/ قبلة الوداع الأخيرة .
كانت تحبه حدَّ الجنون؛ لا تفارقه لحظة، وتخاف عليه حتى من نسمة هواء عابرة. وحين كان يجري في البستان، كان الفرح يدور حولها دائرة كاملة، مكتملة، كأن العالم لا يتسع لغيرهما. كانت أمًّا حنونًا، بالمعنى الذي لا يحتاج إلى تفسير.
وفي يومٍ شاء صاحب البستان أن يكلّفها أعمالًا شاقة، تتطلب وقتًا وجهدًا. ترددت قليلًا، ثم رفضت. فهم الرجل سريعًا أن صغيرها هو سبب الرفض، فطمأنها بأن تأخذه معها أثناء العمل.
كانت تعرف أن الشتاء يقترب، وأن الجوع لا يفرّق بين كائنٍ وآخر، وأن البرد لا يرحم أحدًا. أخذت طفلها، ووضعته أمامها في بقعة نظيفة تحت ظل شجرة عتيقة، لتراه كلما رفعت رأسها. وبدأت العمل… وعيناها معلّقتان به.
لكن الأقدار كانت أسرع من نظراتها. تسللت أفعى سامة من بين الأعشاب، وغرست سمّها في قدمه. ارتفع صراخه، حادًّا، موجعًا. ركضت نحوه، ضمّته، قلّبته بين يديها، تصرخ وتبكي، تستغيث بصاحب البستان.
حاول الرجل إنقاذه بكل ما يستطيع، لكن الموت كان قد سبق الجميع.
جثت بجانبه، وأخذت تحفر الأرض بجنون، بيديها وقدميها، كأنها تريد اقتلاع التراب نفسه، أو العثور على الألم لتمزقه. استمرت حتى خانتها قواها. اقتربت من صغيرها، قبلته طويلًا، وشمّته بلا توقف، كأن الرائحة آخر ما تبقّى منه.
حاول صاحب البستان أن يواسيها، أن يخفف عنها، لكنها كانت تصرخ كلما اقترب. وقف جامدًا، يتآكله الحزن والندم، إلى أن أقنعها بشقّ الأنفس أن يواروه التراب.
في ذلك اليوم أدرك صاحب البستان حقيقة لم يفهمها من قبل:
أن ما كان جحشًا في عينيه، كان أجمل طفل رأته أنثى الحمار بعينيها الحزينتين…
عينين لم تطولا البقاء بعده.
.
.
.