تتراكم دقات الساعة فى إصرار إلى الساعة التاسعة ليلا ، التفت الأسرة حول فلذة كبدها فى وجوم ، تكوم الشاب الأسمر النحيل فى أحد الأركان يعالج قلقه العاصف ، سحابة التوتر تملأ المكان و تتكاثف فى النفوس ، تمطر القلوب بالضيق .
بدأ يتأمل تشكيل المكان ، يود لو يحتفظ فى خزانة ذاكرته برائحة الأشياء ةالتفاصيل ، لم يكن يتصور أن يترك منزله كى يسافر بعيدا ، إحساس بالعجز يشمل الجميع ، الجو العاصف يلفح أبواب النافذة فى إصرار ، تصطدم الثلوج بالزجاج الخارجى محدثة ذاك الصوت الرتيب الذى يملأ النفوس بالذعر ، طائرته الثالثة فجرا ، والده ينظر إليه بأسى ، يتملل الشاب فى يأس ، كان متوترا للغاية ، ليس بعد هذا العذاب تتعطل إجراءات سفره لسبب قد لا يعرفه ، لا يعلم لماذا هو دائما متوجسا ، ينتظر دائما الكارثة تحل به فى أى لحظة ، سيطر عليه الخاطر الكئيب فى إصرار ، نظرات أمه الحنونة تنساب على وجهه المكفهر ، مر من أمامه شريط حياته فى سطور سريعة ، تشابكت فى غابة كثيفة ، غامت الصورة فى روحه كأن أيامه لم تكن ، يحاول التذكر بلا جدوى ، تقترب الساعة إلى التاسعة والنصف ، ينقطع الشريط المتلاشى كأنما تبرق السماء وترعد لتمزق شرائط ذكرياته ، يتزايد أكتئابه ، تعصف به الخواطر كالرياح العاتية ، الطقس أصبح جزء متناسق مع نسيج نفسه حيث اتحدت خيوطهما معا فى رداء البرودة العاتية لتحفر صدى وجدانه الحزين ، كان مع الأسرة القلقه صديقه الأثير ، التفت إليه ، وجد الحزن يلفه ويعصره عن عمد ، بعد ان سافر أغلق الصديق على نفسه بابه وبكى بكاء مرا لم يشعر به أحد ، ، كان مقررا ان يسافر فى سيارة خاصة تتحرك به من أمام المنزل فى الساعة العاشرة محفوفا بمشاعر طافية رائعة لم تخفف من حده قلقه الراعد ، لكن السماء أمطرت كما لم تمطر من قبل ، وكست الغيوم شوراع المدينة ، أبدى الأب تخوفه الشديد من السفر على الطريق السريع قد يكون مغلقا ، طاف حول رأسه الخاطر المر ، هل بعد ذلك جميعه يتعطل سفره ؟ ، بعد هذا الجهد الحافل ، يفقد فرصته الوحيدة للحياة أعتصر قلبه الألم ، يلتف حول صديقه ، برقت داخله على حين غرة طرفا من حديث صاحبه : نعم ندرت فرصتنا فى الحياة .. فى كل شيئ ... فى العمل ... فى المواصلات ... فى التعليم ... فى الثقافة ، تذكر مقولة صاحبه الأثيرة وأبتسم
يبقى الواقع على ما هو عليه من حزن وألم ، وعلى المتضرر اللجوء إلى الله تعالى ، يعتمد بخاتم الثقة بالله تعالى ) ، أصر صديقه اليوم ان يرافقه دون أسرته رغم الرفض كان حاسما ، أخذ اليوم اجازة من عمله كى يرافقه ، كم هو صديق مخلص ، ندر مثلك ياأخى ، العاصفة تشتد ، والحنين يتدفق فى شلال قلق ، لم تصل السيارة الخاصة فى موعدها كما كان متوقعا ، لابد من قرار حاسم اقترحه الصديق بركوب قطار الساعة العاشرة والنصف مساءا وهو آخر القطارات المسافرة إلى القاهرة ، وافقه الجميع ، تذكر كم من مرة حمل حقيبة صديقه كى يصحبه إلى المحطة فى رحلته الأسبوعية ، لكن هذه المرة الأمر مختلفا ، حملته أمواج الأشواق ، غسلته دموع الأم ، لكن قلقه لم يسمح له حتى بالاستمتاع بهذه المشاعر الرقيقة ، كان جميع همه متركزا فى يغادر مدينته ويضع قدمه فى طائرنه ويتحقق حلم العمر ، ، بسرعة كان التصرف المفاجئ ، وانتقل الصديقان إلى المحطة فى طقس عصف بالمشاعر والدموع معا ، ظلا وافقين فى القطار حتى وصلا القاهرة ، ضغط البرد براحتيه القارستين فزمجرت الأحزان وتصدعت النفوس ، انتقلا سريعا بأتوبيس المطار المكيف إلى الطريق ، لم يذق النوم حتى موعد الطائرة ، كان صاحبه حزينا قال : إن السماء تبكى لسفرك !! ، لم يستطع مجاراته فى الحديث ، تجمدت الكلمات ، انسابت المشاعر الغافية فى رحلة الذكريات
طوى صديقه الرسالة .... بدأ يخط على ورقته البيضاء ، انصاع القلم فى يده ، استمد مداده من لحظات ود صافية ، أخى الحبيب : تحية عطرة مباركة أرسلها إليكم من أرض الوطن .