لعل رأيي المتواضع يكمن في قصة الأحنف
الأحنف بن قيس, واحد من كبار التابعين, لما قتل سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه, ووقعت الفتنة بين المسلمين, وقف الأحنف رضي الله عنه إلى جانب الحق, وكان من قادة جيش سيدنا علي كرم الله وجهه, فلما طعن الأمام علي كرم الله وجهه, آلت الأمور إلى سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنه, فما كان من رضي الله عنه إلى أن آثر أن يجمع كلمة المسلمين, فتنازل بالخلافة إلى معاوية بن أبي سفيان, هنا كان لا بد للأحنف أن يلقى السيف الذي قاتل به معاوية خمسة سنوات, ومن ثم يذهب إلى معاوية ليبايعه, كما أراد الحسن رضي الله عنه, وهذا الذي كان, فقد خرج الأحنف قاصدا الشام, فدخل قصر معاوية ليبايعه, فلما كان اللقاء بين الرجلين وجها لوجه, ابتدر معاوية بالكلام, فتكلم بكلام قاسٍ فيه ملامة شديدة للأحنف عن عداوته السابقة وشدته على معاوية وفئته, حيث قال:
والله يا أحنف ما تمثلت يوم صفين مرة, وتذكرت انحيازك عنا, ووقوفك إلى جانب علي بن أبي طالب إلا كانت حزازة في قلبي إلى أن أموت.
فرد الأحنف على معاوية بكلام مزلزل حيث قال:
يا معاوية : أن السيوف التي قاتلناك بها ما زالت على عواتقنا, وإن القلوب التي أبغضناك بها ما زالت في صدورنا, وإن تدن من الحرب فترا ندن منها شبرا, وإن تمشِ إليها مشيا, نمض إليها هرولة, و والله ما حملنا إليك رغبة في عطائك, أو رهبة في جفائك, وإنما جئناك لرأب الصدع, ولم الشمل, وجمع كلمة المسلمين. ثم استدار وخرج من حيث أتى.
أخت لمعاوية كانت تستمع إلى هذا الحوار الساخن جدا بين الرجلين من وراء ستار, لم تقدر أن تتمالك نفسها إلا أن أزاحت الستار لترى هذا الذي يرد الخليفة الحجر من حيث جاء, ويكيل له الصاع صاعين.
فرأت رجلا قصيرا ضئيلا أصلع متراكب الأسنان, مائل الذقن, منخسف العينين, ليس في إنسان عيب إلا وله منه نصيب.
فالتفت إلى أخيها وقالت: من هذا الذي يتهدد الخليفة ويتوعده في عقر داره؟؟!!
فتنهد معاوية وقال:
هذا الذي إذا غضب, غضب له مئة ألف من بني تميم لا يدرون فيما غضب.
إذا فنرسم هنا المعادلة والصورة. مئة ألف رجل من تميم في جهة, والأحنف بل قل إصبع الأحنف في الجهة الأخرى,
إذا تحرك إصبع الأحنف تحركت مئة ألف, وإذا سكن إصبع الأحنف سكنت مئة ألف.
ماذا لو لم يكن هناك أحنف ولا إصبع؟ ماذا سيفعل المئة ألف؟؟؟
لا شيء, لن يتحركوا أبدا إلا بالأحنف وإصبع الأحنف
نخلص من هذه الحكاية إلى حقيقة مفادها.
ليس من طبيعة الأمم أن تتحرك لوحدها, بل إن طبيعة الأمم أنها تُحرك من قادتها
الأمم لا تتحرك, الأمم تُحرك