطوير الأسلحة، خطة عمل لتطوير المختبرات، خطة عمل لاعتلاء الكفاءات نحو الأماكن التي يستحقونها، خطة عمل للنهوض بالاقتصاد الإسرائيلي.»
سكت هنيهة، ثم ما لبث أن أشار إلى رئيس جهاز المخابرات قائلاً: «أمددناكم بمئات التقارير العلميّة عن حركة التقدم العلميّ والتكنولوجيّ العالميّ عبر التاريخ وخاصة الأربع سنوات الفائتة، ولقد كانت هيئتنا لها اليد الطولى وكلمة الفصل في تحديد موازين القوى وكشْف النقاب عن الأخطار والكمائن التي قد تلحق بإسرائيل، ولقد قمنا بتدريب كلِّ أجهزة المخابرات لتذليل مهامهم المنوطة بهم.» قطع وصلة كلامه ليبدأ بوصلة جديدة متوجهة إلى وزير الطاقة فواصل قائلاً: «ملف المياه والنفط؛ النفط يفقد مخزونه يومًا بعد يوم، والمياه في منطقة الشرق الأوسط ضعيفة جدًا، ودول الخليج ستعيش الفترة المقبلة بلا شك على استثمار أموالهم في الخارج بعد نقص النفط الحاد على أراضيهم. وما يدعو إلى التفاؤل والتمكين أنّنا نعيش على عدة أنهر ما زالت وزارتي الدفاع والخارجية يسيطران عليها منذ حرب 1967، وهي مصدر فخر لإسرائيل (يقصد أنهار منابع نهر الأردن واليرموك، وبانياس، مياه الضفة الغربية، ومياه سوريا ولبنان ومصر عن طريق المشاريع المبرمة مع أثيوبيا ودول حوض النيل). ودولة إسرائيل في هذه الأرض (يقصد فلسطين) تضمنت مخططات لكيفية الحصول على المزيد من المياه (يقصد ضمّ جنوب لبنان وجبل الشيخ ومنابع نهر الأردن والليطاني وثلوج جبل الشيخ واليرموك). وبفضل تكنولوجياتنا المتطورة استطعنا أن نسقي الأرض والفمَّ بأعظم ميكنة زراعية.
استطعنا بوساطة أقمارنا الصناعيّة أن نستكشف مناطق المياه الجوفيّة ورسم خرائط لها باستخدام النمذجة الهيدرولوجية، ولا توجد دولة في العالم لديها مخزون مياه إسرائيل الكبرى.» وبدأ بوصلة جديدة موجهًا كلامه إلى وزير الدفاع: «والآن سعينا سعيًا حثيثًا على القيام بأمرين لاستقبال حرب هرمجدون: أولهم، القيام بتخزين أكبر قدر مِن الأسلحة النوويّة في مكان نقوم فيه بعمل تشويش على أكبر أجهزة تفتيش نوويّ في العالم.» رفع يده بدوسيه أوراق إلى أعلى وقال: «معي ملف يشرح كيفية التعمية على سلاحنا ورؤوسنا النوويّة في الأنفاق، وفيه تجد ما لم يصل إليه العالم حتى الآن من وسائل التعمية على الهدف المخزن. والآخر، في حالة الحرب، سيطلب منّا حلفاؤنا النوويّ الذي لدينا، عندئذٍ علينا بالمراوغة والهروب والادّعاء بعدم ملكيتنا لأي سلاح نوويّ بعد الذي أعطيناهم، ولن نعطيهم إلّا النذر القليل.»
نظر إليه وزير الدفاع بعد قوله الأخير، ثمّ اتّجه تلقاء وجهه وانحنى له بعد رفع قبعته قائلاً: «أحييك سيدي على إخلاصك لدولة إسرائيل.»
ثمُّ تطرق وزير التكنولوجيا إلى ملف الأنفاق فقال: «أمّا الأنفاق الفلسطينيّة؛ فقد قدّم رجالنا في السنوات الفائتة إلى هيئة الصناعات والأمنيّة العسكريّة منظومة أجهزة كشف فتّاكة؛ تشمل المنظومة الجديدة أجهزة لرصد الأنفاق. كما قدمنا أجهزة قياس زلازل دقيقة جدًا قادرة على رصد أيّ اهتزاز أرضي، فلو قام أحد الفلسطينيين بالحفر رصدتْه تلك الأجهزة. وميكروفونات صغيرة تكشف أصوات الحفريّات والحفّارين، حتى إنّها تسمعنا صوت قرْع وخفْق نعالهم، بالإضافة إلى رادارات وأجهزة استشعار أخرى. كشفتْ هذه التقنيات عن معظم الأنفاق داخل فلسطين فيما عدا الانفاق الرئيسة؛ فقد أخبرتنا وزارة الدفاع أنّ الصواريخ التي تخترق القشرة الأرضيّة وطبقات الرصاص لم تتمكن من هدمها، وأوضحت لسيادة الرئيس ولوزير الدفاع أنّها محصّنة بحقول قوى ولن يفيد ضربها.
فأشرتُ عليه بحصارها والكشف عن المزيد من نوعية هذه الأنفاق حتّى إذا انتهيتُ من صنْع الصاروخ القادر على اقتحامها قمنا مباشرة بتدميرها والاستحواذ على ما بها من أسلحة وأموال.»
قاطعه وزير الدفاع قائلاً: «ولقد قررنا ذلك بالفعل.»
ثمّ نظر مجددًا إلى رئيس الاستخبارات قائلاً: «كما أنّ التقارير التي تُرفع إلينا بشأن ما وصل إليه التكنولوجيّون مِن غيرنا مِن علم ومدى أهميته وتأثيره على مخططنا العالميّ فإنّنا نردُّ عليهم مِن واقع علمنا، وتكنولوجياتنا، ومدى إبطال هذه العلوم إذا ما نافستنا.

ولقد رُفع إلينا ملف العالم المصريّ الأخير، وأوضحنا في التقرير أنّ اختراعه سيجعل مصر من أغنى دول العالم مما سوف يتسبب تبعًا لعرقلة مسيرة مخططنا، واستنادًا إلى تقريرنا صدر الأمر مِن سيادتكم إلى الموساد باغتياله. ولقد أرسلنا إليكم عدة طرق علميّة لاغتياله.» سكت ثم تابع كلامه مجددًا وهو يشير إلى رئيس المخابرات: «ولذلك تفضّلتم سيادتكم وقتلتموه بطريقة تستحقّون عليها الثناء على قدرتكم المذهلة في الوصول إلى الهدف. ولقد رفعتم لنا تقريرًا منذ أيّام بشأن الفتى المصريّ فهمان طالب بيركلي، وأوضحنا لكم في التقرير أنّه ما زال بُرعما صغيرًا وقزمًا كبيرًا ولا يستحق جهدنا وعناءنا؛ فمازال في المهد لم يصلب عوده بعد، وقلنا لكم ضعوه تحت المراقبة؛ فقد يكون رجلنا مستقبلاً، أمّا بشأن الخلية الصماميّة؛ فهذا الاختراع رغم أهميته إلَا أنّ فكرته بسيطة.»
نظر رئيس الموساد إليّه ممتعضًا وقال: «لعلّ القزم الآن يتعملق غدًا، والغزال يتذئّب.»
رمقه وزير التكنولوجيا باستياء ولم ينبس بكلمة.







 
رد مع اقتباس
قديم 27-03-2024, 08:21 AM   رقم المشاركة : 20
معلومات العضو
ابراهيم امين مؤمن
أقلامي
 
إحصائية العضو







ابراهيم امين مؤمن غير متصل


افتراضي رد: رواية قنابل الثقوب السوداء - أبواق إسرافيل "الرواية المشاركة في كتارا 2019-2020

واستهل رئيس جهاز مخابرات الموساد وأمان والشاباك كلمته بالشكر إلى وزير العلوم والتكنولوجيا على كلّ الردود والتقارير التي ترد إليه بشأن تفاعلهم الجيد مع حركة التقدم التكنولوجي العالمي. بعد ذلك دخل في الموضوع الذي يخص هيئات مخابراته الثلاثة حيث قال: «أيّها السادة، أريد أن أنوّه بعقيدة أعتنقُها كما يعتنقُها الحاخام الأكبر وكذا كلُّ الحاخامات وكلُّ مَن في هذا المجلس وكلُّ مسئول عن دولة إسرائيل؛ بل وكلُّ فرد مِن الشعب اليهوديّ، إنّنا ندافع عن أنفسنا، نحن لا نهاجِم، لا نظلِم، لا نتسلّط، نحن ندافع عن أنفسنا قبل أن يقضوا علينا فتزول دولتنا. أيها السادة، أنا أدافع عن رضائعنا، عن نسائنا، عن شيوخنا، عن ديننا. كلّ أجهزتنا الثلاثة الآن ستعمل في السرّ والعلن مِن أجل تصفيّة قدرات الجوييم العسكرية والاقتصاديّة والتكنولوجيّة، وليس بخافٍ على أحد ما صنعه جهاز المخابرات الإسرائيلي من أجل دولة إسرائيل مِن عمليات قنْص واغتيال لرموز المقاومة الفلسطينية الآثمة. كما لا يخفى أيضًا عمليات الاغتيال الواسعة للرموز العلميّة العربيّة التي كانت وما زالتْ تمثل بحقٍّ مصدر رعب وإزعاج لدولة إسرائيل. وخير دليل العمليات الأخيرة التي نفّذناها بكلّ دقة؛ وخاصة تلك العملية التي قمنا بتنفيذها في فندق سونستا طابا. مهامنا حساسة جدًا في الفترة المقبلة، فهي تختلف عن الماضي قلبًَا وقالبًا، وترجع حساسيتها وخطورتها لظهور كلِّ العلامات التي تؤكد أنَّ هرمجدون على الأبواب، كما تفضّل أخي ورئيسي يعقوب، وكذلك حاخامنا المعظم. وتزداد الحساسية في المرحلة التي تلي نزول المسيا الملك، إذْ إنَّ على إسرائيل التخلّص مِن كلّ حلفائها. وعند نجاحنا تبدأ الحرب النوويّة العالميّة ثمّ نزول المسيا الملك لخوض الملحمة الكبرى.
وعند قيامها لابدَّ أن تكون إسرائيل هناك، أتعلمون أين؟ تحت الأنفاق، وفي الجحور رغم قيامها على أرضنا الأولى فلسطين. وأكيد تعرفون عملية العقرب الطائر التي نفذناها بكل دقة.
أيها السادة، أفضّل أن أريكم مشهد الاغتيال الذي عجز فيه المحققون عن كشف هوية قاتليه إلا بروفيسور بيتر الذي اكتشف على الفور أداة الجريمة -لأنّه تخصص فيزياء طبية- حيث إنه علم من ملامح المقتول وكلامه أنّه مسموم بمادة البوتولينوم.
انتظروني.»
مدّ يده وأخرج فيلمًا حجمه كحبة الأرز، ثمّ أشار قائلاً: «هذا فيلم الاغتيال، سترون الآن مِن خلال هذا الفيلم كيف نجح رجالنا في القضاء عليه.» ووضعه على الفور في الحاسوب.
كلُّ أبصار الجالسين الآن تحدّق في الحاسوب انتظارًا لبدء العرض، بينما أمسك رئيس المخابرات عصا للإشارة، وبدأ البيان، أشار إلى موضع تنفيذ العمليّة قائلا: «هذا يا سادة مكان العمليّة، كما ترون عبارة عن حجرتين واسعتين تتوسطهما ردهة أثاثها عبارة عن مائدة طعام ثابتة وصالون فخم و....الخ. بداية، علمتْ مخابراتنا بوجهتيهما -وهو هذا الفندق- فشغلنا كلَّ حجرات الفندق بأفرادٍ منّا حتى لا يأتي نزلاء فيشغلون الشقة الهدف. وصلا الفندق وبصحبتهم فريق متطور من المخابرات المصريّة لحراسة بروفيسور بيتر، ثمّ اتجهوا إلي الاستقبال، عندئذٍ أسرعنا بترْك الشقة الهدف. العملية عبارة عن دسّ السمّ في الطعام عن طريق الروبوت الحامل له، وكان التحدّي الأكبر فيها هو قيامنا بتسميم المصريّ فقط؛ فقد علمنا من خلال مراقبتنا لهما أنّهما يأكلان معًا ويرقدان في مواعيد محددة بالدقيقة تقريبًا، فقد كانا منظمين إلى أبعد الحدود. وجهاز الأمن المصاحب لهما لا يسمح بدخول أيّ شيء إليهما مهما كان، لا طعامًا ولا شرابًا ولا أيّ أغراض إلّا بعد الكشف عنه، وطبعًا لو وضعنا السمّ سيكتشفونه قطعًا. وسيذلل هذه التحديات عقربنا الطائر. انظروا، ها هو طعام الأرز يتمّ فحصه من قِبل أحد الحرس المكلفين بحراسته، العالمان للأسف الشديد يأكلان في طبق واحد لأنّهما حميمان لدرجة كبيرة ، أُدخل ووضع علي المائدة، بعد دقيقتين بالضبط من دخوله خرجا من حجرتيهما لتناوله. والآن، جاء دور العقرب الطائر -إنه بحجم حبة الأرز بالضبط، ولونه لونها- يتمّ دفعه من خلال بطارية نانويّة، وكان التحكم في حركته والتواصل معه من خلال رائد فضائنا -الذي أرسلناه على متن المركبة الفضائية الدولية من خلال القمر الصناعي الإسرائيلي الذي كان يقوم بدور الوسيط- طبعًا يا أخوة، الروبوت يحتوي على هوائيات صغيرة للتواصل مع رائد فضائنا، فضلاً عن كاميرا نانوية صغيرة. ها هو يتسلّل بحنكة شديدة، يتسلّل، لا تخافوا، لن يصطدم بشيء لأنّه مزوّد ببرنامج مطور عبارة عن مجس استشعار سواقة له للسير في المكان المؤدي إلى المائدة. دخل المبنى، دخل، يتحرك للأمام -شكله كالذبابة بحجم حبة الأرز حتى لا ينكشف، ومع ذلك فقد كان يتوارى بين جدران الفندق متّخذًا طريقه نحو الهدف- ها هو يسير في الاتجاه الذي ترسمه له الشريحة بالضبط، يطير أحيانًا ويمشي أحيانًا وقد يقفز أيضًا (وأشار بعصا إلى أحد رجال المخابرات المصريّة، فقد كان سيره عكس اتجاه العقرب وفي نفس مساره) هنا قرأ العقرب المشهد واختبأ خلف جدار حتى مرّ، بعدها واصل سيره. استمرّ في طريقه حتى وصل إلى الباب، بحث عن ثقبٍ فيه ثمّ ولجه وألقى بنفسه في الطعام، وهنا كادت أن تحدث كارثة!»
شهق الجميع مع علمهم المسبق بنجاح العملية.


وفور أن أنهى كلامه، بدأ يعقوب بإنهاء الكابينت من خلال عدة قرارات كتبها: «ممّا سبق أستطيع أن أقسّم الفترة القادمة إلى مرحلتين: مرحلة الاستعداد لهرمجدون، والأخرى الملحمة الكبرى. نحن نضع هاتيْن المرحلتيْن لنا أن أدركنا أحدهما أو كلاهما وكذلك للأنظمة التي ستلينا فيما بعد. ولعلّ متطلبات المرحلتين تجتمعان في بعض الحالات وتفترقان في حالات أخرى، لكنّ المؤكد أنّهما يتّحدان للوصول إلى الغاية المنشودة. سنضع الآن بروتوكولات مجلس الكابينت، الآن، على أساس أنّ مرحلة التنفيذ ستبدأ مِن الآن، الآن، نعمل اليوم وغدًا حتى الرمق الأخير مِن أنفاسنا ونسلّم الراية لمن بعدنا.
المرحلة الأولى:
- العمل على تعميق استدانة الدول أكثر وأكثر حتى تستطيع آل روتشيلد التحكم في هذه الدول وتحديد مصائرها.
- حان الآن لترك المواقف الناعمة، عليكم الآن بتنفيذ عمليات الاغتيال والتصفيّة لكلِّ مَن يعارض المخطط اليهوديّ، بلا رحمة.
- العمل على تخزين أكبر حجم مِن الأسلحة النوويّة في أنفاق تحت الأرض حتى لا يصل إليها أحد ولو إبليس.
- العمل على تعميق دور المنظمة الماسونيّة أكثر وأكثر ثمّ دسّها بين الشعوب العربيّة بعد أن تتزىّ بالسمت السنّي أو الشيعي، وذاك مِن أجل تعميق الخلافات بينهم حتى يقتتلوا، وكذلك من أجل طمس وتشويه أديانهم وثقافاتهم.
- عليكم بإعداد رجلنا جورج رامسفيلد لاعتلاء الرئاسة الأمريكيّة خلفًا للرئيس الحالي.
- أريد فضْح الأنظمة العربيّة الحاكمة وإعلان حالة الديمقراطيّة التي يعيشها الغرب، أريد انفجار الشعوب ضد الظلم، أريد خروجهم في مسيرات بالشوارع واعتصامات في الميادين، أريد حروبًا أهليّة، أريد انقسامات في الجيوش العربيّة، لا تدعوا الأنظمة العربيّة الحاكمة تسيطر على شعوبها بالديكتاتوريّة، حاربوا الحكم الملكيّ عندهم.
- إثارة النزعات المذهبيّة والعرقيّة والدينيّة بين العرب، أريد حربًا شعواء بين السنة والشيعة، أريد أن نجدّد حروب الخليج مرّة أخرى، لتكن الحرب الخليجية الأولى والثانية والثالثة والرابعة ..والعاشرة، ونعمل على دفع الحركات الانفصاليّة بين الشمال والجنوب في كلّ الدول العربيّة.
- العمل على توفير أسباب الصراعات العربيّة والعالميّة وتزكيتها لتتأجج أكثر وأكثر، حوّلوا التنافس الخشن لدول المياه بداية من منابعها ثمّ تغذيتها لهذه الدول حتى نهايتها وهي المصبات، لابدّ أن تتقاتل منطقة الشرق الأوسط على شربة الماء، فعليكم في هذا المضمار بمصر وتركيا والعراق وسوريا ولبنان والخليج والأردن، أريد أن يشربوا دماءهم بديلاً عن مياههم.
- أريد التشكيك في الحدود المرسومة بين الدول العربية، أريد عند هذه الحدود تسيل دماؤهم على ثراها.







 
رد مع اقتباس
قديم 01-04-2024, 09:37 PM   رقم المشاركة : 21
معلومات العضو
ابراهيم امين مؤمن
أقلامي
 
إحصائية العضو







ابراهيم امين مؤمن غير متصل


افتراضي رد: رواية قنابل الثقوب السوداء - أبواق إسرافيل "الرواية المشاركة في كتارا 2019-2020

- علينا بانتشار أسلحة الدمار الشامل بين الدول؛ حتى إذا قامت الحرب أنهكوا وأفنوا بعضهم بعضًا، علينا بتصفية لجنة التفتيش للطاقة الذريّة والتشكيك في أمانتها، والتوقف عن الهجمات الإلكترونيّة التي كنّا نخرّب بها البرامج النوويّة. عليكم بانتشار السلاح، رجحوا كفّة أمريكا أولاً ثمّ اقتلوها بعد ذلك.
- تهويد فلسطين، لا أريد ولو طفل رضيع مِن الفلسطينيين، وذاك من أجل السيطرة على الموقف وبناء الهيكل أثناء أو بعد هرمجدون ..وتُسأل في ذلك الهيئات والحركات المسئولة عن ذلك.
المرحلة الثانية...
- العمل على احتلال سوريا بأيّ ثمن؛ لأنّها أرض الملحمة الكبرى، والعمل على الخلاص مِن كلِّ خصوم أمريكا فيها، فهي الجسر أو المعبر إلى ضرْب روسيا ثُم الصين.
- العمل على تمكين المسيحيّة الصهيونيّة أن تخترق دوائر صنْع القرار في أمريكا، بل وتسيطر عليها وتتحكم في كثيرٍ مِن مقاعد مجلس الشيوخ والنواب وحكّام الولايات وموظفي المخابرات فيما يطلق عليه(المحافظون الجدد) أو الذين ولدوا مِن جديد بالمسيح والإنجيل.
- بعد الانتهاء مِن هرمجدون وفوز الولايات المتحدة الأمريكيّة في الحرب النوويّة بمعاونتنا، علينا بالسعي إلى قيام حرب أهليّة في أمريكا بإثارة العمال على الرأسماليين والبروتستانت على الكاثوليك والزنوج على البيض، كما يجب أن نسعى إلى تأجيج نزاعات بين أصحاب مذهب العصمة ومذهب النشوء والارتقاء، فلابدَّ من بلشفة القضايا كلّها. كذلك لابدَّ مِن توريطها خارجيًا في مجموعة حروب متتالية في أنحاء العالم، في الوطن العربي، في آسيا، في كلِّ العالم حتى تضعف فيسهل علينا الانقضاض عليهم وإزالتهم.
- العمل على نقض معاهدة المياه المبرمة بين أمريكا وكندا حول إدارة المياه الحدوديّة التي تضمّ البحيرات العظمى ونهر سانت لورانس، كذلك العمل على إثارة الفتنة بين الهند وباكستان حتى يتم نقْض اتفاقية أندوس للمياه التي كانت مبرمة في عام 1960 بوساطة البنك الدوليّ.
- بعد التمكين إن شاء الله، العمل في السرّ والعلن على طمْس الأديان كلّها بما فيهم المسيحيّة ومحوها مِن الوجود ولا حكم في العالم إلّا للتوراة.لا حكم إلّا لإسرائيل، لا أسياد إلّا إسرائيل.» أنهى قراراته ثم صمت هنيهات ليأخذ نفسًا عميقًا ثم قال: «وبذا انتهتْ قرارات الكابينت وعلى اجتماع بودابست أن يعمل على تفعيلها أيضاً، موافقون؟»
قال الجميع موافقون.
وضعوا أيديهم فوق بعض حتى وضع رئيس الوزراء يده تلتها مباشرة يد الحاخام وأقسموا باسم الربِّ ليضحّون بالغالي والنفيس في سبيل تحقيق مجد إسرائيل.
***
أدّى يعقوب طقوس صلاته كما هو متعود، لكنّها هذه المرّة أداها صلاة شكر، وانزوى في المعبد ليشكر الله على نجاع اجتماع الكابينت. ولمّا همّ بترْك المعبد؛ ناداه حبره الذي يلقنه الصلاة منذ أربعين عامًا ولم ينقطع عن تلقينه مطلقًا.
قال غاضبًا: «يعقوب يا ولد، تعال.»
فاندهش يعقوب لتذمّره وغضبه، استدار ملبيًا: «لبيك وسعديك أبتِ.»
ثمّ هرول إليه وانكب على يده وقبلها.
سحب يده تقززًا ثم قال: «ما هذا الذي سمعته بشأن اجتماعك السبت الفائت؟ أذئبٌ أنت؟!»
رد مندهشًا: «لم أكن ذئبًا، بل خادم دولة إسرائيل.»
قال بصوت عالٍ وهو يزمجر: «بالدم! بالحرب! بالثأر والانتقام! أمْ بغدر دولة تساعدنا كأمريكا؟!»
- «ليست هناك وسيلة أخرى غير ذلك.»
قال بصوتٍ هادئ: «يعقوب، أنا لا أخالفك أنّنا أبناء الله وأحبائه وأسياد العالم، لكنّ الربّ يحبّ السلام، ويحبّه أيضًا من أحبائه.»
- «سيدي، وهل العالم سيقتنع أنّنا أسيادهم وهم عبيد؟»
- «يقتنع أو لا يقتنع فهذا شأنهم.»
- «معذرة سيدي، التاريخ أثبت العكس سيدي، حاولوا أكثر مِن مّرة استئصال الجنس اليهوديِّ كلّه مِن على الأرض بسبب عدم قناعتهم بهذا المعتقد حاخامنا المعظم.»
- «ما حاولوا ذلك إلّا لأنّنا ضللنا، يفكرون بطريقتك الآن، كنّا دائمًا نحاول أن نأخذ حقنا بالثأر ولذلك قتلنا، علينا باستخدام التسامح الذي أنادي به دائمًا.»
- «معذرة سيدي، التسامح لا يصلح مع اللئام؛ مما سوف يتسبب في هزيمتنا.»
- «يعقوب، بل الثأر والحرب هما اللذان سيمحواننا مِن على الأرض.»
- «معذرة سيدي، أنا مقتنع بما أفعل.»
صرخ غاضبًا: «يعقوب، يعقوب، احذرْ، ارجعْ، أبذر الرحمة والحبَّ والتسامح، يعقوب، إسرائيل في عنقك لا تضيعها.»
- «معذرة سيدي، الجنس غير اليهوديِّ متمرد ومتكبّر ومصّاص للدماء، كلهم لئام، فإن فعلت بحسب طريقتك سيركبونا كالبغال.»
قال ولا يزال يصرخ مع ظهور الغيظ على ملامح وجهه: «طول ما أنا حي لا تدخل هذا المعبد، اخرجْ مطرودًا كإبليس؛ عليكَ اللعنة.»
خرج يعقوب من المعبد عازمًا على ألَا يعود حتى يحقق هدفه ويثبت صحة رأيه.

***



حكمة: صريف أقلام التوراة تُدمي قلْب العروبة...
جلس فهمان وجاك لتناول العشاء وهما يشاهدان التلفاز، قال فهمان لجاك: «أتمنى بناء مصادم جديد غير هذا الذي في سيرن fcc-1 -هو مصادم متوقع انشائه خلفاً لمصادم hlc
فقال جاك: «وأنا أريد أن ابتكر مركبة تستطيع السفر إلى النجوم.»
وتبادلا النكات واللطائف حول حياة الصبا والشباب؛ وبالأخصّ عاميّ الجامعة التي مرّتْ، ورغم الذكرى الأليمة التي حدثت لفهمان إثر بلاغ اليهوديّ فيه إلَا أنّ جاك ذكرها وحولها إلى نكتة، حيث ذكر جاك نظارة جوجل للواقع الافتراضيّ ومنظر اليهوديّ وهو يسحب البلاغ.
ولا يزال فهمان يقهقه على شكل اليهوديّ أمام وكيل النيابة، وما زال يستخفّه السرور المرتسم في لمعان عينيْه وابتسامة شفتيْه، حتى وقع نظره على قناة تتكلّم عن الشأن العربي والمصريّ خاصة. فألقى بسمعه وبصره لسماع الأخبار. ولقد ساقته هذه الأخبار إلى تذكر اجتماع الكابينت الذي عقد منذ سنة تقريبًا. فأراد أن يعبّر فهمانُ لجاك عن قلقه إزاء هذا الاجتماع رغبة في كشف النقاب عنه.
قال جاك: «اعتقد يا فهمان أنّ لهذا الاجتماع أهمّية خاصة بسبب حضور الحاخام الأكبر.أظن أن العالم يطرق أبواب حرب نووية.»
وبينما يشاهد فهمان الأخبار وجاك لا يزال يتكلم عن أضرار اجتماع الكابينت؛ فإذا به يجد ظنون جاك تحوّلتْ إلى حقيقة، حيث تعلن القناة الإخباريّة ما توقعه الساسة منذ عام عن الشأن العربيّ، حيث توقّعوا انفجار المنطقة العربيّة بالثورات إثر الاجتماع السالف الذكر.
يقول الإعلامي على لسان بعض الساسة: «إنّ انفجار المنطقة مقترن بتثبيت أقدام الإسرائيليين على أرض فلسطين، فإذا سيطروا على كافة الأمور عليها كانتْ نذير فوضى في المنطقة العربية بأسرها.»
فهاله ذلك، وقدْ ذهبتْ البسمة التي كانتْ تسكن شفتيْه واحتلها الحزن، وقد ارتسم على ملامح وجهه العبس. فحزن جاك لحزن صاحبه، فدفعه لمتابعة الأخبار.
أضاف الإعلامي: «وقد أكدوا أيضًا أنّ اجتماع الكابينت ما هو إلّا مخطط محكم لقيام حرب نوويّة، وها هي توقعات الساسة تصبح حقائق تلقي بظلالها على أرض العروبة. ثورات عربيّة في كلِّ مكان، يظهر هذا جليّاً مِن خلال مشاهد مأساويّة تخطها شعوبهم بثورات عارمة تجتاح الشوارع والميادين. شعارات ثوريّة طوباويّة طموحة، إصرار وعزيمة على تغيير الأنظمة ومحاسبة المسئولين عن الفساد الذي استشرى في كلِّ بلد منها. الشعب يريد إسقاط النظام، يسقط يسقط حكم العسكر، ديمقراطيّة، حريّة، عدل ، مساواة ، فضلاً عن العبارات الشعبيّة السجعيّة والقصائد كذلك. يسيرون في الشوارع والميادين حاملين بين أيديهم جالونات ماء فارغة إشارة إلى العطش الذي عمّ معظم البلاد العربية.»
عاين فهمان هذه المشاهد عبر التلفاز، ثُمّ تذكر صفحة سوداء من تاريخ الأمّة العربية وبالتحديد ثورات الربيع العربي ، تلك الثورات التي أفقرتْ المنطقة وأرجعتهم لعشرات السنين إلى الوراء. ومِن هول ما وجد في هذه الصفحات السوداء مِن التاريخ خشي على مصر، فارتعد، ومن فوره همس متوجعًا: «مصر، مصر.»
وبيد مرتعشة أمسك روبوت التلفاز، وركّز على القنوات المصريّة ليعاين سير الأحداث؛ فلم يجد إلّا مباريات كرة قدم وأفلام ومسرحيات وأغاني وطنيّة وأفلام تسجيليّة عن حرب أكتوبر 1973. تركَ قنوات النظام وذهبَ إلى قنوات المعارضة والقنوات الأجنبيّة فوجد المشهد على حقيقته، ثورات عارمة في كلّ الشوارع والميادين والتحامات دمويّة بين النظام والشعب. ورصاص مطاط وقنابل مسيلة للدموع واختراقات الأجهزة الأمنيّة ومهاجمة السجون وتحرير محبوسيها و .. الخ .»
فقطّب غاضبًا وقال متمتمًا: «لو لم يحتوِ الجيش الأمر فستنهار البلد.»
فقال جاك مطأطأ الرأس: «صدقت، صدقت يا فهمان.»







 
رد مع اقتباس
قديم 09-04-2024, 05:52 AM   رقم المشاركة : 22
معلومات العضو
ابراهيم امين مؤمن
أقلامي
 
إحصائية العضو







ابراهيم امين مؤمن غير متصل


افتراضي رد: رواية قنابل الثقوب السوداء - أبواق إسرافيل "الرواية المشاركة في كتارا 2019-2020


وظلا يتابعان أحداث المظاهرات على القنوات الأجنبيّة وبعض القنوات العربيّة.
قالت القناة: «وفي الشأن المصريّ، خرجتْ جموع الشعب المصريّ من مختلف المحافظات حاملين جالونات مياه فارغة، أما القاهرة فقد تمركزوا في الميادين الرئيسة وخاصة ميداني التحرير ورابعة؛ فضلاً عن وقفات احتجاجية أمام الوزارات ولاسيما وزارة الدفاع.»
أخبار هذه المظاهرات تأتي أولاً بأول إلى وزير الدفاع -مهديّ- والمجلس العسكريّ. ومهدي لا يؤمن بهذه الثورات، وظل في حالة غليان محدثًا نفسه: «لن أهدأ حتى تنتهي هذه الثورات بأمان.» بينما المجلس العسكري كثيرًا ما يخاطب بعضهم بعضا قائلين عبارة: «ها قد فعلناها، لقد نجحنا.»
بدأ الإعلام المصريّ يهتزُّ ويتذبذبُ في مناصرته للنظام بسبب تلك الجموع الغفيرة التي قد تتسبّب في عزْل الرئيس الحالي والمجيء برئيس يعمل على محاسبتهم، فآثروا الصمت.
أمّا يعقوب إسحاق فيتابع المشهد من خلال التواصل مع أعضاء الموساد من قلب المظاهرات قبل أن تُبث إخباريًا.
أدار فهمان إلى قناة أخرى تُبثّ من دولٍ تعارض النظام.
قال الإعلاميّون منها: «خرج المتظاهرون بعد نفاد الماء كلية من الدولة فضلاً عن قلة الزاد، يعلنون بسلمية تامة رغبتهم في تغيير النظام الفاسد، فواجههم النظام بالأسلحة الجرثومية والكيميائية حفاظًا على مؤسسات الدولة من الانهيار.»
علقّ جاك على الأحداث بأنّ رؤوس الحركات الثوريّة هذه من أعضاء الموساد الإسرائيلي. ومما قال أيضًا: «إنَّ أعضاء الموساد ظهروا بلحىً طويلة ونظموا أنفسهم فاندسّوا بين المتظاهرين لتشعل الموقف؛ فكانوا أعلامًا ورايات سارت خلفهما جموع الشعب المصريّ.»
وما زال الإعلاميّون يتكلمون، والبثّ مستمر لا ينقطع أبدًا.
حوّل فهمان القناة بيد مرتعشة فسمع لإعلاميّ إحدى القنوات التي تمالئ النظام الحاكم في مصر: «ولقد كان المتظاهرون يحملون جوالين تمتلئ بذخائر حية، وقد كان بعضهم يحمل أسلحة محرّمة دوليًا تمّ تهريبها عبر أنفاق سيناء، وقد قام الإرهابيون بحرق عربات الأمن، ولقد فشلوا في نسف مؤسسات الحكومة بالقنابل الذرية.»
ولقد كان مؤيد يتابع الأخبار من نفق الوادي الجديد فسمع هذا الكلام فانفجر ضاحكًا، حتى أنهكت قهقهاتُه أحباله الصوتية فسعل سعلات أدمعت عينيه، بينما عبد الشهيد قال هازئًا: «أحمد الله، أنّا بريء.»
ومن تل أبيب، نجد إسحاق يعقوب قد تملكته هيستريا من الضحك المتواصل.
قلّب فهمان القنوات بجنون بحثّاً عن خبر عن المجلس العسكريّ فسمع لجماعة من أفراد الشعب تقول: «كنّا نرابط من بعيد بجانب صناديق القمامة الفارغة انتظارًا للطعام الذي يأتينا من داخل الوحدات والكتائب في الجيش، وأحيانًا كانت تصلنا رسائل من الذين يأتوننا بالطعام، يقولون فيها بأن مهديّ يسلم علينا ويدعوننا بالتحلي بالصبر حتى تخرج مصر من أزمتها.»
سمعها فهمان فشعر بوجود أمل، وسمعها مهديّ فأجهش بالبكاء.
قال جاك معلقًا: «وهذه هي الحقيقة يا فهمان، لقد تراءى للغالبية مِن أعضاء المجلس العسكريّ الخروج على هذا الحاكم الدمية الخائن، وأنّ هذا في مصلحة البلد، بينما الموساد ينظر إلى الثورة المصريّة مِن زاوية أخرى، فزاويته هي رؤية الثورة بأنها فوضى ستؤدّيّ إلى حروب داخليّة وانقسامات داخل الجيش.» سكت هنيهة وأخذ نفسًا عميقًا ثم قال بفطنة: «وهكذا اتفق الاثنان على حتمية الثورة، لأن فيها إصلاحًا لكليهما.»
ومن داخل مبنى المجلس العسكري نظر مهدي إليهم بحنق وقال: «أنا أعلم جيدًا أنّكم تخططون للخروج عليه منذ عامين ولقد نهيتكم.»
قال أحدهم: «نعلم يا مهديّ أنّك تعرف، ولذلك اخترناك من بيننا لتأخذ بيد مصر وتخلصها مِن ذلك الخائن الغادر، ونجلّكَ ونقدّركَ بسبب زهدك في الحكم، وحبك وخوفك على مصر.»
ردّ مهديّ بصوت فيه حيرة: «وماذا علىّ أن أفعلَ الآن؟»
ثمّ قال بصوت مرتفع فيه سخرية: «أضربُ في الشعب بالسلاح النوويّ أمْ أجعله يعرّي الجيش ويطأ بأقدامه الزيَّ العسكري فيدنّس شرفنا؟»
فقالوا له قول الواثق المدرك: «اعقلَها يا سيادة الوزير، اعقلها يا مهديّ. أقولًُ لك ماذا يجب علينا فعله، نعزل الرئيس ونحاكمه ونعينك رئيسًا للجمهوريّة في انتخابات لاحقة.»
فردّ زاهدًا: «ومَن قال إنّي أريد رئاسة الجمهوريّة؟ أعلم أنّ كل الجيش يحبني، ومع ذلك لا أريد أن أنقلب على الرئيس، كما أني لا أحبّ الثورات. وأرى حتمية مجابهة الثورة بالحلم والرويّة.»
بينما هم على هذا المراء والجدال نظروا إلى شاشة التلفاز التي تبثُّ المظاهرات، فشاهدوا المتظاهرين ينادون بعزل الرئيس ومحاكمة رؤوس النظام الفاسد، كما نادى بعضهم بتبني مبدأ الاشتراكية وتفشيه فيما بينهم حتى تقلل من الفجوات الطبقية بين شرائح المجتمع المختلفة.»
نظر إليهم ولوّح بيده وقال لهم: «هذه الشعارات من تخطيط المنظمة الماسونيّة، ها هي تفعل الأفاعيل بنا، شيوعيّة واشتراكيّة وديمقراطيّة وما خفي كان أعظم.» ثمّ رفع سبابته قبالة وجوههم معاتبًا: «أنتم الذين أعطيتموهم الفرصة للتوغل والاندساس في صفوف المتظاهرين ليطالبوا بهذه المذاهب المدمّرة للمجتمعات العربية.»
ومن تل أبيب، قال كذلك يعقوب إسحاق كلمته تعليقًا على المشهد بتزامن غير مقصود مع كلمة مهديّ لأنّ هذا لا يرى ذاك والعكس: «ها قد نجحنا. » ورفع يديه إلى أعلى وأخذ يكرّر: «حققنا هدفًا في مرماهم، دخّلنا هدف.» ثمّ هاتف رئيس مخابراته قائلاً له: «أرسل المزيد من أفراد المنظمة.»
نظر مهديّ وكلمهم مستطردًا: «للأسف لم تتيحوا لي حلاً آخر، لابدّ من إنهاء الأزمة التي رسمتم ملامحها أيّها الأغبياء، فهذه المطالب الغريبة وهذه الدماء الفائرة ليس لها علاج إلّا عزله.»
قالوا بصوت واحد: «توكّلْ على الله.»
لوى مهديّ عنقه وكرّر كلمتهم بميوعة، فغرضه الاستهزاء بفعلهم: «توكّل على الله، توكّل على الله، إذن استعدوا لانقلاب قد يذهب بدماء آلاف الأبرياء إن لمْ ينجح، واعلموا لو دخلت القوات الأمريكيّة البلد فكلنا سنذهب وراء الشمس.»
نظر بعضهم إلى بعضٍ مبتسمي الثغور، ثمّ هبّوا بكلمة واحدة تنمُّ على توحيد القلوب والصفوف: «توكّل على الله.»
لم يهنأ فهمان بعيش مطلقًا بعد هذا الذي يحدث في مصر، فراشه لظىً، ونهاره كبد. يرى جاك حالته تلك ولم يألو جهدًا في مواساته، فكثيرًا ما يقول له بأنّ المجلس العسكريّ سيحتوي الموقف.» لكن حاله لم يتغير فقد سطت الكارثة على مداركه فشلت كلّ شيء فيه.
ولأول مرة يفتقده جاك، افتقده كثيرًا حتى اعترته العصبية في صحوه ونهاره لدرجة الجنون.
حتى إنه ذات يوم خرج وحده إلى الجامعة بعد أن فشل في إقناع فهمان بحضور هذه المحاضرة الهامة، فلمّا وصل جلس في مقعده، ونظر إلى مقعد فهمان الفارغ فاغتمّ وبكى، فجأة، جاء أحد الطلّاب وجلس في هذا المقعد، فنظر إليه جاك وقال له: «قمْ من هنا أيها الفتى المتسلّط.» فردّ عليه: «أنا لم أكن ساطٍ أيها الفتى المتعرّب.»
فقام جاك ورفعه بيدٍ واحدة وألقاه من نافذة القاعة، ثمّ ترك المكان يضرب بكلتا يديه وقدميه كلّ ما في طريقه.







بطل استثنائي
تناول بيتر صحيفة علمية حديثة الإصدار تتكلم عن مصادم fcc-1 بسيرن ليتابع أخبار ابن فطين. وأثناء تناوله لمعطيّات الأخبار قام بعمليات بحث بسيطة على الحاسوب ليعلم حجم الإنجازات العلميّة التي وصل إليها الفتى، فوجد -الانجازات- قد بلغتْ عنان السماء، وهي الآن على أبوابها تريد أن تطرق وتخترق كلّ الحُجب والأستار. فأعجب بذلك كثيرًا، ودفعه ذلك الإعجاب إلى مهاتفة مؤيد: «اذهبْ إليه يا ولدي كما قلت لك سابقًا.»
- «هذا ما نويت عليه بالفعل.»
- «رحم الله فطين، قد كان على حق، وهذا يؤكد أنه ذو فراسة منقطعة النظير.»
وفور أن أنهى مكالمته أرسل إلى عبد الشهيد -إنّه حافّ الشارب كثيف اللحية يلبس جِلبابًا قصيرًا يتعدّى ركبتيه أو كاد، وسروالاً يبلغ نصف ساقيه، يعتمُّ بعمامة بيضاء- ليصطحبه إلى مكان كان كثيرًا ما يجلس فيه وحده، وقال له: «يا عبد الشهيد، اِدفنّي هنا.»
- «أطال الله عمرك يا جدّي.»
ثمّ توكأ عليه قاصدًا حجرته ثمّ قال له: «يا عبد الشهيد، دعني اختلي بربّي ساعة أؤدّي فيها صلاتي، ولا تدع أحدًا يدخل عليّ.»
وفي خلوته قرر أن يترك لهذا العالم رسالة عامة؛ تحمل في مضامينها دعوة إلى السلام منوهًا إلى بشاعة الاحتلال الإسرائيلي واضطلاعه الصارخ في تأجيج الصراعات العالمية لاحقًا، فضلاً عن دور الدين في تأسيس هذا الصراع.
ومن أجل ذلك، رجع بذاكرته إلى الماضي، وبالتحديد لحظة هروبه مِن فندق هيلتون طابا حتى اللحظة الراهن -لحظة الموت- فأمسك بورقة وقلم ليضع رسالته - رسالة قصة أعظم خبير فيزياء طبية عرفه التاريخ-: «خرجتُ مِن الفندق خائفًا حزينًا، فقد هالني منظر صديق عمري وهو يموت تحت تأثير السمّ -وأعلمُ أنّ فرصة نجاته مستحيلة؛ لسمية البوتولينوم الشديدة - وخشيت أن يتبعني القتلة، فركبتُ سيارتي أعدو بها إلى حيث لا أدري، المهم أن أضمن ألّا يقتفي أثري أحد، فوصلت إلى إحدى الصحاري الفسيحة، عندئذ، اقتعدتُ الأرض، وتناولتُ حفنة مِن ثرى مصر وشممتها؛ فانتفض جسدي وارتعش، واغرورقتْ عيناي بالدموع على صديق عمري الذي اُغتيل بسبب هذا التراب الذي بيدي. ثمّ تأملته قائلاً: «التراب هذا في كلّ بلد، لكنه تراب من انتمى إليه، والشرفاء ينتمون إلى الأوطان الطيبة، وأنا أعشق تراب فلسطين. أعشق تراب فلسطين التي وما زالتْ بين أنياب منظمة صهيونيّة عالميّة. علىّ أن أصل إلى التراب الذي أحبّه، التحفه غطاءً وافترشه مرقدًا، وأناصره نصرًا مؤزرًا.
فوثبتني عزيمتي؛ فانتصبت قائمًا وعلى الفور هاتفتُ مؤيدًا الذي أعرف حبه لفلسطين جيدًا، ولا يجهل حبي لها -فلسطين- كذلك.
طلبتُ منه أن يأتيني. فآتاني مِن الوادي الجديد، واصطحبني مباشرة إلى منزله الكائن فيه. كلّمته على كلِّ ما يجيش بصدري وأخبرته بحادثة الفندق، وما كنت أنتوي فعله منذ أن جئتُ مع العالم المصريّ -ألا وهو مناصرة القضية الفلسطينيّة- وبالفعل قادني إلى هنا -نفق اتحاد المقاومة بالوادي الجديد- وكانت مهمتي القيام بعمليات زرع الوجوه لأفراد اتحاد المقاومة ليستطيعوا التخفّي والاندساس بين أفراد المخابرات الإسرائيليّة، وأقوم كذلك بإجراء عمليات لغير أفراد اتحاد المقاومة ليدفعوا لنا ما نستعين به على مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. ولقد قمتُ بالعديد من العمليات وأفدتُ المقاومة بمليارات مِن الدولارات. وإنّى أعلم أنّ السي آي أي والموساد يجدّون في البحث عنّي، وسيعرفون لاحقًا أنّ بيتر لم يكن ناكرًا لمعروف بلده، بل أراد أن يسدي لها معروفًا بمناصرة القضية الفلسطينية بعد أن ارتكبت بلده -أمريكا- كبائر الذنوب بخذلانها.
ودومًا أسأل نفسي: «طول عمرك يا بيتر وأنت تبحث عن كينونة الإله ولم تهتدِ لشيء، طول عمرك تبحث عن الدين الذي تودّ اعتناقه ولم تهتدِ لشيء، الشيء الوحيد الذي اهتديت إليه أن تكون إنسانًا موحدًا يا بيتر، وأن تناصر الإنسان، ولكن أين التوحيد؟ في القرآن، أم الإنجيل، أم التوراة. أين المفرّ .. المفرّ .»
وألقيتُ الورقة والقلمَ، وحملت القرآن والإنجيل بقوة، وقلتُ الآن أبحث عن الإله فيهما، وقرأتهما، فوجدتُ الإله في كليهما، وحرتُ ولم أستطع الاختيار، فكتبت ورقة ووضعتها بين الكتابين المقدسين حتى يقرأها مؤيد ويرسلها إلى كل أديان الأرض، ثمّ ألقيتهما جانبًا وألصقت جبهتي بالأرض لأطلق آخر أنفاسي في هذه الحياة. والآن، تهدأ العيون وتنام يا بيتر، ويطيب المنزل إن شاء الله، اليوم ألقى ربّي بوضع خدي على ثرى وطأته أقدام رجال اتحاد المقاومة الفلسطينية ولي الشرف . إمضاء بيتر، رسولٌ للسلام.»
وأطلق أنفاسه الأخيرة وهو يعطر أنفه بثرى النفق. افتقده عبد الشهيد فهرول إلى خلوته فوجده قد مات، فانهمر دمع عينيه ثم ما لبث أن هاتف مؤيدًا ليخبره أنّ بيروفيسور بيتر انتقل إلى رحمة الله تعالى وقد أدّى صلواته قبل أن يموت.
وفور وصول مؤيد لتوديع الجثمان -قبل وضعه في غرفة التبريد العميق كما هو معتاد لمُتوفي أفراد الاتحاد- سأل عبد الشهيد: «أيّ صلاة أدّاها؟»
فأجاب: «لا أدري، كلّ ما قال لي: «يا عبد الشهيد دعني اختلي بربي ساعة أؤدّي فيها صلاتي ولا يدخل علىّ أحد.»، فسألته: كم ركعة ستصلي؟» وطأطأ رأسه وهو يلوح بيده اليمنى وقال: «سألته يا دكتور لأعرف أيصلي صلاتنا أم صلاة النصارى؟
فقال لي: «ألم يكن ربّ القرءان هو ربّ الإنجيل هو ربّ التوراة يا عبد الشهيد؟».»
- «وأين هو؟»
- «في الداخل.»
دلف مؤيد الباب ودخل، فوجد على صدره كتابيْن أحدهما داخل حافظة قاتمة والآخر عارٍ، أزاحهما ثمّ احتضنه وصرخ باكيًا بصوت متهدج متململ يصاحبه خنين: «والله لرائحتك وأنت ميتًا أزكى عندما كنتَ حيًا! ولم لا وقد عشتَ للحقّ،ِ ومتّ على الحقّ، وكنت مثالاً للعالِم الذي وظف علمه لمناصرة الحق، مناصرة الإنسانية التي تتبلور في أوج صورها عند مناصرة القضية الفلسطينية.»
وظلّ بجانبه فترة يمعن النظر في ملامحه الملائكية التي ودّعتْ الحياة، ثمّ رفع الكتاب العاري فوجده الإنجيل، وتلاه رفع الكتابِ الثاني وفتح السوستة القاتمة ليراه، توسّع بؤبؤا عينيْه وانكفأ بنصف جسده إلى الأمام وحدّق فيه، ثمّ فتحه؛ فوجده هو هو ما كان على حاشية الكتاب "القرءان الكريم" وكان هناك خيط رقيق في أوّل سورة المائدة. فوقع في نفسه أنّه كان يبحث عن الحقيقة.
فهمس له قائلاً: «أعتقد أنك وجدت الحقيقة، ولم لا وقد وجدتها من قبل في شأننا (يقصد مناصرة دولة فلسطين)، ولم ألحظك طول فترة بقائك لدينا أنّك صليت، لا صلاة المسلمين ولا صلاة النصارى، ولكني متأكد أن أمسكت رأس الحقيقة، ولقد استعصى علينا معرفة ذلك عنك لأنها -الحقيقة- كانت بداخلك لم تجهر بها.»
انتهى من حديثه له، ثم جلس بجانبه ساعات ليمتع أنفه برائحته، وتلذ عينيه بالنظر إله. ثم أخذ يتدبر في شأن الدينين، ومؤيد لا يؤمن إلّا بالإسلام كما قال ربنا "إنّ الدين عند الله الإسلام " لذلك تمنّى أن يكون بيتر تُوفي عليه.
ظلّ مؤيد على هذه الحالة، والحارس بالخارج يتعجّب من طول مكوث مؤيد حتى إنّه ذهب إلى عبد الشهيد يخبره بالأمر.
فقال له عبد الشهيد: «دعه، لعلّ الاستئناس بالأموات خير مِن الاستئناس بالأحياء في هذا الزمان ولاسيما عندما يكون المتوفي مثل بروفيسور بيتر.» وصمت متدبرًا وعيناه تذرف الدمع الحار عليه ثم دعا له: «الله يرحمك يا بيتر ويدخلك فسيح جنّاته.»
ولمّا همّ بالخروج لحظ الخطاب الذي سرد فيه بيتر كلماته فقرأه، وفور أن انتهى قال: «هذه رسالتك المقدسة إلى هذا العالم يا أبتِ؟ أتظن أن حسنات مناصرتك لنا ستغفر سيئات دولتك؟ أبتِ، إن الله لا يصلح عمل المفسدين، فهل تستطيع أن تصلحه أنت، هيهات، هيهات.»
دخل عبد الشهيد فوجده مؤيدًا يتحسر ويبكي فقال: «كفى يا أبتِ، كفى، لكفى وهيا نواري سوءته (يقصد تحنيطه).»
ردّ مؤيد متحسرًا: «لن نحنط بعد اليوم، فأنت تعلم أننا نحنط لأن بيتر الوحيد الذي كان يستطيع أن يزرع الأعضاء.»
قال عبد الشهيد: «أظنك تستطيع أن تعطينا كما كان يعطينا، و...»
قاطعه: «كان بارعًا ولا نظير له، ولا يمكن لأحد أن يعطي عطاء بيتر، لقد كان بطلاً استثنائيًا، يا عبد الشهيد، أؤمر قومك أن يصلوا عليه صلاة المسلمين قبل دفنه.»



المستحيل
بعد عدة أيّام من وفاة بيتر استقلَّ الطبيبُ مؤيد الطائرةَ المتوجّهة إلى جنيف لمقابلة ابن فطين، ومقابلته قد تكون فيها خطورة عليه، وذاك لأنّ فطينَ قد جاءه وفْد مخابراتي من السي آي أي ليحقق معه في شأن بروفيسور بيتر، وبالتالي فهم يرصدون الوجوه الغريبة التي تقابل ابنه لعلّه يمثل خيطًا لهم ليصلوا إلى بيتر رغم مرور أكثر من أربع سنوات على وفاته.
ومن المعلوم بالضرورة أنّ فهمان نفسه مراقب، من الموساد والسي آي أي معًا. ظل مراقبًا مدخل منزله ترقبًا لعودته، وفور أن رآه فهمان انطلق إليه مهرولاً ملقيًا بنفسه في أحضان مؤيد. فهو من رائحة أبيه، فضلا عن أن أباه أوصاه به، ولم ينس فهمان أنّه مَن أرسل له المال ليستكمل دراسته الجامعيّة والعليا، لم ينس كذلك الخطاب الذي أخبره فيه بوفاة والده، ولاسيما عبارة التوصية التي وصاه بها أبوه من جعل مؤيد سندًا له.
وأخذ يبكي بحرقة على كتف مؤيد وهو يقول بصوت متهدّج: «لِم لَمْ تراسلني طول كلّ هذه المدة؟»
فأجابه: «لدواعٍ أمنية يا ولدي.»
أدخله فهمان، ولقد لاحظ بأن أحد يرقبه، ولكنه لم يكترث هذه الساعة.
قال مؤيد: «بصراحة يا ولدي أنا جئتك في مهمة رسميّة.»
- «وأنا رهن إشارتك أبتِ.»
- «هل من أحد يقيم هنا غيرك؟»
- «لا.»
أخرج مؤيدٌ جهاز كشف التنصّت، وعندما اطمئن من عدم وجود شيء
تمتم بصوت منخفض: «أنا من أفراد المقاومة الفلسطينيّة.»
هبّ دهشًا كأنّه كان نائمًا، وسقط أبوه في روعه ومدى علاقته بالقضية الفلسطينيّة، ولذلك زايلته الدهشةُ ودنت منه الفرحة وقال: «إنّه خبر سعيد، أرجو أن يكون أبي منهم أيضًا.»
قال مطأطأ رأسه: «أبوك كان منّا يا ولدي، فقد ساعدنا كثيرًا.»
- «الحمد لله.» وشرع يدندن بالحمد والتهليل مترحمًا على أبيه.
أمعن النظر إلى فهمان وذكره: «أتذكر يوم أن رفع تذكرة الدخول في سيركه؟»
سرح كثيرًا وتذكّر يوم ضرَبه والده بشأن تجربة الحركة بتأثير الدماغ واتهامه لأبيه بالنصب والكذب، ووجد الإجابة على سؤال مؤيد عندما تذكّر قول أبيه: «لمّا الناس تدفع ضرائب لأجل المحافظة على هويّتهم وأعراضهم يكون هذا عارًا؟ لما دولة عربيّة تدفع لأخرى مِن أجل دفع ضرر المعتدي عليها يكون هذا عارًا؟»
ثم أجاب على نفسه بعد هذه التذكِرة: «لا لا يا أبتِ.»
قال مؤيد: «رفْْْع التذكَرةِ كان من أجلنا، من أجل أن يرسل لنا مالاً نتحصّن به، ولولا أبوك لهلكنا تحت الأرض.»
عندها سمع من مؤيد ما تخيّله منذ هنيهة فتأثّر بشدّة، اغرورقتْ عيناه ثمّ قال بصوت متهدج: «يا حبيبي يا أبي، لقد كدت أظلمك وأنت بريء، كان يجب عليك أن تخبرني حتى لا أسيء الظنّ بك.»
- «رحمه الله، كان أعظم الرجال.» ساد الصمت لحظات، ثم قذفه مؤيد قائلا: «فهمان يا ولدي، الأنفاق محاصرة بأدق الوسائل التكنولوجيّة، نريد وصول الإمدادات من الخارج لأفراد اتحاد المقاومة، نحن نتهاوى يومًا بعد يوم.»
ردّ بصوتٍ متهدّج وهو يكفكفُ دموعه: «الله ينجيهم، وما بوسعي أن أفعله؟ اؤمرني، رقبتي فداكم.»
- «نريد إيجاد وسيلة للدخول إلى الأنفاق والخروج منها دون أن يرانا أحد.»
- «مستحيل، العلم لم يصل بعد لهذه التكنولوجيا، العلم لا يزال عاجزًا عن إيجاد تفسير لبعض الظواهر الفيزيائية، والتخفي من ضمن هذه الظواهر.»
قال مؤيد متوجعاً: «لا يوجد حل إذن.»
- «يا أبتِ، إنّ عليكم من البداية أن تتنفقوا أنفاقًا بها مياه جوفيّة غزيرة، وأن يكون معكم خبراء في الطبِّ والزراعة وصناعة الأسلحة و... إلخ» وظل فهمان يتكلم ولم يبلغ كلام فهمان مسمع مؤيد؛ فقد لطمته الكارثة.
لقد لحظ فهمان توهان مؤيد، فأراد أن يغير مجرى حديث لا فائدة منه رغم الألم الساري به، ولذلك سأله: «أكيد أنتم مَن زرعتم له الرأس؟»
- «الله يرحمه، بروفيسور بيتر هو من فعل ذلك.»
دهش فهمان، ومن فوره اعتدل متسائلا بجموح: «تقصد بروفيسور بيتر العالم المختفي، أكفأ عالم فيزياء طبيّة عرفه التاريخ.»
ترحّم على بيتر بصوتٍ غير مسموع ثمّ جهر بقوله: «لا أمل إذن، يأتي الله بالحلّ مِن عنده إن شاء.»
ترك مؤيدٌ فهمانَ ومضى مكسور الخاطر قاصدًا العودة إلى مصر.







 
رد مع اقتباس
قديم 12-04-2024, 04:58 AM   رقم المشاركة : 23
معلومات العضو
ابراهيم امين مؤمن
أقلامي
 
إحصائية العضو







ابراهيم امين مؤمن غير متصل


افتراضي رد: رواية قنابل الثقوب السوداء - أبواق إسرافيل "الرواية المشاركة في كتارا 2019-2020


صبيحة يوم مناقشة رسالة الماجستير لحظ فهمان -وهو في الشارع- وجود كثرة من رجال غرباء يتبعونه، فخشي أن يمنعونه من حضور رسالته بيد أنه تساءل من جديد: «لو أن هؤلاء يريدون أذيتي لآذوني منذ زمن، إني أظنهم من الموساد.»
ارتدّ خائفا قاصدا العودة إلى منزله -وهو منزل خاص به من منازل المصادم- وعندما دخل كان مصباحا حجرة نومه وردهة الشقة مضاءين، فلمّا أغلق الباب انطفأ مصباح حجرة النوم على الفور، فتأكد فهمان أنّهم يرقبونه من خارج المنزل وداخله أيضًا. فولى هاربًا متوجهًا إلى قاعة كلية العلوم.

رسالة ماجستير
اسم الطالب: «فهمان فطين المصريّ»
تخصص الرسالة: «الفيزياء النظريّة»
الموضوع: «إمكانيّة بناء مصادم fcc-2 لاكتمال النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات»
المشرف على الرسالة: «ثلاثة من أساتذة جامعة جنيف»
لجنة المناقشة: «لفيف من أساتذة كليّة العلوم بجنيف»
ومن الضروري معرفته أن اللجنة أجلت موعد المناقشة أكثر مِن مرّة بسبب الدور الخطير الذي قد تلعبه رسالته في الحرب المحتملة القادمة.
القاعة: «كليّة العلوم بجنيف»
تاريخ الجلسة: «في المستقبل»
تملأ الرهبةُ أعضاءَ فريق المناقشة بسبب خطورة ما قرؤوه في الرسالة، حيث وضع تصورًا لمصادم أسماه مصادم fcc-2، وإنه لتصور خطير؛ ويزيد من خطورته احتمالية حدوث حربًا نوويّة ولاسيما بعد نجاح الرئيس الأمريكي رامسفيلد -العميل الصهيوني- في الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
أما الحاضرون، فقد كانوا شخصيات بارزة في العلوم الفيزيائية، ولم يكن ذلك فحسب؛ بل حضر أعلام ورموز سياسية لها ثقل رهيب في دولهم.
وكان من بين هذه الشخصيات العلية بروفيسور من الموساد، ولقد حضر خصيصًا ليحدّد مدى أهمية الرسالة المطروحة وخطورتها على الأمن الإسرائيليّ. ولقد حضر أيضًا رئيس جامعة بيركلي، ذاك الرئيس الذي كان يترقب هذا اللقاء على أحرّ من الجمر ليأخذ فهمان -إذا حصل على الماجستير - إلى أمريكا للوفاء بعهده الذي وعده إياه قبل الرحيل من كاليفورنيا (وعده فهمان مسبقًا ببناء المصادم على الأراضي الأمريكية).
أمّا مهديّ وميتشو كاجيتا فيتابعان اللقاء من خلال البثّ الهوائيّ للرسالة.
ولقد تحفز الناس أيما تحفز لحضور المناقشة لعلمهم السالف بمشاركته الفتى الأمريكي -جاك- في إطفاء حريق الجامعة.
ولكن هناك من حضر وتخفى تحت الأستار وهما فريقان: الأول الكيدون الإسرائيليّ، أما الآخر فهو الحرس الجمهوريّ المصريّ.
ولم يفت جاك أن يقف بجانب صديقه الأوحد في مثل هذه الظروف الحالكة، فجاك يتوجس شرًا من اللقاء لعلمه بخطورة محتوى الرسالة.

العرض التقديمي
جلس فهمان على طاولته وبجانبه حاسوب ذو شاشة عملاقة، يحتوي الحاسوب على صور للعديد من مكونات المصادم الهادروني المستقبلي fcc-1 الكائن الآن هنا في سيرن.
أخذ فهمان يشير بعصا في يده على تراكيب المصادم الحالي، ثمّ يوضّح طرق تطوير مكوناته ليصبح fcc-2.
وعندما قال: «هذا المصادم طاقته 400-500 تيرا إلكترون فولت.» صاح الحاضرون؛ فأوجس في نفسه خيفة؛ فتوقف عن الكلام. والصياح معزو في الأساس إلى حجم الطاقة الرهيبة التي قد تتسبب في فناء كوكب الأرض إذا ما ولدت ثقوبًا سوداء تشبع جوعها بالتهام ما حولها؛ مما يترتب عليه تضخمها. وبالتالي فلن تشبع حتى تلتهم كوكب الأرض كله، ثم تمتد بعد ذلك لتلتهم المجموعة الشمسية، ثم تظل على هذا المنوال حتى تلتهم الكون كله.
هذا التصور معروف لدى الفيزيائيين؛ بل لدى الطلبة المتخصصين في دراسة هذا المجال.
نادى جاك على فهمان وحفزه على التماسك كي يستطيع طرح وجهة نظره بثقة واقتدار.
فأكمل فهمان: «ليناك 4 الموجود حاليًا في fcc-1 -الذي يعتبر الحلقة الأولى في السلسلة التي تقوم بإرسال الجزيئات إلى داخل مُصادم الهادرونات الكبير وتسريعها من خلال ثلاث حلقات بداخله- لعب صبيان؛ لأنه سيعجز عن تسريع دفقات البروتونات الجديدة والتي تقدر ب 1000مليار بروتون، وأنّنا في حاجة لتطويره وخاصة الحلقات المتتالية الثلاث المسئولة عن زيادة سرعة الحزم تدريجيًا وضخّها داخل المصادم. لابدّ من تطويرها ليتناسب و fcc-2، لابد أن يطور ليصبح ليناك 64. ومغانط fcc-1 لم تكن أحس حالًا أيضًا، لأن ملاحتها سوف تعجز على توجيه الحزم وتسريعها داخل المصادم fcc-2 بسبب كثرة البروتونات الموجهة للارتطام، ولابد من تطويرها وزيادتها إلى 60000مغناطيس أفقيًا ورأسيًا، والعمل على زيادة درجة برودتها أكثر.»
وظل يتكلم على ما يربو عن خمس دقائق عن مكونات المصادم القديم وكيفية تطوره ليناسب الطاقة الجديدة.
وعندما قال: «لابدّ من بنائه لينقذ البشريّة من المستقبل القاتم، لابدّ من بنائه في.» تلعثم ثمّ صمْت يأسًا وهدته الحيرة والخوف فخرّ على كرسيّه مهدودًا.
تعجب أهل التخصص والساسة من قوله: «لابدّ من بنائه لينقذ البشريّة من المستقبل القاتم.»، وتساءلوا فيما بينهم عن مراد الفتى، كما أن تلعثمه يدل على أنه يضمر أمرًا فيه خطر على العالم على حساب دولته -يقصدون أمريكا- وطرحوا سؤالا هاما وهو: «هل يريد الفتى نصرة الجنس العربي على الأجنبي ببناء ذاك المصادم على أرض مصر.»
قام فهمان ليخرج نفسه من المأزق الذي وضع نفسه فيه قائلاً: «عامة فى صفحة 196-199 من الرسالة ستجدون كلَّ ما شرحته من تطوير للمصادم في جدول موازنات. هذا الجدول يبين إمكانيّة تطور fcc-1 إلى fcc-2 كما كان من قبل طُورlhc إلى fcc-1
ثمّ ألقى العصا وهو يقول: «بهذا المصادم الجديد المقترح في الرسالة سوف نكتشف غوامض الكون بسبب الأصدقاء الجُدد من الجسيمات التي من المتوقع تولّدها بفعل الطاقة الجديدة، مثل اكتمال النموذج القياسي، وخلْق ثقوب سوداء مجهريّة، والتي تمثل بوابات بُعديّة لأكوان أخرى.»
وفور ذكره ذلك هب الحاضرون وصاحوا به متهمين إياه بالخبل والجنون. عندها توجس مهدي شرًا فحفزه ذلك على مهاتفة الحرس قائلا: «استعدوا يا شباب، فيبدو أن الفتى لن يخرج من هذه المناقشة سليمًا.»
تسارعتْ كاميرات الصحفيين لتصوير المشهد الرهيب، أما الحاضرون والمشاهدون فرددوا قائلين: «لن تفتح لنا بوابة يا أبله، بل ستفتح لنا أفواه ثقوب سوداء.»
أمّا بروفيسور الموساد ففتح جواله وهاتف الكيدون بالخارج قائلاً: «تأهّبوا يا أبطال.»
وجاك يلملم كمي قميصه ويرفعهما إلى أعلى استعدادًا منه لخوض معركة حتى لا يذهب ضحيتها صديق عمره.
ورئيس لجنة المناقشة يدعو الحاضرين بالتزام الصمت حتى يؤدوا عملهم. ثمّ نظر إلى فهمان بتهكّم قائلاً: «أكملْ يا إسرافيل (يقصد فناء الكون من خلال الثقوب السوداء المتولدة من المصادم الذي ينوي بناءه).»
استطرد فهمان: «قد تكون الثقوب السوداء المتولّدة نتيجة استخدام هذه الطاقة من عمليات الارتطام حبلاً متينًا لربط الأبعاد المختلفة من خلال أنبوب الزمكان المشوّه.» صمت هنيهة ثم استأنف: «الأبعاد معكوفة ومطويّة ومختفيّة في قلب الثقوب.»

أغلق بروفيسور الكيدون هاتفه وهو يقول همسًا: «هل جُننت يا أحمق، تريد أن تأتينا بجنود من العالم الآخر لينضموا إلى العبيد من عالمنا هذا فيبطلوا مخططنا نحو قيام إسرائيل الكبرى؟ نحن ما زلنا نغرق في دمائنا من قسوة هذا العالم علينا.»
وظلّ فهمان يتكلم عن عشرات المعضلات الفيزيائية ويضع حلولاً لها من خلال مصادمه fcc-2، وختم حديثه بقوله: «وأريد أن أنوّه إلى...»
قاطعه رئيس اللجنة بسؤاله: «أين تودّ بناءه؟»
هب مهدي واقفًا، فقد أصابه الذعر من السؤال وعلق غيابيًا: «تبًا لك، ما شأنك أنتَ ببنائه يا أحمق؟ أم أنك مسلط من هؤلاء (يقصد إسرائيل بالعموم).»
أما بروفيسور الموساد فقد ظل مترقبا؛ تدور عينيه في رأسه يخشى أن يسقط صريعا لو ظهر انتماء الفتى لبلده وقرر بنائه فيه.
بينما بدأتْ الخواطر والذكريات تعصف بقلب فهمان، واسترجع كلامه في الماضي ومما تذكر قول أبيه له: «لا تعمل لديهم يا ولدي.» ثم تذكر وعده لرئيس ناسا ببنائه في أمريكا، فتصارعتا الرغبتان بداخله. وظل أمر أبيه يطرق أذنيه حتى تألم أيما ألم، بينما عيناه تكادان تكفا على إثر مناشدة رئيس الجامعة له من خلال إيماءاته ببنائه في أمريكا كما وعده.
فاستغاث فهمان من الرمضاء بنار الجحيم محاولا الإفلات من الإجابة عن السؤال؛ فأثار قضية هي أم كل الأخطار فقال: «لا تعنينا الأبعاد المتولدة من الثقوب السوداء وإنما تعنينا قنبلة الثقب الأسود.» لم يعبأ رئيس اللجنة بهذا القول وإنما أصر على سماع الإجابة على سؤاله قائلا: «قلت لك أين تودّ بنائه؟ لن تنال درجة الماجستير حتى تُعلم اللجنة أين تودّ بنائه حِفاظًا على الأمن العالميّ.»
في هذه اللحظات العصيبة ساد الصمت الرهيب الذي ملأ أركان القاعة وما حواها، ولكن تبادل النظرات بين البعض منهم وتركيز نظر بعض آخر على وجوه بعينها كانت السمة البارزة التي اعترت الجميع.
لكن معظمهم يركز بصره على فهمان انتظارًا لما سوف يجيب به على رئيس اللجنة.
فجاك ينظر إلى صديقه بإشفاق شديد، وبروفيسور الموساد يتوعد في روعه فهمان بالويل إذا كانت رغبته بناءه في مصر، والرئيس مهدي يراسل حرسه مجددًا استعدادًا لخوض ملحمة قتالية صعبة؛ إذ إنه يتفرس في فهمان الخير كما يتفرس أيضًا تعرض الفتى لشر يحيق به من بعض الموجودين بالقاعة. أما ميتشو كاجيتا فكل ما يرجوه أن يُبنى ذاك المصادم على أرض يستطيع الخروج والدخول إليها للشروع في تنفيذ مخططه القذر (وهو محو أمريكا كما ستبين الأحداث اللاحقة) عن طريق بعض التجارب التي يتوقع منها صنع قنبلة الثقب الأسود التي جهر بها فهمان دون وعيٍ منه.
وهنا بدأ الصراع الداخليّ يعاوده مرّة أخرى وبقوّة جامحة، وشرع يفكر في أمريكا وجاك وما فعله رئيس الجامعة له من تزكية مكنته من تسطير رسالته الآن، ولقد لمح في عينيه التأنيب والتوجع عن فعله، بينما على الجانب الآخر نجد أبيه مطلٌ من بين السحاب بفمه العطر يقول: «لا، لا تعمل لديهم.»
حاول فهمان أن يستنهض عزيمته علها تساعده على تحريك لسانه الملتصق بسقف حلقه، ازدرد ريقه ثمّ تابع التمتمة حتى بلغتْ حدّ الهذيان، وفجأة أحسّ بألم مفاجئ في الظهر، وتنميل في أطراف الجسد، كما أمسك بطنه متألمًا، وضاق تنفّسه وتعرّق عرَقًا شديدًا. ولم يشعر بما يدور حوله.
وتأكد بروفيسور الموساد أن فهمان يدين بالولاء للعرب بصفة عامة وبلده مصر بصفة خاصة من طول فترة صمته، حينها راسل فرقة الكيدون يأمرهم بقتل الفتى على الفور.
ومن نظرات بروفيسور الموساد على الشاشة التي تفرسها مهدي، ومن خلال حركة شفتيه -فهو يعرف اللغة العبرية- تأكد أن الخطر يحدق بفهمان فأمر هو الآخر بالالتفاف حول الفتى وعمل درع بشري حوله كي لا يصيبه أي أذى.
وبالفعل تمّ الاقتحام وبدأ الرصاص الحيّ ينطلق من مسدسات فريق الموساد، وبدأ فهمان يترنح في شلله إثر المعركة النفسيّة الرهيبة التي دارتْ بداخله وهو استحالة تحقق أمرين متضادين -الأول رغبة أبيه، والآخر رغبة رئيس جامعة بيركلي- تلك المعركة التي فُُرضتْ عليه وكانت بمنزلة مسرحيّة دراميّة فتكتْ بقلبه. وكلّ مَن في القاعة ولوْا هاربين مذعورين بمجرد إطلاق النار، والعالم كلّه أمام التلفاز في ذهول من الأحداث.
جرى أحد أفراد الأمن المصريِّ المدرّع بقميص رصاص نحوه ليجنّبه وصول الذخيرة إليه، لكن الرصاص قد فجّر رأسه وخرّ ميتاً.
أسرع كيدوني بسلاحه إلى حيث يرقد فهمان الطريح أرضًا، فقد نهض مِن بين صفي الدرج وكان جاك جالسًا في الصف الثاني على حافة الدرج فجنّدله فوقع على بطنه ثمّ قفز جاك عليه منقضّاً وأخذ المسدس منه وأطلق عليه رصاصة في قدمه، بينا الحرس الجمهوري المصري يردف بعضهم بعضا متسورين حول فهمان لإنشاء درع غير قابل للاختراق.
تبادل أفراد الكيدون والحرس الجمهوري إطلاق النيران فسقط على إثره معظم أفراد الحرس الجمهوري، عندها تأكد جاك من أنهم لن يتركوا فهمان حيا، فأزمع على تصفية أفراد الكيدون، فأطلق عليهم وابلا من الرصاص الحي وهو يتحرك منخفضًا بسرعة رهيبة حتى أسقطهم جميعًا غارقين في دماء أقدامهم.
ثم انطلق بسرعة الفهد، وأمسك فهمان بأنياب اللبؤة الحنون محاولة الهروب به خارج القاعة محل الخطر، وعندما همّ بالخروج به وجد بعض أعضاء الحرس الجمهوري متجهين نحو الباب فعلم أنهم يريدون أخذ فهمان، فلما وصلا معًا تراءى لجاك أن أفضل مكان آمن له أن يعود إلى بلده، فأعطاهم إياه كنوع من حمل الأمانة وإيصاله لصاحبه وعيناه تفيض من الدمع حزنا أن يفارق صديق عمره إلى الأبد.
نظر كبير فرقة الكيدون نظرة ثاقبة إلى زملائه المطروحين أرضًا والدماء تنزف مِن أقدامهم -وكان يحمل مسدسًا وهو من أبرع القتاليين على مستوى العالم- ثم نظر إلى تسليم فهمان على باب القاعة ولم يعبأ بهروبه أيضًا، كل ما عناه أن لا ينهزم من أحد،
فألقى مسدسه وأشار بسبابته إلى جاك أن هلمّ إلىّ -إشارة منه إلى قدرته الخارقة على هزيمته، وقد أخطأ، أخطأ كلُّ مَن لا يعرف جاك سواءٌ في قدرته البدنيّة أو العلميّة أو حتى الخلقيّة - فانقضّ جاك عليه ولكمه ثمّ حمله فوق كتفه وأداره بحيث أصبح رأسه في الأسفل وقدماه في الأعلى ثمّ أسقطه ليرتطم رأسه بالأرض، حاول الكيدوني النهوض فما استطاع.
توجّه بروفيسور الموساد سريعًا خلف جاك ومعه عصا غليظة وهمّ ليضربه في رأسه ولكنّ أحد أفراد حرس مهديّ قد لكمه فأسقطه أرضًا.




«الغائث والمستغيث»
عاد جاك إلى واشنطن بعد حادثة جنيف مباشرة، وحاول الاتّصال بصديقه ولكن دون جدوى؛ فالهاتف مغلق على الدوام، حينئذ قرّر النزول إلى مصر
وحدّث نفسه قائلاً: «غدًا أسافر.»
اتّجه إلى ناسا وبالتحديد أحد المراصد الأرضيّة الخاصة بها ليمارس بحوثه ورسالته حول النجوم والثقوب والسوداء.
وأثناء ما كان يقوم بمعاينة منطقة فضائيّة حول حافة المجموعة الشمسيّة الخارجيّة -وبالتحديد منطقة سحابة أورط- من خلال أحد التلسكوبات الأرضيّة شاهد نجمًا يمرّ بها وهو يقذف مقذوفات أمعائه بطريقة هائلة.
امتقع وجهه وتفكّكت أوصاله -لأنه يعلم أن مثل هذا القذف يعني موت النجم- وتساءل مندهشًا وهو يرتجف، ولسانه لا يكاد يتحرك: «يموت هنا؟!» ثم ما لبث أن خرّ على الكرسي حيث ما عادت تستطيع قدماه تحملاه، ثم تماسك مجددًا فوثب واقفًا ليعاين من جديد، فلم يجد شيئًا مختلفًا. أسرع إلى رئيس ناسا على الفور وحدثه بمعاينته. فانزعج لانزعاج جاك، وبالفعل قال له مدير ناسا بصوت
متحشرج: «أفزعتني، أتقصد أنّ النجم سيموت وبعدها يتحول إلى ثقب أسود؟»
- «نعم.»
- «مستحيل.» همس لحظة ثمّ قال مستبينًا بعد أن أطرق رأسه: «علينا بإعادة المعاينة يا جاك، سلّطْ على النجم التلسكوبات الفضائيّة الخاصة بنا، وكذلك المحمولة على متن الأقمار الصناعيّة، ومسبارات الفضاء العميق لتعطينا تحليلاً دقيقًا عنه مثل: كتلته -المسافة بيننا وبينه - مقدار مقذوفاته إشعاعاته. حتى نعرف ما سيؤول إليه النجم بعد موته.»
على الفور اتّصل رئيس ناسا بالمسئولين عن التلسكوبات بوكالته ليقوم جاك بتنفيذ أمر رئيس ناسا.
وتمت المعاينة والرصد بالفعل ثمّ أُرسلت الصور إلى ناسا. بعد عدة ساعات فقط اجتمع خبراء ناسا لتحليل الصور وإحصاء النتائج.
نظر بكْ إلى صور عدسات الجاذبية -التي ترصد مسارات الضوء المنبعث من النجوم وانحناء الضوء المار بها بسبب جاذبيتها فقال: «إنّ النجم على وشك تفريغ كل وقوده النوويّ.»
كما أمسك جاك بصورة التحليل الطيفي التي رصدتها التلسكوبات الفضائية فقال على الفور: «النجم يحتضر بالفعل.»
وبعبقرية جاك أمعنّ في صورة النجم وعلّم بالقلم على بعض النقاط في الصورة ثمّ أعطى بيانات حالته الاجتماعية والسياسية حيث قال: «إنّه من النجوم السريعة، يبدو أنه انفلت من تجمعه النجميّ وتخلص من جاذبيتهم بسبب سرعته الرهيبة حتى وصل إلى مقدمة السحابة، والآن هو على بُعد سنة ضوئية واحدة من الأرض، وحجمه مساوٍ تقريبًا لحجم الشمس .»
قال رئيس ناسا وهو يناول جاك صورة: «انظر جاك لهذه الصورة.»
حدّق جاك فيها ثمّ ناولها إلى بكْ فقالا في نفس واحد: «إنّها بصمة أبخرة مائية.»
واستطرد بك: «بناء على هذه البيانات التي أتتنا فإنّه لو انفجر فسيتحوّل إلى قزمٍ أبيض.»
علق جاك: «بل إلى ثقب أسود.»
فرمقه كلّ مَن في الاجتماع رمقة استهانة واستخفاف -لأن النجوم الصغيرة لا تتحول مطلقًا إلى ثقب أسود.»
أمّا مدير ناسا فقد ظلّ حائرًا بين رأي الخبراء ورأي جاك فصمت ولم يعلق للحظات لأنه يعلم عبقرية جاك جيدًا، ثم قال يائسًا لعدم تأكده من أحد الظنين: «علينا باستمرار تسليط التلسكوبات الفضائيّة التابعة لها لرصد صرخاته المحتملة قبل موته كمحاولة أخيرة ونهائيّة لتقييم ما سيؤول إليه ذاك النجم المارق.»
فقالوا له: «الأمر منتهي سيادة الرئيس، هذا نجم لو مات فلن يتحوّل إلى ثقب أسود لصغر حجمه.»
نظر جاك نظرة استعبار ثم همس في نفسه: «يبدو أن الأرض ما عادت تطيق تحمل أقدام هذا العالم المارق فنادت إلى السماء لتغيثها.»







 
رد مع اقتباس
قديم 22-04-2024, 03:59 AM   رقم المشاركة : 24
معلومات العضو
ابراهيم امين مؤمن
أقلامي
 
إحصائية العضو







ابراهيم امين مؤمن غير متصل


افتراضي رد: رواية قنابل الثقوب السوداء - أبواق إسرافيل "الرواية المشاركة في كتارا 2019-2020


***

وأخيرًا ..اِنجلى الحقُّ محلّقًا بأجنحة الملائكة.
فور وصول الطائرة في مطار القاهرة تم نقل فهمان إلى مشفى القوات المسلحة مباشرة. ومن التحاليل تبين أنه مصاب بجلطة دماغية. حضر الرئيس مهدي ليطمئن عليه، فقالوا له بأن فهمان في غرفة العمليات. وأجريت له العملية وقد نجحت بامتياز.
ترك المشفى ثم عاود بعد أيام ليطمئن عليه مجددًا. مدّ الرئيسُ مهديّ ليصافح فهمان قائلاً له: «حمدًا لله على السلامة يا عالمنا العزيز.»
أخبره الرئيس بأنه كان تحت أعين المخابرات المصرية طيلة الفترة الماضية، فسر فهمان بذلك، وقد وجد أنه قد أتيحت له فرصة سانحة
لردّ شرف أبيه الذي لطخه أمن الدولة سابقًا -عندما اتهم بالدجل والشعوذة- وسأله مهديّ : «أتذكر اليوم الذي أُطفيء فيه مصباح حجرة نومك؟»
أجاب: «أذكره جيدًا سيادة الرئيس.»
قال مهدي: «أن من أطفأه كان أحد رجالنا، كنا نراقبك في صحوك ونهارك دون أن تدري حتى لا يمسك أحد بسوء.»
ساد الصمت لحظات، كان خلالها ينظر فهمان خِلسة إلي الرئيس ويقول في نفسه: «ليتك تفتح ملف أبي.» بينا الرئيس كانينظر إليه قائلاً لنفسه: «سبحانه، يخلق من ظهر العالم فاسد ومن ظهر الفاسد عالم.» ثم ّ وثبَ واقفًا ونظر إلى رجاله قائلا: «الحمد لله، لقد لطف به وأنقذه من براثن الصهيونيّة.» واتجه ببصره مرة أخرى إلى فهمان وقال: «تماثلْ للشفاء يا فتى؛ فمصر في حاجة إليك، سوف أحقق لك كلّ ما تريد، فقط قمْ وتماثل للشفاء.»
كانت كلمات الرئيس الأخيرة لفهمان بمنزلة عودة الروح إلى جسده، حتى إنّ الكلمة ما برحت تفارقه حتى تماثل للشفاء فيما بعد في غضون أيامٍ قلائل.
بعد مغادرة الرئيس مباشرة ظلّ فهمان يفكر في كلمات الرئيس الأخيرة، وأول ما تبادر إلى ذهنه كيف يبرّئ أبيه.
فتح هاتفه ليطمئن جاك بأمره، فوجد رسائل تقول بأنه اتصل به كثيرًا.
كلمه وطمأنه بالفعل، وقد صمم فهمان على عدم الحضور لكثرة انشغاله في ناسا، واستحلفه بألا يأتي فامتثل.

لحظات، وطرق أحد الحرس المكلف بحمايته ليخبره بوجود زائر يقول بأنه خاله مؤيد أصيل.
فسرّ فهمان وأشار إليه بدخوله على الفور.
قال مؤيد: «أنا جئت لأطمئنّ عليك، والحمد لله على نجاتك.»
قال فهمان: «الحمد لله، وشكرًا لك أبتِ.»
- «لا داعي لأثقل عليك لأنّي بالفعل أجد حالتك جيدة وليست خطيرة مطلقًا، ولدي، أنا في مهمة لمدة طويلة، ولن أرجع قبل شهور، ولقد رأيت موكب الرئيس مهديّ منذ دقائق، ولقد علمت بكلّ ما حدث لك في جنيف، ودور الأمن المصريّ في إنقاذك.»
- «رئيس عادل، وإني أحبه.»
شعر فهمان بأن مؤيد يود قول شيء ولكنه متحرج، وبالفعل، بدأ كلامه بخجل شديد وهو ينظر إلى الأرض: «أريد أن أُخبرك بأمر يخصّ والدك.»
فانتبه فهمان بشدة، وتأكد بأن مؤيد يخفي عنه شيئًا، فقال جامحًا وهو يركز نظره عليه: «تكلم يا أبتِ.»
- «ألم تقل منذ قليل بأن الرئيس رئيسكم رئيس عادل؟»
- «بلى.»
- «إذن، آن الأوان لردّ كرامة أبيك وشرفه يا ولدي.»
- «وهذا ما انتويت فعله بالضبط، فأبي لم يكن مشعوذًا أبدًا.»
- «المسألة ليست مسألة دجل وشعوذة، وإنما، إنما..» تمتم مؤيد لحظات ثم قال بصوت حزين: «أمن الدولة أحرق جثة أبيك.»
تفجّع فهمان على الفور، وحزن حزنًا شديدًا ظهر في انهمار دموعه التي غدت تغطي وجهه، ثم قال له بصوت منخفض: «كيف ذلك؟!»
- «كانوا يخشونه، والرئيس السابق أراد محو قضيته بلا أدنى أثر.»
- «لماذا؟»
- «كانوا يخشون من تعاطف الجمهور معه عندما يعلمون بموته لأنه دخل قلوبهم، والرئيس السابق كان ظالمًا ومواليًا لأمريكا، ومعلوم دوره البارز في خدمة المخطط الصهيوني الشرير.»
- «فعلا، لقد عاش أبي وما آل جهدًا في خدمة أهله من أبناء وطنه.»
مضى مؤيد، وقد خلف وراءه همًا ثقيلا على قلب فهمان إضافة إلى حزنه الشديد عما حدث لأبيه.
بعد أيام جاء اثنان من قصر الرئاسة ليصحباه إلى الرئيس مهدي.
وفور دخول فهمان سلم عليه ثم قال: «أنا سعيد بسيادتكم، وأأمل أن تنهض مصر بكم.»
- «بِِك.»
قال دهشًا: «بي أنا؟!»
- «نعم، بك،المصادم، مصادم الرسالة.»
سكت هنيهات يترحم فيها على أبيه في نفسه عندما علم مرام الرئيس مهدي، بعدها قال بوجه متهلل: «أتقصد سيادتكم بناء المصادم على أرض مصر؟»
هزّ -مهدي- رأسه بالإيجاب دون أن ينبس بكلمة.
قال فهمان بدهشة: «قد يتكلف مممم..
أردفه مهدي: «ليتكلف ما يتكلف، مائتا مليار دولار مثلا، ثلاثة، الذين حفروا قناة السويس وبنوا السدّ العالي قادرون على بناء مصادم كهذا، فهمان مصر فيها رجال (يتكلم وهوقابض على يده اليمنى ورافعها إلى أعلى) والجيش كلّه رجال، لا تخفْ ولا تحملْ همّاً، قلْ أنت موافق ودعني أقوم أنا بالترتيبات اللازمة.» صمت هنيهة أخرى ثمّ قال: «أتعلم لِم أردت تصميمه على يديك؟»
- «لِم سيادة الرئيس؟»
قال مكوّراً يديه بحيث باطنيهما في تلقاء وجهه ورافعهما إلى أعلى بمحاذاته: «لأنّي أريد أن يُبنى بأيدٍ مصريّة.» ثمّ أومأ بسبابته إليه: «وأنت صاحب الفكرة، ولن يستطيع بناءه إلّا أنت، وأرجو أن يكون بناءك له عن علمٍٍ لا عن دجلٍ وشعوذة.»
ضربته الكلمة في أوردة قلبه فانتفض جسده على الفور، وانهمرتْ الدموعُ من عينيه وقال بصوت متهدّج من أثر البكاء: «أبي لم يكن دجّالاً ولا مشعوذًا؛ بل كان وطنيّاً عالمًا، ولولاه ما كنتُ أنا هنا الآن، وقد ساعد المقاومة الفلسطينيّة التي تفضّلتم سيادتكم وساعدتموها من قبل بتمزيق الاتفاقيّة الرباعيّة، وقد حاول الأخذ بثأرنا من قاتل عالم الفندق، بيد أنّه لم يفلح، وخاف علىّ فقام بزرع وجهه، زرعه له بروفيسور بيتر، وكان برنامجه السحريّ يؤديه بقوت يومه، وكان يكره الثورة، والصراع النفسيّ الذي حدث بداخلي كان صراعًا بين أمريكا التي أنعمت علىّ وبين وصية أبي ألّا أعمل لديهم وأنّ تراب بلدي أولى بي، وقال لي لو وفقك الله يا بني فلا تترك رئيس بلدك.»
بعدها رفع فهمان يده اليمنى إلى السماء مشيرًا إلى الفضاء ودموعه تزداد انهمارًا قائلاً: «وبعد كلّ هذا يتناثر رمادًا محترقاً في الهواء، هذا هو أبي، هذا هو أبي، هذا أبي.»

انتفض مهدي من مكانه وسأله: «هل تعرف مكان بروفيسور بيتر يا ولدي؟»
- «لا والله.»
- «وكيف علمتَ بأمره مع أبيك؟»
كذبه وقال: «مِن أبي.»
- «وكيف عرفت أنّ أباك ساعد اتحاد المقاومة؟»
كذبه مجددًا: «من أبي.»
شعر مهدي بأن فهمان كذبه بشأن إعلامه بمصدر معرفته بأمر بروفيسور بيتر، وكذلك بمصدر معرفته بشأن مساعدة أبيه لاتحاد االمقاومة، ولذلك قال مهدي في نفسه: «كذبتني يا بني! لا بأس، لا بأس، يبدو أن هناك شخصًا أخبرك بأمر أبيك وتود عدم البوح باسمه حتى لا يتعرض للخطر.»

وفجأة قال له مهدي وهو مطأطأ الرأس: «صدقتَ يا فتى، صدقت، لكن أخبرني، أمتأكد أنت أن أباك هو كما أخبرتني؟»
فهمان بصوت متهدج: «والله كان كذلك، والله كان كذلك.»
واستدعى مهدي رئيس المخابرات وقال له: «تحريّاتك يا سيادة اللواء غير دقيقة، وسأحاسبك على ذلك، أعدْ تحريّاتك من جديد حول المدعو فطين المصريّ.» ثمّ أشار إلى فهمان بسبابته قائلاً: «والذي هذا هو ابنه، ولن أتركَ هذا الأمر، ولن "ينفى وهو ناظر إلى فهمان الذي خنّ من البكاء" اتركْ هذا الفتى حتى تأتيني بالحقيقة التي أخفيتها عنّي سيادة الرئيس"يقولها سخريّة منه".»
رد رئيس المخابرات: «سمعًا وطاعة فخامة الرئيس، أمهلني ثمان وأربعين ساعة فقط.»
قال مهديّ : «ثمان وأربعين ساعة ليس أكثر، أريد أن أعرف أكان دجّالاّ ومشعوذًا أم كما يقول هذا الفتى وطنيّاً عالمًا.» صمت هنيهة ثمّ أردف: «خذْ فهمان وسله عن أبيه، ثمّ خصص له مكانًا يقيم فيه بالقرب مني .»
وفور خروجه كان مهديّ يخط جواب عزله من منصبه مع عدم المحاسبة لدواعٍ أمنية.
وبالفعل فور انتهاء اليومين حضر رئيس المخابرات قصر الرئاسة وقد كان فهمان حاضرا -فقد استدعاه مهدي- وقال: «سيادة الرئيس، بعد البحث والتقصي مما قاله الدكتور فهمان تبيّن لنا أنّ نظام الرئيس المخلوع هو مَن اتهم أباه ظلمًا بالدجل والشعوذة، ولقد تحرّينا أمر واقعة الفندق الخاصة بالرجل -رحمه الله- فتبيّن لنا بالفعل وقوع معركة شرسة في الفندق بينه وبين أحد أفراد فرق الكيدون الإسرائيلية، ولقد غيّر وجهه آنذاك خشية القبض عليه مِن الموساد أو الأمن المصريّ، إذ كان يظنّ أن كيدون الموساد قد مات . وقام بعمل سيرك في الشارع بتذكرة رمزيّة من أجل الإنفاق على تعليم ولده إذ كان عازمًا على تسفيره لاستكمال تعليمه في أمريكا، ولم تأتنا أخبار بشأن التحاقه بأنفاق اتحاد المقاومة أو الإنفاق على حقول القوى التي حصّنوا أنفاقهم بها و..»
صرخ فهمان مقاطعًا: «أبي لا نظير له، حمى المجاهدين وحمى الأنفاق و ..»
قاطعه مهديّ قائلاً: «هون عليك يا فهمان.» ثم نظر إلى رئيس المخابرات داعيًا له باستئناف كلامه.
استأنف: «وتبيّن لنا أنّه حصل على أموال طائلة من خلال ألعاب سحرية تعجيزية، ولم ندرِ أين ذهبتْ، ولقد أخبرنا أحد الفيزيائيين أنّ ألعابه تنبع مِن قوّة في دماغه ولعلّها الخلية الإلكترونيّة التي أخبرنا بها الدكتور فهمان، ولقد مات أبوه قبل أن يأتيه وفد المخابرات الأمريكيّ ليحقق معه بشأن بروفيسور بيتر. قامتْ أمن الدولة بحرْق جثته لدواعٍ أمنية، فخروج جثته إلى الشارع قد تحدث ثورة عبر رصدها من صحف المعارضة وتتفكك الدولة وتنهار ال..»
قاطعه مهديّ قائلا: «حسبك، انصرف.»
نظرَ إلى فهمان فوجد الدمعة على خدّيه، قال له بصوت فيه مودة: «اذهبْ أنت الآن يا ولدي.»
وفور خروجه وجد مجموعة من الرجال يصحبونه، فسألهم عن شأنهم فقالوا بأن الرئيس مهدي كلفهم بحراسته في النوم واليقظة

***
أليس الربّ بالمرصاد؟!

كرّس جاك حياته لدراسة الثقوب السوداء الفضائيّة وكلّ ما يتعلق بها مذ أن شاهد نجم سحابة أورط؛ وعلى ذلك، فقد قرر أن يرابط حول المراصد لمراقبته حتى يسارع في إدراك العالم قبل أن يتحول إلى ثقب أسود حسب ما يظن؛ وإن كان يأمل أن يتحول إلى قزم أبيض بحسب ما ارتأى خبراء ناسا.
وعلى طول فترات المرابطة وهو يردد قول واحد وهو: «نفسي فداءً للبشرية.»
وكثيرًا ما كان يفكر في شأن هذا النجم، ويتساءل قائلا: «لماذا ساقه الرب إلينا في هذا التوقيت بالأخص؟!»
وأجاب بنفسه: «أيكون عقابًا للعالم بسبب تناحره الذي قد يؤدي إلى قيام حرب نووية؟ أم يكون ردءًا لهذا العالم حتى لا تُُقام هذه الحرب؟»
تبسّم ساخرًا مستعبرًا عندما استحضر في نفسه حالة الناس الوحّشية ورد فعل الثقب معهم، حيث إنّهم تذئبوا، وتثعلبوا، فنصبوا كمائن العنكبوت ليمصّوا دماءَ بعضهم بعضًا، وبنوا حضارات العناكب في كل مكان، وها هي السماء تنتفض انتقامًا لتغيث الأرض فتفنيهم وحضاراتهم العنكبوتية الحمقاء.
أليس الربّ بالمرصاد؟
ثمّ عاود وتعجّب من شأن النفس التي جُبلت على الظلم فقال: «ولِمَ كلّ هذا وقد منحها الله كلّ سبل دعم الحياة ووهبها ما يُبقي على حياتها؟»
وبينما تصارعه هذه الخواطر رن جرس هاتفه، إنه فهمان.
وبعد أن تبادلا كلمات الترحيب أخبره فهمان بما فعله الرئيس مهديّ بشأن تَبْرِئةً والده، فسُرّ جاك بذلك أيّما سرور رغم الهمّ الساري بأوصاله بشأن توحّش الناس.
سأله فهمان عن أحواله، فأجابه جاك بكل ما يدور بخلده بشأن نجم سحابة أورط.
قال فهمان بغضب: «ما أرسل به إلّا ذاك الملعون إبليس وأعوانه.»
- «وما شأن إبليس بالثقب؟»
- «هذا الثقب أرسله الله انتقامًا من الناس بما كسبت أيديهم بعد أن أوحى إليهم ذاك الملعون المسمى بإبليس.»
- «أرى أن النفوس لا تحتاج إلى وحي الشياطين يا فهمان لكي تفجر أمامها.»
- «على كل، افعل أنت ما يحلو لك، وآمن بما تعتقد، أما أنا، فلن يقر لي قرار، ولن ينام لي جفن، ولن يطيب لي فراش حتى أدق عنق ذاك الإبليس، وأقسم بربي لأذهبن إليه عبر بوابته، عندئذ، سيقف أمامي صاغرًا لأعد عليه أعماله، وأذكره أفعاله: وآمره، فإن لم يمتثل قتلته على الفور ليكون عبرة للشياطين.»
أشفق جاك على فهمان فور سماعه تلك الكلمات؛ لأنه يعلم أن أمر طرق بوابة إبليس صعب المنال، وأن محاسبة إبليس من رابع المستحيلات بسبب ضعف أبناء آدم.»







 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 08:56 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط