"يدٌ في الريح"
بقلم: خلدون الدالي
كان كل شيء يبدو عاديًا... الحقول تمتد كعادتها، والسماء رمادية كما اعتاد أن يراها، والريح تجرف الغبار نحو الأفق البعيد. لكنه لم يكن يشعر أن الأمور عادية. كان هناك شيء ناقص، شيء لا تستطيع الريح حمله ولا يستطيع الغبار إخفاءه.
وقف عند الحاجز، يراقب الجنود المترهلين بكسلٍ تحت المظلة الحديدية. مدّ يده المرتعشة نحو جيبه ليخرج الهوية، لكن الجندي لم ينظر إليها، بل كان يحدّق في شيء آخر.
"يدك... لماذا ترتعش هكذا؟"
رفع عينيه، ثم نظر إلى يده. كانت مرتخية، كأنها لم تعد تخصه، كأنها يدٌ وجدها بالصدفة في طريقه ولم يعرف كيف يتصرف بها. حاول أن يخفيها في جيبه، لكنه شعر بأنها أثقل من أن تتحرك بسهولة.
"أنا أسألك، يدك لماذا ترتعش؟"
لم يردّ. لم يكن لديه جواب جاهز لهذا السؤال، ولم يكن يريد أن يشرح أي شيء لجندي لم يعرفه ولن يتذكره بعد خمس دقائق.
صاح الجندي الآخر بنبرة ساخرة: "ربما يخفي سلاحًا!"
ضحك الجميع. لم يكن هناك ما يضحك، لكنهم ضحكوا.
شعر بالعرق يتصبب من جبينه. هل كان يخفي سلاحًا؟ مدّ يده الأخرى إلى جيبه، تحسس البطاقة، الورقة المطوية، والشيء الصغير الذي التصق بأصابعه منذ الفجر. كان دافئًا، كأنه ينبض.
نظر إلى الأرض. كانت الريح تعوي بين الصخور الصغيرة، تثير الغبار في دوامات مجنونة. رفع رأسه ببطء، رأى الجنود يحدقون به، وأحدهم يضع إصبعه على الزناد.
فتح كفّه. كان يحمل حفنة من التراب.
هزّ الجندي كتفيه بملل، أشار له بالعبور، ثم بصق على الأرض. لم يكن مهتمًا، ولم يكن هو أيضًا مهتمًا بما حدث. عبر ببطء، حافيًا إلا من ظلّه، تاركًا الريح تحمل معه يدًا لم تعد ترتعش.