الواجب على العالِمين أن لا يقولوا إلا من حيث علموا.. وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك أولى به وأقرب من السلامة له إن شاء الله.
ومن العلم بعلوم الشريعة العلم بمقاصدها وقواعدها الكلية، ولقد نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك وأخبر أن الأمة ستبتلى بمن يدعي العلم وليس له حظ منه إلا حفظ النصوص دون فهم لمعانيها ، واستيعاب لها أو معرفة بمقاصد الشريعة وقواعدها ومتى صدر ـ من هذا شأنه ـ وترأس حدثت الفتنة ووقعت الفرقة يقول النبي صلى الله عليه وسلم واصفا الخوارج : ((إن من ضئضئ هذا قوما يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)).
ولقد تربى الصحابة رضي الله عنهم على يد محمد صلى الله عليه وسلم على تلقي النصوص وفهمها واستيعابها والعمل بها, يقول عبدالله بن عمر رضي الله عنه: لقد لبثنا برهة من دهر وأحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن تنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها وأمرها وزاجرها وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما يتعلم أحدكم السورة.ولقد رأينا رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان يقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يعرف حلاله ولا حرامه ولا أمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه وينثره نثر الدقل"
ومر علي بن أبي طالب على قاص فقال : " أتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ قال : لا. قال : هلكت وأهلكت
فيجب على العلماء أن يلموا بعلوم الشريعة وأن يجمعوا الأمة بذلك ومتى ما اختل هذا الأمر وتصدر الناس ورأسهم من يدعي العلم وهو في الحقيقة جاهل بشيء مما مضى فهنا تقع الفتنة في الأمة والاختلاف في الدين ويصاب المجتمع المسلم بالفرقة.
ولقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوقوع هذا الأمر وحذرنا من ذلك ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)).
إن من أسباب الفرقة: ترأس الجهلة، وأن الاختلاف المؤدي للفرقة لا يصدر أبدا من العلماء الراسخين في العلم ، فاعلموا أن الاختلاف في بعض القواعد الكلية لا يقع في العاديات الجارية بين المتبحرين في علم الشريعة العاملين بمواردها ومصادرها وإنما الاختلاف المؤدي للفرقة والذي يلقي العداوة بين المسلمين إنما يقع حينما: يعتقد الإنسان في نفسه أو يعتقد فيه أنه من أهل العلم والاجتهاد في الدين ـ ولم يبلغ تلك الدرجة ـ فيعمل على ذلك ويعد رأيه رأيا وخلافه خلافا ولكن تارة يكون ذلك في جزئي وفرع من الفروع وتارة يكون في كلي وأصل من أصول الدين ـ كان من الأصول الاعتقادية أو من الأصول العملية ـ فتراه آخذا ببعض جزئيات الشريعة في هدم لكيانها حتى يصير منها ما ظهر له بادئ رأيه من غير إحاطة بمعانيها ولا رسوخ في فهم مقاصدها وهذا هو المبتدع وعليه نبه الحديث الصحيح.
ولقد جاء التحذير من ترؤس الجهلة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر أن ذلك من أشراط الساعة فقال عليه الصلاة والسلام: ((إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر))
والتماس العلم عند الأصاغر لا يكون إلا بترأسهم وتصدرهم للفتيا من جهة, وذهاب العلماء الراسخين أو تنحيتهم من جهة أخرى ..
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ألا إن الناس لم يزالوا بخير ما أتاهم العلم عن أكابرهم" وقال : "قد علمت متى صلاح الناس ومتى فسادهم : إذا جاء الفقه من قبل الصغير استعصى عليه الكبير وإذا جاء الفقه من قبل الكبير تابعه الصغير فاهتديا"
والصغير هنا قليل العلم ..