مدينة الياسمين
عنوان لافت للإنتباه رُعي فيه حبّ أهل الشام لهذه الزهرة البيضاء و "هل هناك رائحة تضاهي في عبقها رائحة الياسمين ؟ ومن رقة شكله وعذوبة رائحته أصبح الشعراء يشبهون حبيباتهم بالياسمين "
و أرض الشام من مدائن الله تعالى الخالدة و هي أهل لتنسب إليها هذه الزهرة الأكثر من رائعة...
قاب غربتين أو أكثر ...
و ما أقساهما من غربتين: غربة الهجرة أو النزوح ثمّ غربة امعذب لأهل و الأحباب..بل و يخشى الشاعر المعذب أن تتلوه غربة أو غربات و هذا ما لا يتمناه أهل و أحباب الياسمين ...ما أجمل هذا الإقتباس القرآني و انظر إلى شاعرنا كيف استعاض بكلمة أكثر ليضفي معنى ثان أكثر سوادية و قسوة و حسرات...
شهق الحنين
في ظلّ هذا الحزن المتراكم و الخوف المرتقب تتحرك الذكريات من داخل شاعرنا و يشتدّ أوارها و لا يسمع للشاعر إلاّ شهقات تعكس ثقل الهموم التي أثقلت وجدانه الكئيب و نفسيته المعذّبة...
تناسلت أشواق الياسمين الحزين
و يقابل حنينه في الجهة الأخرى تناسل أشواق الياسمين الحزين الذي طال انتظاره و ها هو يتناسل و يزداد عدده ليولد أحزانا متزايدة متراكمة..
أغمض المدى عيناه..
و تغلبه الهموم و تكاد تزهق روحه من هول الذكريات فيولي جانبا مغمضا عيناه فيبدو المدى الرحب ضيقا حرجا ... و هذا من أجمل التشبيهات و هو من باب التصوير الفنّي البديع ... إذ كيف يكون للمدى عينان يغمضهما و يفتحهما...
قلتُ : للسماء دثريني
الشاعر لا يطيق هذه الصور المثقلة بالأحزان و الملفعة بالأشواق فيتذكر مشهدا نبويا كان قد عايشه رسول الله تعالى يوم أن نزل عليه الوحي فيصرخ و يقول: ذثروني أي غطوني ...و في هذا الخوف الطبيعي يستوي كلّ البشر و هذا قياس مع الفارق طبعا...و هي إشارة واضحة للجوء الشاعر إلى ربّه يدعوه و يطلب منه الستر و الفرج و المدد على تحمل هذه الأثقال...
ما أنا سوى نبي حلم ... في زمن القتل ..!!
ينكرُ كل رسالات الموت
و حتى لا يتهمه أحد ما بادعاء النّبوة يبين وجهة نظره بأنه سوى نبيّ حلم في زمن القتل و الهرج و المرج و بأنّ رسالته تركز على إنكاره للموت و القتل و الدم تحت أيّ غطاء و مبرر و من أي جهة كانت...
الوطن يلتحف دم الشهيد
يبحث جورّية دفء ..... تواري دمعات الخيبة ..!!
ثم يعلن بأن أيادي الوطن تمتد لتشمل كلّ دم شهيد سقط و هو يتسع للكل دون تمييز أو انحياز...الوطن فقط يبحث بدل الدماء عن ورد ة الجورية الشديدة الحمرة الناعمة الملمس الدافئة الحنان..هذا الدفء الحاني بربتاته الرحيمة يوري التراب على دموع الخيبة و النكسة التي ألمت مدينة الياسمين.. و هنا يفتح الشاعر باب الأمل على مصراعيه ...ثم يعلن بصراحة أمنيته الأخيرة فيقول:
و أنا...
أتشبث بأطراف الروح
وأُمنية أخيرة ....
لحلمٍيَّ الموءود ...
بمدينة الياسمين ...
و ما أحيلاها من أمنية و قد لامست أياديها أطراف الروح أن يرى مدينة الياسمين و قد التحفت بجورية بل جوريات و تعطرت و تعوضت بعطور الياسمين و تعانقت الأرواح و نُصبت الموائد و أعلنت الأفراح ... لا تهمه مصالحه الخاصة أمام فرحة أهالي مدينة الياسمين...
كلمات و معاني فاقت الوصف و بلغت الغاية في الجمال و النقاء نقلتنا من عالم إلى عالم آخر ،كان بعبدا فارانا الشاعر مدائنه قريبة ...اللهم احقن دماء أهالي مدينة الياسمين و جزاك الله خيرا أخي قاسم أسعد الأكثر من رائع...لكم الله يا أهلنا