سياسة المال في الإسلام
فريضة الزكاة
العدالة الاجتماعية في الإسلام الشهيد سيد قطب
والآن نتحدث عن الزكاة , الركن الاجتماعي البارز من أركان الإسلام , فحديث الزكاة أدخل شيء في سياسة المال في الإسلام .
الزكاة حق المال , وهي عبادة من ناحية , وواجب اجتماعي من ناحية أخرى ؛ فإذا جرينا على نظرية الإسلام في العبادات والاجتماعيات , قلنا أنها واجب اجتماعي تعبدي ؛ لذلك سماها "زكاة" , والزكاة طهارة ونماء . فهي طهارة للضمير والذمة بأداء الحق المفروض . وهي طهارة للنفس والقلب من فطرة الشح وغريزة حب الذات , فالمال عزيز , والملك حبيب , فحين تجود النفس به للآخرين , إنما تطهر وترتفع وتشرق . وهي طهارة للمال بأداء حقه وصيرورته بعد ذلك حلالاً . ولأن في الزكاة معنى العبادة , بلغ من لطف حس الإسلام ألا يطلب إلى أهل الذمة من أهل الكتاب أداءها , واستبدل بها الجزية ليشتركوا في نفقات الدولة العامة , دون أن تفرض عليهم عبادة خاصة من عبادات الإسلام إلا أن يختاروها.
والزكاة حق الجماعة في عنق الفرد , لتكفل لطوائف منها كفايتها أحيانا , وشيئاً من المتاع بعد الكفاف أحياناً , وبذلك يحقق الإسلام جانباً من مبدئه العام : "..كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ .." .. ذلك أن الإسلام يكره للناس الفقر والحاجة ؛ ويحتم أن ينال كل فرد كفايته من جهده الخاص وموارده الخاصة حين يستطيع , ومن مال الجماعة حين يعجز لسبب من الأسباب .
ويكره الإسلام الفقر والحاجة للناس لأنه يريد أن يعفيهم من ضرورات الحياة المادية ليفرغوا لما هو أعظم ؛ ولما هو أليق بالإنسانية وبالكرامة التي خص الله بها بني آدم : "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا"(الإسراء70) .
لقد كرمهم فعلاً بالعقل والعاطفة , بالأشواق الروحية إلى ما هو أعلى من ضروريات الجسد فإذا لم تتوافر لهم من ضرورات الحياة ما يتيح لهم فسحة من الوقت والجهد لهذه الأشواق الروحية , ولهذه المجالات الفكرية , فقد سلبوا ذلك التكريم ؛ وارتكسوا إلى مرتبة الحيوان . لا بل إن الحيوان ليجد طعامه وشرابه غالباً وإن بعض الحيوان ليختال ويقفز ويمرح , وإن بعض الطير ليغرد ويسقسق فرحاً بالحياة بعد أن ينال كفايته من الطعام والشراب .
فما هو بإنسان وما هو بكريم على الله , ذلك الذي تشغله ضرورات الطعام والشراب عن التطلع إلى مثل ما يناله الطير والحيوان , فضلاً على ما يجب للإنسان الذي كرمه الله .
فإذا قضى وقته وجهده , ثم لم ينل كفايته , فتلك هي الطامة التي تهبط به دركات عماً أراد به الله ؛ والتي تصم الجماعة التي يعيش فيها , بأنها جماعة هابطة لا تستحق تكريم الله , لأنها تخالف عن إرادة الله .
إن الإنسان خليفة الله في أرضه ؛ قد استخلفه عليها لينمي الحياة فيها , ويرقبها ؛ ثم لجعلها ناضرة بهيجة ؛ ثم ليستمتع بجمالها ونضرتها ؛ ثم ليشكر الله على أنعمه التي آتاه .
والإنسان لن يبلغ من هذا كله شيئاً ؛ إذا كانت حياته تنقضي في سبيل اللقمة ولو كانت كافية فكيف إذا قضى الحياة فلم يجد الكفاية ؟
ويكره الإسلام أن تكون الفوارق بين أفراد الأمة بحيث تعيش منها جماعة في مستوى الترف , وتعيش جماعة أخرى في مستوى الشظف , ثم أن تتجاوز الشظف إلى الحرمان والجوع والعري . فهذه أمة غير مسلمة , والرسول يقول : " أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعاً فقد برئت منهم ذمة الله "(1) .. أو يقول : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "(2) .. يكره الإسلام هذه الفوارق لما ورائها من أحقاد وأضغان تحطم أركان المجتمع ؛ ولما فيها من أثرة وجشع وقسوة تفسد النفس والضمير ؛ ولما فيها من اضطرار المحتاجين : إما إلى السرقة والغصب , وإما إلى الذل وبيع الشرف والكرامة ... وكلها منحدرات يتجافى الإسلام بالجماعة عنها .
ويكره الإسلام أن يكون المال دولة بين الأغنياء في الأمة وألا تجد الكثرة ما تنفق .
لأن ذلك ينتهي في النهاية بتجميد الحياة والعمل والإنتاج في هذه الأمة . بينما وجود الأموال في أيدي أكبر عدد منها يجعل هذه الأموال تنفق في شراء ضروريات الحياة لهذا العدد الكبير ؛ فيكثر الإقبال على السلع , فينشأ من هذا كثرة الإنتاج , فترتب عليها العمالة الكاملة للأيدي العاملة .. وبذلك تدور عجلة الحياة والعمل والإنتاج والاستهلاك دورتها الطبيعية المثمرة ...
لهذه المعاني جميعها شرع الزكاة ؛ وجعلها فريضة في المال , وحقاً لمستحقيها , لا تفضلاً من مخرجيها ؛ وحدد لها نصاباً في المال يجعل الواجدين جميعاً يشتركون في أدائها . ذلك أن أقصى حد للإعفاء منها عشرون مثقالاً ذهباً أي ما يعادل ثلاثين جنيهاً بعملتنا على أن تكون فائضة عن الحاجات الضرورية لمالكيها وعن الدين وحال عليها الحول . وذلك بديهي لأن الإنسان لا يطالب بالزكاة وهو مستحق للزكاة ! أما في الزرع والثمار فهي موسمية موقوتة بمواسم الحصاد , وهي في عروض التجارة تقوم بالذهب والفضة , وفي الحيوان بنسب معينة تعادل نسبتها في المال , وهي ريع العشر على وجه التقريب . وفي الركاز الخمس . على خلاف في أنواع الركاز أتكون لصاحب الأرض أم للجماعة ....
أما المستحقون لها فهم كما نص عليهم القرآن :
الفقراء , وهم الذين يملكون أقل من النصاب , أو يملكون نصاباً مستغرقاً في الدين , وظاهر أن هؤلاء يملكون شيئاً , ولكنه شيء قليل , والإسلام يريد أن ينال الناس كفايتهم , وشيئاً فوق الكفاية يعينهم على المتاع بالدنيا على قدر الإمكان .
والمساكين . وهم الفقراء الذين لا يملكون شيئاً . وهم بطبيعة الحال أجدر بالعطاء من الفقراء . ولكني ألمح أن ذكر الفقراء قبلهم في الآية يرمي إلى أن وجود شيء قليل لا يكفي , فكأنهم كالمساكين , لأن هدف الإسلام ليس مجرد الكفاف الضروري . ولكن شيء فوق الكفاف كما قدمت .
والعاملون عليها وهم جباتها , وهؤلاء ـ وإن كانوا ـ يعطون جزاء العمل , فهو راتب الوظيفة وذلك داخل في نظام الجهد والأجر , لا في باب الحاجة وسدها .
والمؤلفة قلوبهم . وهم الذين كانوا دخلوا في الإسلام حديثاً لتقوية قلوبهم , واجتذاب من عداهم . ولكن هذا المصرف قد أقفل بعد أن أعز الله الإسلام عقب حروب الردة في أيام أبي بكر ولم يعد الإسلام في حاجة إلى تأليف القلوب بالمال . ومع أن هؤلاء قد نصت عليهم آية قرآنية , فإن عمر لم يجد حرجا في التصرف .
وفي الرقاب . وهم الأرقاء المكاتبون , الذين يستردون حريتهم نظير قدر من المال متفق عليه مع مالكيهم تيسيراً لهم لينالوا الحرية .
والغارمين . وهم الذين استغرق الدين ثرواتهم , على ألا يكون هذا الدين في معصية فلا يكون الترف وما يشبه سبباً فيه . وإعطائهم قسطاً من الزكاة فيه سداد لديونهم , وتخليص رقابهم منها , وفيه إعانة لهم على الحياة الكريمة .
وفي سبيل الله . وهو مصرف عام تحدده الظروف , ومنه تجهيز المجاهدين , وعلاج المرضى , وتعليم العاجزين عن التعليم ,وسائر ما تحقق به مصلحة لجماعة المسلمين . والتصرف في هذا الباب يتسع لكل عمل اجتماعي في سائر البيئات والظروف .
وابن السبيل . وهو المنقطع عن ماله الذي لا يجد ما ينفق , كالمهاجرين من الحروب والغارات والاضطهاد , الذين خلفوا أموالهم ورائهم , ولا سبيل لهم إلى الأموال .
والإسلام لا يقرر لهذه الطوائف حقها في الزكاة إلا بعد أن تستنفذ هي وسائلها الخاصة في الإرتزاق ؛ فالإسلام حريص على الكرامة الإنسانية ومن هو حريص على أن يكون لكل فرد مورد رزق يملكه ولا يخضع فيه للجماعة !
لذلك حث على الاستغناء عن طريق العمل وجعل واجب الجماعة الأول أن تهيئ العمل لكل فرد فيها . فقد جاء سائل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستجديه , فأعطاه درهما وأمره أن يشتري به حبلاً ليحتطب به فيعيش من عمل يده . وقال :" لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه "(3) .
فهذه الإعانة من الزكاة هي وقاية اجتماعية أخيرة , وضمانة للعاجز الذي يبذل طوقه ثم لا يجد , أو يجد دون حق الكفاية , أو يجد , مجرد الكفاف , ثم هي وسيلة لأن يكون المال دولة بين الجميع لتحقيق الدورة الكاملة السليمة للمال بين الإنتاج و الاستهلاك والعمل من جديد ... وفي هذا يجمع الإسلام بين الحرص على أن يعمل كل فرد بما في طاقته , وألا يرتكن على الإعانة الاجتماعية فيتبطل ؛ والحرص على أن يعين المحتاج بما يسد خلته , ويرفع عنه ثقل الضرورة ووطأة الحاجة , وييسر له الحياة الكريمة ثم الحرص على ضمان الدورة الصحيحة لرأس مال الأمة كما أسلفنا .
إن الزكاة هي قاعدة المجتمع المتكامل المتضامن الذي لا يحتاج إلى ضمانات النظام الربوي في أي جانب من جوانب حياته .
وقد بهتت صورة "الزكاة" في حِسنا وحِس الأجيال التعيسة التي لم تشهد نظام الإسلام مطبقاً في عالم الواقع ؛ ولم تشهد هذا النظام يقوم على أساس التصور الإيماني والتربية الإيمانية والأخلاق الإيمانية , فيصوغ النفس البشرية صياغة خاصة , ثم يقيم لها النظام الذي تتنفس فيه تصوراتها الصحيحة وأخلاقها النظيفة وفضائلها العالية . ويجعل "الزكاة" قاعدة هذا النظام , في مقابل نظام الجاهلية الذي يقوم على القاعدة الربوية . ويجعل الحياة تنمو والاقتصاد يرتقي عن طريق الجهد الفردي , أو التعاون البريء من الربا !
وبهتت هذه الصورة في حس هذه الأجيال التعيسة المنكودة الحظ التي تشهد تلك الصورة الرفيعة من صور الإنسانية . إنما ولدت وعاشت في غمرة النظام المادي , القائم على الأساس الربوي . وشهدت الكزازة والشح , والتكالب والتطاحن , والفردية الأثرة التي تحكم ضمائر الناس , فتجعل المال لا ينتقل إلى من يحتاجون إليه إلا في الصورة الربوية الخسيسة ! وجعلت الناس يعيشون بلا ضمانات , ما لم يكن لهم رصيد من المال ؛ أو يكونوا قد اشتركوا بجزء من مالهم في مؤسسات التأمين الربوية ! وجعلت التجارة والصناعة لا تجد المال الذي تقوم به , ما لم تحصل عليه بالطريقة الربوية , فوقر في حس هذه الأجيال المنكودة الطالع أنه ليس هناك نظام إلا هذا النظام ؛ وأن الحياة لا تقوم إلا على الأساس . !
بهتت صورة الزكاة حتى أصبحت هذه الأجيال تحسبها إحساناً فردياً هزيلاً , لا ينهض على أساسه نظام عصري ! ولكن كم تكون ضخامة حصيلة الزكاة , وهي تتناول اثنين ونصف في المائة من أصل رؤوس الأموال الأهلية مع ربحها(4) ؟ ويؤديها الناس الذين يصنعهم الإسلام صناعة خاصة , ويربيهم تربية خاصة , بالتوجيهات والتشريعات وبنظام الحياة الخاص الذي يرتفع تصوره على ضمائر الذين لم يعيشوا فيه ! وتحصلها الدولة المسلمة , حقاً مفروضاً , لا إحساناً فردياً : وتكفل بها كل من تقصر به وسائله الخاصة من الجماعة المسلمة ؛ حيث يشعر كل فرد أن حياته وحياة أولاده مكفولة في كل حالة ؛ وحيث يقضي عن الغارم المدين دينه سواء كان ديناً تجارياً أو غير تجاري , من حصيلة الزكاة .
وليس المهم هو شكلية النظام . إنما المهم هو روحه . فالمجتمع الذي يربيه الإسلام بتوجيهاته وتشريعاته ونظامه , متناسق مع شكل النظام وإجراءاته , متكامل مع التشريعات والتوجيهات , ينبع التكافل من ضمائره ومن تنظيماته معاً متناسقة متكاملة . وهذه حقيقة قد لا يتصورها الذين نشأوا وعاشوا في ظل الأنظمة المادية الأخرى . ولكنها حقيقة نعرفها نحن ـ أهل الإسلام ـ ونتذوقها بذوقنا الإيماني . فإذا كانوا هم محرومين من هذا الذوق لسوء طالعهم ونكد حظهم ـ وحظ البشرية التي صارت إليهم مقاليدها وقيادتها ـ فليكن هذا نصيبهم ! وليحرموا من هذا الخير الذي يبشر الله به :"..الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ.."
(البقرة277)..ليُحرموا من الطمأنينة والرضى , فوق حرمانهم من الأجر والثواب . فإنما بجهالتهم وجاهليتهم وعنادهم يُحرمون !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)مسند أحمد شاكر(4880) (2)متفق عليه . (3) الشيخان
(4) ترتفع هذه النسبة إلى 5% وإلى 10% وإلى 20% في الزروع و الكنوز
العدالة الاجتماعية في الإسلام
الشهيد سيد قطب
سياسة المال في الإسلام
فرائض غير الزكاة
..ومع ذلك فالزكاة ليست وحدها حق المال ...
وإنا لنلحظ شبه تواطؤ بين من يتحدثون عن الزكاة في هذه الأيام , على اعتبارها الحد الأقصى الذي يطلبه الإسلام دائماً من رؤوس الأموال ! لذلك ينبغي أن نكشف هذا التواطؤ الذي يتعمده رجال الدين المحترفين ؛ كما يتعمده من يريدون إظهار النظام الإسلامي بأنه غير صالح للعمل في عصر " الحضارة"!
إن الزكاة هي الحد الأدنى المفروض في الأموال , حين لا تحتاج الجماعة إلى غير حصيلة الزكاة فأما حين لا تفي , فإن الإسلام لا يقف مكتوف اليدين , بل يمنح الإمام الذي ينفذ شريعة الإسلام , سلطات واسعة للتوظيف في رؤوس الأموال ـ أي الأخذ منها بقدر معلوم ـ في الحدود اللازمة للإصلاح . ويقول بصريح الحديث :"إن في المال حقاً سوى الزكاة"(1) .
ودائرة "المصالح المرسلة" "وسد الذرائع" دائرة تشمل تحقيق كافة المصالح للجماعة , وتضمن دفع جميع الأضرار .
ونحن نكتفي في بيان حدودها بما ورد عنهما في كتاب :"الإمام مالك"للأستاذ الشيخ "محمد أبو زهرة" أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق بجامعة القاهرة.
والمصالح المرسلة : " إن المصالح التي ليس لها نص خاص يشهد لنوعها بالاعتبار تسمى المصالح المرسلة , وكونها أصلاً فقهياً موضع اعتبار بين الفقهاء , وقد ادعى القرافي أن الفقهاء جميعا أخذوا بها واعتبروها دليلاً في الجزئيات , وإن أنكر أكثرهم كونها أصلاً في الكليات وقد قال في ذلك :
" المصلحة المرسلة , غيرنا يصرح بإنكارها , ولكنهم عند التفريع تجدهم يعللون بمطلق المصلحة , ولا يطالبون أنفسهم عند الفروق والجوامع بإبداء الشاهد لها بالاعتبار , بل يعتمدون على مجرد المناسبة , وهذا هو المصلحة المرسلة ".
" وسواء أصحت تلك الدعوى أم لم تصح , فمن المؤكد أن اعتبار المصالح التي لا يشهد لها نص خاص بالاعتبار ـ نظر العلماء إليها يختلف , فإن لم يكن في أصل الأخذ , فعلى الأقل في مقدار الأخذ كما يحسب القرافي.
"وقد انقسمت أقوال العلماء في ذلك إلى أربعة أقسام :
"(القسم الأول) الشافعية ومن نحا نحوهم , وهؤلاء لا يأخذون بالمصالح المرسلة التي لا يوجد شاهد من الشارع باعتبارها , لأنهم لا يأخذون إلا بالنصوص , والحمل عليها بالقياس الذي يكون أساسه وجود ضابط يضبط ما بين الأصل والفرع ,أي ما بين المنصوص عليه , والملحق به , وإن سايرنا القرافي فإننا نقول : إنه يندر أن يأخذوا بمصلحة مرسلة من غير قياس .
"(القسم الثاني) الحنفية ومن شاكلهم ممن يأخذون بالاستحسان مع القياس , فإن الاستحسان مهما يكن قولهم فيه لا يخلو من اعتماد على المصالح المطلقة , ولو أنصفنا الحقيقة لقلنا : إن مجيء المصالح في استنباطهم أكثر من الشافعية , وإن كان القدر في ذاته قليلاً , حتى تحسب تلك المصالح أصلاً من أصولهم لندرة اعتمادهم المجرد عليها.
"(القسم الثالث) الغلاة في الأخذ بالمصالح , حتى قدموا المصلحة على النص في معاملات الناس , واعتبروها مخصِصة له , بل اعتبروها مخصصة للإجماع , أي أن العلماء إذا أجمعوا على أمر بنص , ووجد مخالفاً للمصلحة في بعض وجوهه قدم اعتبار المصلحة , واعتبر ذلك تخصيصاً , وقد قال هذا القول الطوفي.
"(القسم الرابع) المعتدلون , وهم الأصح بصراً , وأولئك اعتبروا المصالح المرسلة في غير موارد النص المقطوع به , وأولئك أكثر المالكية .
" وكان مالك في أخذه بالمصالح المرسلة أصلاً مستقلاً متبعاً لا مبتدعاً.
1ـ "فقد وجد أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقولون بأمور من بعده لم تكن على في عهده , فجمعوا القرآن الكريم في المصحف , ولم يكن ذلك في عهد الرسول , لأن المصلحة تقاضتهم ذلك الجمع , إذ خشوا أن ينسى القرآن بموت حفاظهم , وقد رآهم عمر رضي الله عنه يتهافتون في حرب الردة , فخشي نسيان القرآن بموتهم فأشار على أبي بكر بجمعه في المصحف , واتفق الصحابة على ذلك وارتضوه .
2ـ "اتفق أصحاب الرسول من بعده على حد شارب الخمر ثمانين جلدة , مستندين في ذلك إلى المصالح , أو الاستدلال المرسل , إذ رأوا الشرب ذريعة إلى افتراء وقذف المحصنات , بسبب الهذيان .
3ـ "واتفق الخلفاء الراشدون على تضمين الصناع , مع أن الأصل أن أيديهم على الأمانة , ولكن وجد أنهم لو لم يضمنوا لاستهانوا بالمحافظة على أمتعة الناس وأموالهم , وفي الناس حاجة شديدة إليهم , فكانت المصلحة في تضمينهم , ليحافظوا على ما تحت أيديهم ؛ ولذلك قال علىّ في تضمينهم :"لا يصلح الناس إلا ذاك ".
4ـ "وكان عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يشاطر الولاة الذين يتهمهم في أموالهم , لاختلاط أموالهم الخاصة بأموالهم التي استفادوها بسلطان الولاية , وذلك من باب المصلحة المرسلة أيضاً لأنه رأى في ذلك صلاح الولاة , ومنعهم من استغلال سلطان الولاية لجمع المال . وجر المغانم من غير حل .
5 ـ "وحكى عنه ـ رضي الله عنه ـ أنه أراق اللبن المغشوش بالماء تأديباً للغاش , وذلك من باب المصلحة العامة , لكيلا يغشوا الناس .
6ـ " وقد نقل عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه قتل الجماعة بالواحد إذا اشتركوا في قتله لأن المصلحة تقتضي ذلك , إذ لا نص في الموضوع , ووجه المصلحة أن القتيل معصوم , وقد قتل عمداً , فإهداره داع إلى خرم أصل القصاص , واتخاذ الاستعانة والاشتراك ذريعة إلى السعي بالقتل , إذا عُلم أنه لا قصاص فيه , فإن قيل : هذا أمر بدعي , وهو قتل غير القاتل , لأن كل واحد لا يعد قاتلاً بمفرده , قيل في رد ذلك إن القاتل : الجماعة من حيث الاجتماع , فقتلها كلها قتل كالقاتل بمفرده , إذ القتل مضاف إليها كإضافته إلى الشخص الواحد , فنزل الأشخاص المجتمعون لغرض القتل منزلة الشخص الواحد , وقد دعت إلى المصلحة , إذ فيه حقن الدماء , وصيانة المجتمع ...
"ومن ملاحظة المصلحة في المسائل العامة أنه إذا خلا بيت المال , أو ارتفعت حاجات الجند , وليس فيه ما يكفيهم , فللإمام أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافياً لهم في الحال , إلى أن يظهر مال في بيت المال , أو يكون فيه ما يكفي , ثم له أن يجعل هذه الوظيفة في أوقات حصاد الغلات , وجنى الثمار , لكيلا يؤدي تخصيص الأغنياء إلى إيحاش قلوبهم . ووجه المصلحة أن الإمام العادل لو لم يفعل ذلك لبطلت شوكته , وصارت الديار عرضة للفتنة وعرضة للاستيلاء عليها من الطامعين فيها , وقد يقول قائل : إنه بدل أن يقوم الإمام بفرض هذه الوظيفة يستقرض لبيت المال , وقد أجاب الشاطبي فقال :"الاستقراض في الأزمات , إنما يكون حيث يرجى لبيت المال دخل يُنتظر , وأما إذا لم ينتظر شيء , وضعفت وجوه الدخل بحيث لا يغني , فلا بد من جريان حكم التوظيف" .
الذرائع :"الذريعة معناها الوسيلة . ومعنى سد الذرائع رفعها , ومؤدى الكلام أن وسيلة المحرم محرمة , ووسيلة الواجب واجبة , فالفاحشة حرام , والنظرة إلى عورة الأجنبية حرام , ولأنها تؤدي إلى الفاحشة ؛ والجمعة فرض , فالسعي لها فرض , وترك البيع لأجل السعي فرض أيضاً ؛ والحج فرض والسعي إلي بيت الله الحرام وسائر مناسك الحج فرض لأجله .
"والأصل في اعتبار سد الذرائع هو النظر في مآلات الأفعال , وما تنتهي في جملتها إليه , فإن كانت تتجه نحو المصالح التي هي المقاصد والغايات من معاملات بني الإنسان بعضهم مع بعض كانت مطلوبة بمقدار يناسب هذه المقاصد , وإن كانت لا تساويها في الطلب . وإن كانت مآلاتها تتجه نحو المفاسد , فإنها تكون محرمة بما يتناسب مع تحريم هذه المفاسد , وإن كان مقدار التحريم أقل في الوسيلة .
"والنظر في هذه المآلات لا يكون إلى مقصد العامل ونيته , بل إلى نتيجة العمل وثمرته , وبحسب النية يثاب الشخص أو يعاقب في الآخرة وبحسب النتيجة والثمرة يحسن الفعل , أو يقبح , ويطلب أو يمنع , لأنها الدنيا قامت على مصالح العباد , وعلى القسطاس والعدل , وقد يستوجبان النظر إلى النتيجة والثمرة دون النية المحتسبة , والقصد الحسن فمن سب الأوثان مخلصاً لله سبحانه وتعالى فقد احتسب نيته عند الله في زعمه , ولكنه سبحانه وتعالى نهى عن السب إن أثار ذلك حنق المشركين , فسبوا الله تعالى , فقد قال تعالت كلماته :" وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ .." (الأنعام108). فهذا النهي الكريم كان الأمر الملاحظ فيه هو النتيجة الواقعة , لا النية المحتسبة . ونرى من هذا المنع فيما يؤدي إلى الإثم , أو إلى الفساد , لا يتجه إلى النية المخلصة فقط , بل إلى النتيجة المثمرة أيضاً , فيمنع لنتيجته , وإن كان الله قد علم النية المخلصة .
"وقد يقصد الشخص الشر بفعل المباح , فيكون آثماً فيما بينه وبين الله , ولكن ليس لأحد عليه سبيل , ولا يحكم على تصرفه بالبطلان الشرعي , كمن يرخص في سلعته , ليضر بذلك تاجراً ينافسه , فإن هذا بلا شك عمل مباح , وهو ذريعة إلى إثم هو الإضرار بغيره وقد قصده ؛ ومع ذلك لا يحكم على عمله بالبطلان بإطلاق , ولا يقع تحت التحريم الظاهر الذي ينفذه القضاء , فإن هذا العمل من ناحية النية ذريعة للشر , ومن ناحية الظاهر قد يكون ذريعة للنفع العام والخاص , فإن البائع بلا شك ينتفع من بيعه , ومن رواج تجارته , ومن حسن الإقبال عليه , وينتفع العامة من ذلك الرخص , وقد يدفع إلى تنزيل الأسعار .
"فمبدأ سد الذرائع لا ينظر فقط إلى النيات والمقاصد الشخصية كما رأيت , بل يقصد مع ذلك على النفع العام أو إلى دفع الفساد العام , فهو ينظر إلى النتيجة مع القصد أو إلى النتيجة وحدها.
"وقد ثبت أصل الذرائع بالقرآن والسنة . أما القرآن فقوله تعالى :" وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ..". فيروى أن المشركين قالوا : لتكفن عن سب آلهتنا أو لنسب إلهك . وقوله تعالى :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا .."(البقرة104) ,لأن قصد المسلمين كان حسناً ,ولكن اليهود اتخذوه ذريعة إلى شتمه عليه السلام .
"أم السنة فإن أقوال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفتاوي أصحابه فيها كثير , منها كفه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن قتل المنافقين , لأنه ذريعة إلى قول الكفار : إن محمداً يقتل أصحابه .
"ومنها أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى المقرض عن قبول الهدية من المدين حتى يحسبها من دينه , وما ذاك إلا ليتخذ ذلك ذريعة إلى تأخير الدَّين لأجل الهدية , فتكون ربا , فإنه يعود إليه ماله , وقد اكسب الفضل الذي آل إليه بالإهداء .
" ومنها أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى أن تقطع الأيدي في الغزو لئلا يكون ذريعة إلى اتجاه المحدود إلى المحاربين فيفر إليهم ؛ ولمثل ذلك لا تقام الحدود في الغزو حتى لا تدفع حرارة الضرب إلى الضلال , وهو منه قريب .
" ومنها أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وَرَّثوا المطلقة طلاقاً بائناً في مرض الموت , حيث يتهم بقصد حرمانها من الميراث , وإن لم يثبت قصد الحرمان , لأن الطلاق ذريعة.
"ومنها أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن الاحتكار , وقال : "من احتكر فهو خاطيء"(2) فإن الاحتكار ذريعة إلى أن يضيق على الناس , وكل ما يعد ضرورياً لهم , ولهذا لا يمنع من احتكار ما لا يضر الناس كأدوات الزينة ونحوها , مما لا يدخل في الضروريات ولا الحاجيات .
"ومنها أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ منع المتصدق شراء صدقته ولو وجدها تباع في السوق , سدا لذريعة العود فيما خرج عنه لله ولو بعوضه . وإن المتصدق إذا منع من أخذ صدقته بعوضها , فأخذها بغير عوض أشد منعاً , وإن في تجويز أخذها بعوض ذريعة إلى التحايل على الفقير بأن يدفع إليه صدقة ماله , ثم يشتريها بأقل من قيمتها ؛ ويرى المسكين أنه قد حصل له شيء من حاجته , فتسمح نفسه بالبيع .
"وهكذا كثرت الآثار الواردة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه , وقد ساق بن القيم في "إعلام الموقعين" نحو تسعين شاهداً من الآثار , ثبت فيها النهي سداً للذرائع .
"ولقد عدت الذرائع في شرائع الإسلام نصفها".
* * *
مبدأ المصالح المرسلة , ومبدأ سد الذرائع , عند تطبيقها في محيط أوسع , يمنحان الإمام الذي ينفذ شريعة الله سلطة واسعة لتدارك كل المضار الاجتماعية , بما في ذلك "التوظيف" في الأموال . رعاية للصالح العام للأمة وتحقيق العدالة الاجتماعية الكاملة .
فمبدأ حق الملكية الفردية في الإسلام , لا يمنع تبعاً لهذا أن تأخذ الدولة نسبة من الربح أو نسبة من رأس المال ذاته . على أن تظل قاعدة النظام الإسلامي مرعية . وهي أن تكون للناس ملكياتهم الخاصة , واستثماراتهم الخاصة , مقيدة بطرق التنمية المشروعة . وأن يكون التوظيف في الأموال الخاصة . بقدر الضرورة . بقدر الضرورة الطارئة حتى لا تستوحش قلوب الناس , ولا تفتر همتهم , ولا يقل اهتمامهم بتنمية الثروة وتحسين الإنتاج .. وقبل ذلك كله , وأهم من ذلك كله أن تبقى لهم طمأنينتهم على أرزاقهم , وألا يصبحوا عبيداً للدولة يخشون إن هم نصحوها أو عارضوها قطع أرزاقهم . فالمسلم ـ كل مسلم ـ مكلف أن يراقب الحاكم , وأن يكفه عن الانحراف عن شريعة الله .. فأنى له هذا إذا كان رزقه ليس في يده . ولا مال له إلا ما يسمح له به ؟!
وبيان هذا ضروري , لكشف هذا التواطؤ الذي يبدو في تركيز القول كله حول الزكاة , كأنما هي كل حق المال في الإسلام , وكشف أولئك المحترفين الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً . وما يأكلون في بطونهم إلا النار ! وكشف أولئك الذين يصغرون من شأن الضمانات في النظام الإسلامي , ويقولون بعدم كفايتهم , ليقولوا بعد ذلك بعدم كفاية النظام الإسلامي للحياة الحديثة !
وكله رجم وافتراء , وجهل بحقيقة الإسلام , ونظام الإسلام , وبالواقع التاريخي الذي سجله هذا النظام ...
* * *
وبعد فنحن لا نكتب هنا عن " النظام الاقتصادي في الإسلام" حتى نلم بكل جوانب هذه النظام . إنما نحن نكتب عن "سياسة المال" فيما يتعلق بموضوع "العدالة الاجتماعية".. وحقيقة أنه لا يمكن فصل جانب عن جانب في المنهج الإسلامي الشامل المتكامل للحياة ؛ ولكن طبيعة الموضوع الذي يعالجه هذا الكتاب لا تسمح بالتوسع أكثر من هذا في عرض تفصيلات "النظام الاقتصادي الإسلامي".
فنكتفي إذن بالقول بان القواعد الأساسية لهذا النظام تتلخص في :
1ـ قيامه على أساس قاعدة " الاستخلاف المشروط".. فالله سبحانه هو الخالق المالك لكل ما في الأرض من أقوات وأرزاق وأموال .. وقد استخلف في الأرض "الإنسان" كجنس ـ على شرط أن يتصرف في هذا الملك بشريعة الله . فأيما خروج على هذا الشرط فهو مبطل للتصرف , ناقض لعهد الاستخلاف.
2ـ أن الاستخلاف عام .. ولكن الأفراد يحصلون على حق "الملكية الفردية" مقابل "عمل" .. ومن يملّكهم الشارع ـ سبحانه وتعالى ـ قسماً معيناً من المال .. ويحوط هذا الحق بكل الضمانات , التي تجعل الفرد عزيزاً كريماً مطمئناً على رزقه , كي يتفرغ للقيام بواجبه في رقابة تنفيذ شريعة الله .
3ـ أن الملكية الفردية ـ مع قاعدة هذا النظام ـ مقيدة بشروط في وسيلة التملك ووسيلة التنمية ووسيلة الإنفاق . تتحقق بها مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة . وتمنع من طغيان الفرد أو طغيان الجماعة ..
4ـ أن التكافل ـ مع الاحتفاظ بقاعدة الملكية الفردية ـ هو قاعدة الحياة في الأمة المسلمة . وهذه القاعدة تفرض تكاليف ذكرناها على الملكية الفردية , مبينة في الشريعة . وفيها الكفاية تماماً لتحقيق هذا التكافل العام.
5 ـ أن العدالة الاجتماعية تتحقق عن طريق هذا النظام بأفضل مما تتحقق في أي نظام من صنع البشر فيه الخطأ والصواب .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الترمذي (2)مسلم وأبو داود والترمذي
.
من الواقع التاريخي في الإسلام(1)
العدالة الاجتماعية في الإسلام الشهيد سيد قطب