"مجتمع البلاك بيري":
يضع الكاتب القارئ في عمق الواقع المرير الذي يعيشه غالب الناس،
ولم ينجُ من ذاك المصاب غير الذي بقي في عقله الصواب!
لا أحب التنفس من رئة التشاؤم،
ولا أحب اللون الأسود من جملة الألوان،
ولكنها المصداقية التي تُحتم عليّ قول ذلك، وعنه لا أفارق!
ولا أنظر بعد ذلك إلى الملام إذا جاء من فلان وفلان!
ولنا أن ننظر في أحوال الغرقى في بحور الهيام بذلك الجهاز الذي صُمم في أصله كي:
يقرب البعيد،
يوصل الحبيب،
يُعضد روابط الإخاء،
تقوى به شوكة الأسرة،
"ليكون الوصل لهم شعارًا وعنوانًا".
غير أن جينات بعض الناس تنشط فيما يقطعهم عن التواصل المباشر،
ويجرهم إلى الركض وراء كل مغاير، مع فضاء التكنولوجيا التي تسبح في الأكوان
وتكسر حدود الأوطان، ليكون حالها كحال "الماء والهواء"
لا يقطع سبيلهما أي كان!
جلسة العشاء:
ذكرني الكاتب في سرده لذلك المشهد بين الأصدقاء وهم على جلسة العشاء بأخي
الذي يصغرني بأعوام في زيارتي له في بيته،
كنت أطلب منه برمجة وربط هاتفي "بشبكة بيته".
حينها قال لي مجيبًا على ذلك الطلب:
"أعذرني! لن أفعل، لأني أريد الجلوس مع 'أرواح وعقول'، لا مع 'أجساد وأشباح'!"
علم:
بأن هناك مشاهدة لواقع حال، بأن الناس باتت سجينة ذلك الجهاز
الذي أخرجنا من "رحابة وسعة الدنيا إلى ضيق وحيز الجهاز"!
وأخرجنا من "نور التلاقي والتواصل المباشر"
ليُدخلنا في ظلمة التقوقع على الذات والانكفاء"!
أثناء الحديث:
هناك مقولة قد يجهلها الكثير وهي:
"المشغول لا يُشغل".
في أصله، هي لمن انهمك في أمر عابر أو مهمة قد تعلق
في إنهاءها مصائر الذات أو العباد،
أمّا في حال تلك الفئة من الناس، فذاك شغل لن ينتهي
حتى وصول الأجل، ويقال: "رحم الله فلان" بعد أن مات!
هو إدمان يصل بقوته وتأثيره ليكون بمقدار المخدرات،
التي تصل بصاحبها للهلوسة والغيبوبة عن عالم الأشهاد.
في تلكم المجالس تضيع آداب الجلوس واستقبال الضيوف،
لتكون الأجواء ملبدة بالغيوم، وذاك المشغول بهاتفه المحمول
وهو يتلقى الرسائل من هذا وذاك، يتمنى لو ينزل على نُدَمه عاهة الخرس،
كي لا يُشغله حديث قطاع التواصل ولصوص المواقف،
ويبقى هكذا يعيش عيش "القرف"!
تلك التصرفات من أولئك البيريون:
يعيش العربي—لا أعمم—حياة المتربص الشغوف، وعينه على ما يُطرح في السوق من صرعات الجديد،
التي بها يُعمق الهوة ليكون بعيدًا عن العالم الذي يحيط به،
وليته يجني بما يُغرق به السوق من كنوز سهلة المنال لمن أراد العلم والمعرفة،
التي ترفع بالإنسان ليكون بنفسه قامة تدور حول فلكه الكواكب،
ويكون بذلك للعامة والخاصة إمامًا همامًا.
"هي حقيقة جهل عنها وغفل،
أو تعامى عنها الكثير من الأنام!"
ولم ينل من مغانمها، وسخرها، وأخضعها، واستثمرها
لما به خدمة الذات والأنام من رأى في تكالبها وتناسلها مغنمًا به توصل الحياة،
"إلا من شمله وعمه توفيق الله، وهداه للسدد والرشاد".
تحول وظيفة البلاك بيري:
هي حقيقة الحال بأن من يقتنيه يعيش عيش البوار والفراغ وسطحية التفكير،
حيث تجد ذاك التحجر في فكر المقتني للجهاز،
ليتحول كساعي بريد ينقلها لهذا وذاك من غير:
فهم لما إليه يُساق،
ولا تمحيص،
ومن غير "تقصي وتفريق"!
عمله:
تنفيس الكروب،
الهروب من الهموم،
قتل الفراغ!
تلك الإحصائية تشف عن الحقيقة التي باتت تقض مضجع المهتم،
وتكشف ما آلت إليه الأمور بأننا أصبحنا نعيش عيش المكبلة ذواتنا وكوامننا بالأغلال!
فأصبح الغارقون في ذلك الحال يعيشون عيش الموات،
مكسورة أجنحتهم، طموحاتهم خاوية عزائمهم،
يتضاءل حجم منطقهم وتفكيرهم،
"بحيث لا يتجاوز تفكيرهم إلا بقدر المسافة بين أزرار هواتفهم وأناملهم"!
ما أجمل ذلك التوصيف لتلك الحالة المريرة، التي خثرت في الكثير من الخلق تلك الهمة
التي بها يبحثون عن مصادر المعلومات، ولنا أن نرى الفرق،
ولنقارن كيف كان الأمس وكيف هو اليوم!
فبالأمس القريب،
بالرغم من عناء الوصول للمعلومة، غير أنه كان سعيًا حثيثًا،
أما اليوم، فالمعلومة لمن أراد الوصول إليها لا يُكلفه ذلك غير "كبسة زر"!
ومع هذا، أصبح الاتكال على جلب المعلومات من غير عناء،
فتحجرت العقول، وتخثرت الدماء،
فأصبح الجمود هو السائد والمهيمن على العقول!
"وكلما كان الشيء في متناول اليد، كلما زهده طالبوه ومُريدوه!
هو حال من اقتصرت حاجتهم على آنية الوضع"!
عالم بلا بلاك بيري:
عند ذكر الكاتب الفترة التي يكون فيها بعيدًا عن جهازه وهو يمارس رياضة المشي،
يُشخّص تلك الحالة التي يعيشها الإنسان بعيدًا عن تلك القواطع
التي تصرفه عن التمتع بمناظر الطبيعة،
التي فيها يرى الإنسان عظمة خلق ومخلوقات الله!
وكأنه تخلص من جاذبية الطبع ليعود إلى وضعه الطبيعي
الذي به يرى ويسمع الأشياء على ما أوجدها الله.
"البيريون عند الاستيقاظ من النوم"
البعض أصبح حاله مع هاتفه كحال جزء من خصوصيته،
ونفسه، وجسده!
وإن كانت تلك الرسائل التي تُرسل للأصدقاء مجرد "روتين" و"عادة"،
تعوّدت الأنامل على إرسالها!
ذكرني الكاتب بطلبه تخصيص يوم واحد خالٍ من الرسائل،
بذلك اليوم العالمي في ساعة محددة تطفأ فيها الأنوار،
لتكون ثقافة وتلميحًا لضرورة التقليل من استهلاك الكهرباء.
"ولعمر الحق… وما تُجدي تلك الساعة أو اليوم في تغيير البشر،
ممن تجذر وتأصل فيهم الطبع، حتى بات لا يُصلحه تعاقب الليل والنهار، ولا يُغيره دهر"!