• جـــــــدول الضرب *
الكاتب: إيمان علي
انظروا .. هذا هو السوق الطويل ، ونحن التلاميذ الصّغار نجتازه ، منطلقين إلى مدرستنا، مدرسة" نور الدين الشهيد"، لا نتوقّف أمام دكان ، ولا نتلهّى أمام بائع ، كنّا نسرع في الوصول إلى مدرستنا التي نحبّها، لم يكن هناك مدرسة مثلها!..
باب عريض يفتح كلّ صباح لاستقبالنا ، باب عالٍ كبير يتّسع لدخول عربة مع حصان يجرّها ، ومع ذلك فهو باب لمدرستنا القديمة ، والتلاميذ يدخلون بنظام ، قبل أن يحين الدوام بنصف ساعة.
ليس هناك من يتأخّر .. ومنْ يجرؤُ على ذلك ؟!
مَنْ يستطيع أن يتحدّى عصا الأستاذ" صفا" ؟! وأيّة عصا كان يرفعها أمام التلاميذ ؟ وهو يلوّح بها ، والجرس يتابع رنينه باكراً ، جرس مدرستنا يُسمع في الساحة كلّها ، وربّما يصل صوته إلى السوق ، جرس قديم له إيقاع خاص : - ترن ترن..رن..ترن ترن .. رن ...
و" أبو الخير" الآذن ، بطربوشه الأحمر ، وقامته الطويلة ، ونظّارته السميكة التي تكشف عن عينين طيبتين ، تحملان مودّة للتلاميذ الصّغار.
أبو الخير يحثّ الأطفال على الركض إلى الصفوف ، قبل أن تدركهم عصا الأستاذ " صفا" ، ذات العقد المرعبة، مازالت الأكفّ الصغيرة تتذكّر لسعاتها ، ما زالت الأصابع تعرف طعمها وهي ترتجف ، والأستاذ" صفا" صاحب جدول الضّرب لا يتوقّف عن طرح أسئلته ، ولسعنا بعصاه لسعاً سريعاً خاطفاً، العصا تهوي على الأكفّ المحمرّة ، لها صوت يختلف عن غيره من الأصوات ، كأنّه صوت الريح الشديدة ..ف.. و.. و.. ف.. و.. و.. والتلميذ المقصّر في دروسه يصرخ : - والله أحفظ .. - والله لن أنسى..
وجدول الضّرب يتراقص أمام عيوننا ، تتراقص الأرقام ، تتراقص الحروف ، تختلط مع بعضها ، ونحن التلاميذ نشعر بالقلق والرهبة ، ماذا يمكن أن نفعل ؟ لقد صرنا في الصّف الثاني ، وهذه الأعداد تركض ركضاً متواصلاً ، ستة في خمسة ، تسعة في سبعة ، أربعة في ثمانية ، خيول تتسابق في ميدان سباق محموم ، والتلاميذ يلهثون وراءها لا يستطيعون فهمها ، لا يعرفون من أين أتت هذه الأرقام والأعداد الكثيرة المتداخلة ، ما معنى خمسة في تسعة ، وثمانية في أربعة ، وما شأننا - نحن الصّغار - بهذه الأرقام والإشارات ؟ من الذي وضعها في طريقنا ؟ من الذي قطع علينا أحلامنا وأخيلتنا .. أرقام وأرقام وأعداد لا ندري من أين جاءت ، ولا كيف وصلت ، وتمدّدت على الألواح الخشبية ، وانتقلت إلى حقائبنا ، بدأت تناكدنا ، تمطّ رؤوسها وأنوفها ، ترقّص أمامنا أذيالها ، تتسلق صفحات دفاترنا ، تنام معنا في فراشنا أو تقفز على وسائدنا ، أرقام مضحكة مبكية ، لا ترتبط برسوم ، ولا تتعلّق بألوان ،...
في الصف الأول ، الذي ودّعناه، كان الأستاذ "محمّد" يعلّمنا درس الحساب مع دروس الرياضة وحصص الموسيقى والأناشيد ، فما بال الأستاذ "صفا" يلجأ إلى هذه الطريقة ؟!
إلى اللقاء في الأسبوع القادم
مع الجزء الأخير من القصة