منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديـات الثقافيـة > المنتدى الإسلامي

المنتدى الإسلامي هنا نناقش قضايا العصر في منظور الشرع ونحاول تكوين مرجع ديني للمهتمين..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
غير مقروء 14-07-2008, 12:57 PM   رقم المشاركة : 13
معلومات العضو
ناجح أسامة سلهب
أقلامي
 
إحصائية العضو






ناجح أسامة سلهب غير متصل


افتراضي رد: هل يتوجب على المسلم أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة؟

[align=right]والسبب في بلوغهم هذا المبلغ الذي ما بلغ غيرهم أن جماعة من شياطين المقلدين الطالبين لفوائد الدنيا بعلم الدين يوهمون العوام الذين لا يفهمون من الأجناد والسوقة ونحوهم بأن المخالف لما قد تقرر بينهم من المسائل التي قد قلدوا فيها هو من المنحرفين عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وأنه من جملة المبغضين له الدافعين تفضله وفضائله المعاندين له وللأئمة من أولاده فإذا سمع منهم العامي هذا مع ما قد ارتكز في ذهنه من كون هؤلاء المقلدة هم العلماء المبرزون لما يبهره من زيهم والاجتماع عليهم وتصدرهم للفتيا والقضاء حسب ما ذكرناه سابقا فلا يشك أن هذه المقالة صحيحة وأن ذلك العالم العامل بالكتاب والسنة من أعداء القرابة فيقوم بحمية جاهلية صادرة عن واهمة دينية قد ألقاها إليه من قدمنا ذكرهم ترويجا لبدعتهم وتنفيقا لجهلهم وقصورهم على من هو أجهل منهم وإنما أوهموا على العوام بهذه الدقيقة الإبليسية لما يعلمونه من أن طبائعهم مجبولة على التشجيع إلى حد يقصر عنه الوصف حتى لو أن أحدهم سمع التنقص


بالجناب الإلهي والجناب النبوي لم يغضب له عشر معشار ما يغضبه إذا سمع التنقص بالجناب العلوي بمجرد الوهم والإيهام الذي لا حقيقة له
فبهذه الذريعة الشيطانية والدسيسة الابليسية صار علماء الاجتهاد في القطر اليمني في محنة شديدة بالعامة والذنب كل الذنب على شياطين المقلدة فإنهم هم الداء العضال والسم القتال ولو كان للعامة عقول لم يخف عليهم بطلان تلبيس شياطين المقلدة عليهم فإن من عمل شيئا من عباداته ومعاملاته بنص الكتاب والسنة لا يخطر ببال من له عقل أن ذلك يستلزم الانحراف وأين هذا من ذلك ولكن العامة قد ضموا إلى فقدان العلم فقدان العقل لا سيما في أبواب الدين وعند تلبيس الشياطين فإنا لله وإنا إليه راجعون ما للعامة الذين قد أظلمت قلوبهم لفقدان نور العلم وللاعتراض على العلماء والحكم عليهم وما بال هذه الأزمنة جاءت بما لم يكن في الحساب فإن المعروف من خلق العامة في جميع الأزمنة أنهم يبالغون في تعظيم العلماء إلى حد يقصر عنه الوصف وربما ازدحموا عليهم للتبرك بتقبيل أطرافهم ويستجيبون منهم الدعاء ويقرون بأنهم حجج الله على عباده في بلاده ويطيعونهم في كل ما يأمرونهم به ويبذلون أنفسهم وأموالهم بين أيديهم لا جرم حملهم على هذه الأضاليل الشيطانية


والأخلاق الجاهلية أباليس المقلدة للأربعة التي أسلفنا بيانها فانظر هل هذه الأفعال الصادرة من مقلدة اليمن هي أفعال من يعترف بأن باب الاجتهاد مفتوح إلى قيام الساعة وأن تقليد المجتهدين لا يجوز لمن بلغ مرتبة الاجتهاد وأن رجوع العالم إلى اجتهاد نفسه بعد إحرازه الاجتهاد ولو في فن واحد ومسألة واحدة كما صرح لهم بذلك المؤلفون لفقه الأئمة وحرروه في الكتب الأصولية والفروعية كلا والله بل هو صنع من يعادي كتاب الله وسنة رسوله الطالب لهما والراغب فيهما ويمنع الاجتهاد ويوجب التقليد ويحول بين المتشرعين والشريعة ويحيلها عليهم فهما وإدراكا كما صنعه غيرهم من مقلدة سائر المذاهب بل زادوا عليه في الغلو والتعصب بما تقدم ذكره
ومع هذا فالأئمة قد صرحوا في كتبهم الفروعية والأصولية بتعداد علوم الاجتهاد وأنها خمسة وأنه يكفي المجتهد في كل فن مختصر من المختصرات وهؤلاء المقلدة يعلمون أن كثيرا من العلماء العالمين بالكتاب والسنة المعاصرين لهم يعرفون من كل فن من الفنون الخمسة أضعاف القدر المعتبر ويعرفون علوما غير هذه العلوم وهم وإن كانوا جهالا لا يعرفون شيئا من المعارف


لكنهم يسألون أهل العلم عن مقادير العلماء فيفيدونهم ذلك
وبهذا تعرف انه لا حامل لهم على ذلك إلا مجرد التعصب لمن قلدوه وتجاوز الحد في تعظيمه وامتثال رأيه على حد لا يوصف عندهم للصحابة بل لا يوجد عندهم لكلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم


إبطال التقليد
أخرج البيهقي وابن عبد البر عن حذيفة بن اليمان أنه قيل له في قوله تعالى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله أكانوا يعبدونهم فقال لا ولكن يحلون لهم الحرام فيحلونه ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه فصاروا بذلك أربابا وقد روى نحو ذلك مرفوعا من حديث ابن حاتم كما قال البيهقي وأخرج نحو هذا التفسير ابن عبد البر عن بعض الصحابة بإسناد متصل به قال أما أنهم لو أمروهم أن يعبدوهم ما أطاعوهم ولكنهم أمروهم فجعلوا حلال الله حراما وحرامه حلالا فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية وفي قوله تعالى وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم فآثروا الإقتداء بآبائهم قالوا إ نا بما أرسلتم به كافرون وقال عز وجل إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم


الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار وقال الله عز وجل ما هذه التماثيل التي أنتم عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين وقال إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل فهذه الآيات وغيرها مما ورد في معناه ناعية على المقلدين ما هم فيه وهي وإن كان تنزيلها في الكفار لكنه قد صح تأويلها في المقلدين لاتحاد العلة وقد تقرر في الأصول أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وإن الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما
وقد احتج أهل العلم بهذه الآيات على إبطال التقليد ولم يمنعهم من ذلك كونها نازلة في الكفار
وأخرج ابن عبد البر بإسناد متصل عن معاذ رضي الله عنه أنه قال وراءكم فترة يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق والمرأة والصبي والأسود والأحمر فيوشك أحدكم أن يقول قد قرأت في القرآن فما أظن يتبعوني حتى ابتدع لهم غيره فإياكم وما ابتدع فإن كل بدعة ضلالة
و أخرج أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال


ويل للأتباع من عثرات العالم قيل كيف ذلك قال يقول العالم شيئا برأيه ثم يجد من هو أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم منه فيترك قوله ثم يمضي الأتباع
وأخرج أيضا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال يا كل أن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعى للخير والناس ثلاثة فعالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق
وأخرج عنه أيضا أنه قال إياكم والاستنان بالرجال فإن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة ثم ينقلب لعلم الله فيه بعمل أهل النار فيموت وهو من أهل النار
وأخرج عن ابن مسعود أنه قال ألا لا يقلدن أحدكم دينه أن آمن آمن وأن كفر كفرفإنه لاأسوة في الشر
وروى ابن عبد البر بإسناده إلى عوف بن مالك الاشجعي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة قوم يقيسون الدين برأيهم يحرمون ما أحل الله ويحلون به ما حرم الله
وأخرج البيهقي أيضا قال ابن القيم بعد إخراجه من


طرق هؤلاء بعين رجال إسناده كلهم ثقات حفاظ إلا جرير بن عثمان فإنه كان منحرفا عن علي رضي الله عنه ومع هذا احتج به البخاري في صحيحه وقد روى عنه أنه تبرأ مما نسب إليه من الانحراف
وروى ابن عبد البر بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله وبرهة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يعملون بالرأي فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا وأخرجه أيضا بإسناد آخر فيه جبارة ابن المغلس وفيه مقال وروى أيضا بإسناد إلى عمر بن الخطاب أنه قال وهو على المنبر يا أيها الناس إن الرأي إنما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقينا لأن الله كان يريه وإنما هو منا بالظن والتكلف
وأخرجه البيهقي في المدخل وروى ابن عبد البر بإسناده إلى عمر أيضا أنه قال أهل الرأي أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يعوها ووتفلتت عنهم أن يرووها فاتقوا الرأي
وروى ابن عبد البر بإسناده إليه أيضا قال اتقوا الرأي في دينكم وروي عنه أيضا قال إن أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم أن يحفظوها وتفلتت عنهم


أن يعوها واستحيوا حين يسألوا أن يقولوا لا نعلم فعارضوا السنن برأيهم فإياكم وإياهم وأخرج ابن عبد البر بإسناده إلى ابن مسعود قال ليس عام إلا الذي بعده شر منه لا أقول عام أبتر من عام ولا عام أخصب من عام ولأمير خير من أمير ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فيهدم الإسلام وينثلم وأخرجه البيهقي بإسناد رجاله ثقات
وأخرج أيضا ابن عبد البر عن ابن عباس قال إنما هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فمن قاله بعد ذلك برأيه فما أدرى أفي حسناته أم في سيئاته
وأخرج أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عروة نهى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما عن المتعة فقال ابن عباس أراهم سيهلكون نقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول قال أبو بكر وعمر
وأخرج أيضا عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال من يعذرني من معاوية أحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبرني برأيه ومثله عن عبادة رضي الله عنه
وأخرج أيضا عن عمر رضي الله عنه قال السنة ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة


وأخرج أيضا عن عروة بن الزبير أنه قال لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيما حتى أدركت فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم فأخذوا فيهم بالرأي فأضلوا بني إسرائيل
وأخرج أيضا عن الشعبي أنه قال إياكم والمقايسة فو الذي نفسي بيده لئن أخذتم بالمقايسة لتحلن الحرام ولتحرمن الحلال ولكن ما بلغكم ممن حفظ عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحفظوه وروى ابن عبد البر أيضا في ذم الرأي والتبري منه والتنفير عنه بكلمات تقارب هذه الكلمات عن مسروق وابن سيرين وعبد الله بن المبارك وسفيان وشريح والحسن البصري وابن شهاب
وذكر الطبري في كتاب تهذيب الآثار له بإسناده إلى مالك قال قال مالك قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تم هذا الأمر واستكمل فإنما ينبغي أن تتبع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تتبع الرأي فإنه متى اتبع الرأي جاء رجل آخر اقوى في الرأي منك فاتبعته فأنت كلما جاء رجل عليك اتبعته أرى هذا لا يتم
وروى ابن عبد البر عن مالك بن دينار أنه قال لقتادة أتدري أي علم رعوت قمت بين الله وعباده فقلت هذا لا يصلح وهذا يصلح وروى ابن عبد البر


أيضا عن الاوزاعي أنه قال عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول
وروي أيضا عن مالك أنه قال ما علمته فقل به ودل عليه وما لم تعلم فاسكت وإياك أن تقلد الناس قلادة سوء
وروي أيضا القعنبي أنه دخل على مالك فوجده يبكي فقال وما الذي يبكيك فقال يا ابن قعنب أنا لله على ما فرط مني ليتني جلدت بكل كلمة تكلمت بها في هذا الأمر سوطا ولم يكن فرط مني ما فرط مني من هذا الرأي وهذه المسائل وقد كان لي سعة فيما سبقت إليه
وروي أيضا عن سحنون أنه قال ما أدري ما هذا الرأي الذي سفكت به الدماء واستحلت به الفروج واستحقت به الحقوق
وروي أيضا عن أيوب أنه قيل له مالك لا تنظر في الرأي فقال أيوب قيل للحمار ما لك لا تجتر قال أكره مضغ الباطل وروي عن الشعبي أيضا أنه قال والله لقد بغض إلي هؤلاء القوم المسجد حتى لهو أبغض إلي


من كناسة داري قيل له من هم قال هؤلاء الارائيون وكان في ذلك المسجد الحكم وحماد وأصحابهما وذكر ابن وهب أنه سمع مالكا يقول لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا ولا أدركت أحدا اقتدى به يقول في شيء هذا حرام وهذا حلال ما كانوا يجترؤن على ذلك وإنما كانوا يقولون نكره هذا ونرى هذا حسنا وينبغي هذا ولا نرى هذا وزاد بعض أصحاب مالك عنه في هذا الكلام أنه قال ولا يقولون هذا حلال وهذا حرام أما سمعت قول الله عز وجل قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل لله أذن لكم أم على الله تفترون الحلال ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله وروى ابن عبد البر أيضا عن أحمد بن حنبل أنه قال رأي الاوزاعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله رأي وهو عندي سواء وإنما الحجة في الآثار وروي أيضا عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال ما أحدث أحد شيئا من العلم إلا سئل عنه يوم القيامة فإن وافق السنة سلم وإلا فهو العطب وقال الشافعي في تفسير البدعة المذكورة في الحديث الثابت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة أن المحدثات من الأمور ضربان أحدهما ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا


أو إجماعا فهذه البدعة الضلالة والثانية ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذه الأمة وهذه محدثة غير مذمومة وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام شهر رمضان نعمت البدعة هذه وأخرج البيهقي في المدخل عن ابن مسعود أنه قال اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وأخرج أيضا عن عبادة ابن الصامت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يكون بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون فلا طاعة لمن عصى الله ولا تعملوا برأيكم وأخرج عن عمر أنه قال اتقوا الرأي في دينكم وأخرج عنه أيضا بسند رجاله ثقات أنه قال يا أيها الناس اتهموا الرأي على الدين وأخرج أيضا عن علي بن أبي طالب أنه قال لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخفين أحق بالمسح من ظاهرهما ولكن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهرهما وهو أثر مشهور أخرجه غير البيهقي أيضا
وأخرج البيهقي أيضا ما يفيد الإرشاد إلى إتباع الأثر والتنفير عن إتباع الرأي عن ابن عمر وابن سيرين والحسن والشعبي وابن عوف والاوزاعي وسفيان والثوري والشافعي وابن المبارك وعبد العزيز أبن أبي سلمة وأبي حنيفة ويحيى أبن آدم ومجاهد وأخرج أبو داود وأبن ماجة والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم


قال العلم ثلاثة فما سوى ذلك فضل آية محكمة وسنة قائمة وفريضة عادلة وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد الافريقي وعبد الرحمن بن رافع وفيهما مقال قال ابن عبد البر السنة القائمة الثابتة الدائمة المحافظ عليها معمولا بها لقيام إسنادها والفريضة العادلة المساوية للقرآن في وجوب العمل بها وفي كونها صدقا وصوابا وأخرج الديلمي في مسند الفردوس وأبو نعيم والطبراني في الأوسط والخطيب والدارقطني وابن عبد البر عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما موقوفا العلم ثلاثة أشياء كتاب ناطق وسنة ماضية ولا أدري وإسناده حسن وأخرج ابن عبد البر عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما الأمور ثلاثة أمر تبين لك رشده فاتبعه وأمر تبين لك زيفه فاجتنبه وأمر اختلف فيه فكله إلى عالمه
والحاصل أن كون الرأي ليس من العلم لا خلاف فيه بين الصحابة والتابعين وتابعيهم قال ابن عبد البر ولا أعلم بين متقدمي علماء هذه الأمة وسلفها خلافا أن الرأي ليس بعلم حقيقة قال أما أصول العلم فالكتاب والسنة اه
وقال ابن عبد البر حد العلم عند العلماء والمتكلمين في


هذا المعنى هو ما استيقنته وتبينته وكل من استيقن شيئا وتبينه فقد علمه وعلى هذا من لم يستيقن الشيء وقال به تقليدا فلم يعلم والتقليد عند جماعة العلماء غير الإتباع لأن الإتباع هو أن تتبع القائل على ما بأن لك من فضل قوله وصحة مذهبه والتقليد أن تقول بقوله وأنت لا تعرفه ولا وجه القول ولا معناه وتأبى من سواه وإن تبين لك خطأه فتتبعه مهابة خلافه وأنت قد بان لك فساد قوله وهذا يحرم القول به في دين الله سبحانه وتعالى اه
ومما يدل على ما أجمع عليه السلف من أن الرأي ليس بعلم قول الله عز وجل فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ورسول قال عطاء بن أبي رباح وميمون بن مهران وغيرهما الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه والرد إلى رسوله صلى الله عليه وسلم هو الرد إلى سنته بعد موته وعن عطاء في قوله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول قال طاعة الله ورسوله إتباع الكتاب والسنة وأولي الأمر منكم قال أولوا العلم والفقه وكذا قال مجاهد ويدل على ذلك من السنة حديث العرباض بن سارية وهو ثابت في السنن ورجاله رجال الصحيح قال وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقلنا يا رسول الله إن هذه موعظة مودع


فماذا تعهد إلينا فقال تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتكم من سنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين وعليكم بالطاعة وإن كان عبدا حبشيا عضوا عليها بالنواجذ إنما المؤمن كالجمل الأنف كلما قيد انقاد وأخرجه أيضا ابن عبد البر بإسناد صحيح وزاد وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة
والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا ويكفي من رفع الرأي وأنه ليس من الدين قول الله عز وجل اليوم أكملت لكم دينكم وأتمت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فإذا كان الله قد أكمل دينه قبل أن يقبض نبيه صلى الله عليه وسلم فما هذا الرأي الذي أحدثه أهله بعد أن أكمل الله دينه إن كان من الدين في اعتقادهم فهو لم يكمل عندهم إلا برأيهم وهذا فيه رد للقرآن وإن لم يكن من الدين فأي فائدة من الاشتغال بما ليس من الدين
وهذه حجة قاهرة ودليل عظيم لا يمكن صاحب الرأي أن يدفعه بدافع أبدا فاجعل هذه الآية الشريفة أول


ما تصك به وجوه أهل الرأي وترغم به آنافهم وتدحض به حججهم فقد أخبرنا الله في محكم كتابه أنه أكمل دينه ولم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن أخبرنا بهذا الخبر عن الله عز وجل فمن جاءنا بالشيء من عند نفسه وزعم أنه من ديننا قلنا له الله أصدق منك فاذهب فلا حاجة لنا في رأيك
وليت المقلدة فهموا هذه الآية حق الفهم حتى يستريحوا ويتركوا ومع هذا فقد أخبرنا في كتابه أنه أحاط بكل شيء علما فقال ما فرطنا في الكتاب من شيء وقال تعالى ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة ثم أمر عباده بالحكم بكتابه فقال وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم وقال إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما وقال إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين وقال ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون وأمر عباده أيضا في محكم كتابه باتباع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله وقال وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون وقال أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن


الله لا يحب الكافرين وقال ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وقال ومن يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا وقال يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا وقال ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين وقال وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتقشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين وقال قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وأن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين وقال وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون وقال ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم وقال تعالى إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون وقال لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة والاستنكار على الاستدلال على وجوب طاعة الله


ورسوله لا يأتي بفائدة فليس أحد من المسلمين يخالف ذلك ومن أنكره فهو كافر خارج عن حزب المسلمين
وإنما أوردنا هذه الآيات الشريفة لقصد تليين قلب المقلد الذي قد جمد وصار كالجلمد فإنه إذا سمع مثل هذه الأوامر ربما امتثلها وأخذ دينه عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم طاعة لأوامر الله تعالى فإن هذه الطاعة وإن كانت معلومة لكل مسلم كما تقدم لكن الإنسان يذهل عن القوارع القرآنية والزواجر النبوية فإذا ذكرتها زجر ولا سيما من نشأ على التقليد وأدرك سلفه ثابتين عليه غير متزحزحين عنه فإنه يقع في قلبه أن دين الإسلام هو هذا الذي هو عليه وما كان مخالفا له فليس من الإسلام في شيء فإذا راجع نفسه رجع ولهذا تجد الرجل إذا نشأ على مذهب من هذه المذاهب ثم سمع قبل أن يتمرن بالعلم ويعرف ما قاله الناس خلافا يخالف ذلك المألوف استنكره وأباه قلبه ونفر عنه طبعه وقد رأينا وسمعنا من هذا الجنس من لا يأتي عليه الحصر ولكن إذا وازن العاقل بعقله بين من اتبع أحد أئمة المذاهب في مسألة من مسائله التي رواها عنه المقلد ولا مستند لذلك العالم فيها بل قالها بمحض الرأي لعدم وقوفه على الدليل وبين من تمسك في تلك المسألة بخصوصها بالدليل الثابت في القرآن أو السنة أفاده العقل أن بينهما مسافات


أتنقطع فيها أعناق الإبل بل لا جامع بينهما أن من تمسك بالدليل أخذ بما أوجب الله عليه الأخذ به واتبع ما شرعه الشارع بجمع الأمة أولها وآخرها وحيها وميتها وأخذهم هذا العالم الذي تمسك المقلد له بمحض رأيه هو محكوم عليه بالشريعة لا أنه حاكم فيها وهو تابع لها لا متبوع فيها فهو كمن اتبعه في أن كل واحد منهما فرضه الأخذ بما جاء عن الشارع لا فرق بينهما إلا من كون المتبوع عالما والتابع جاهلا فالعالم يمكنه الوقوف على الدليل من دون أن يرجع إلى غيره لأنه قد استعد لذلك بما اشتغل به من الطلب والوقوف بين يدي أهل العلم والتحرج لهم في معارف الاجتهاد والجاهل يمكنه الوقوف على الدليل بسؤال علماء الشريعة على طريقة طلب الدليل واسترواء النص وكيف حكم به في محكم كتاب الله أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في تلك المسألة فيفيدونه النص أن كان ممن يعقل الحجة إذا دل عليها أو يفيدونه مضمون النص بالتعبير عنه بعبارة يفهمها فهم رواة وهو مسترو وهذا عامل بالرواية لا بالرأي والمقلد عامل بالرأي لا بالرواية لأنه يقبل قول الغير من دون أن يطالبه بحجة وذلك هو في سؤاله له مطالب بالحجة لا بالرأي فهو قبل رواية الغير لا رأيه وهما من هذه الحيثية[/align]







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 14-07-2008, 12:59 PM   رقم المشاركة : 14
معلومات العضو
ناجح أسامة سلهب
أقلامي
 
إحصائية العضو






ناجح أسامة سلهب غير متصل


افتراضي رد: هل يتوجب على المسلم أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة؟

[align=right]متقابلان
فانظر كم الفرق بين المنزلتين فإن العالم الذي قلده غيره إذا كان قد اجهد نفسه في طلب الدليل ولم يجده ثم اجهد رأيه فهو معذور وهكذا إذا اخطأ في اجتهاده فهو معذور بل مأجور للحديث المتفق عليه إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله اجران وإن اجتهد فأخطأ فله اجر فإذا وقف بين يدي الله وتبين خطأه كان بيده هذه الحجة الصحيحة بخلاف المقلدة فإنه لا يجد حجة يدلي بها عند السؤال في موقف الحساب لأنه قلد في دين الله من هو مخطئ وعدم مؤاخذة المجتهد على خطأه لا يستلزم عدم مؤاخذة من قلده في ذلك الخطأ لا عقلا ولا شرعا ولا عادة
معنى أن كل مجتهد مصيب
فإن استروح المقلد إلى مسألة تصويب المجتهد فالقائل بها إنما قال إنما المجتهد مصيب بمعنى أنه لا يأثم بالخطأ بل يؤجر على الخطأ بعد توفية الاجتهاد حقه ولم يقل أنه مصيب للحق الذي هو حكم الله في المسألة فإن هذا خلاف ما


نطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث حيث قال إن اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر فانظر هذه العبارة النبوية في هذا الحديث الصحيح المتفق عليه عند أهل الصحيح والملتقى بالقبول بين جميع الفرق فإنه قال وإن اجتهد فأخطأ فقسم ما يصدر عن المجتهد في الاجتهاد في مسائل الدين إلى قسمين أحدهما هو مصيب فيه والآخر هو مخطئ فكيف يقول قائل أنه مصيب للحق سواء أصاب أو أخطأ وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم مخطئا فمن زعم أن مراد القائل بتصويب المجتهد من الإصابة للحق مطلقا فقد غلط عليهم غلطا بينا ونسب إليهم ما هم منه براء ولهذا أوضح جماعة من المحققين مراد القائلين بتصويب المجتهدين بأن مقصودهم أنهم مصيبون من الصواب الذي لا ينافي الخطأ لا من الإصابة التي هي مقابلة للخطأ فإن لم يخطئ فهذا لا بقول به عالم ومن لم يفهم هذا المعنى فعليه أن يتهم نفسه ويحيل الذنب على قصوره ويقبل ما أوضحه له من هو اعرف منه بفهم كلام العلماء وإن استروح المقلد إلى الاستدلال بقوله تعالى فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون فهو يقتصر على سؤال أهل العلم عن الحكم الثابت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يبينون له كما أخذ الله عليهم من بيان أحكامه لعباده فإن معنى هذا


السؤال الذي شرع الله هو السؤال عن الحجة الشرعية وطلبها من العالم فيكون راويا وهذا السائل مسترويا والمقلد يقر على نفسه بأنه يقبل قول العالم ولا يطالبه بالحجة
فالآية هي دليل الإتباع لا دليل التقليد وقد أوضحنا الفرق بينهما فيما سلف هذا على فرض أن المراد بها السؤال العام وقد قدمنا أن السياق يفيد أن المراد بها السؤال الخاص لأن الله يقول وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وقد قدمنا طرقا من تفسير أهل العلم لهذه الآية وبهذا يظهر لك أن هذه الحجة التي احتج بها المقلد هي حجة داحضة على فرض أن المراد المعنى الخاص وهي عليه لا له على أن المراد المعنى العام
أسئلة للمقلدين
ثم نقول للمقلد أيضا أنت في تقليدك العالم في مسائل العبادات والمعاملات إما أن تكون في أصل مسألة جواز التقليد مقلد أو مجتهد إن كنت مقلد فقد قلدت في مسألة لا يجيز إمامك التقليد فيها لأنها مسألة أصولية والتقليد إنما هو في مسائل الفروع فماذا صنعت في نفسك يا مسكين وكيف وقعت في هذه الهوة المظلمة وأنت تجد عنها فرجا


ومخرجا وإن كنت في أصل هذه المسألة مجتهدا فلا يجوز لك التقليد لأنك لا تقدر على الاجتهاد في مثل هذه الأصولية المتشعبة المشكلة إلا وأنت ممن علمه علما نافعا تخرج به من الظلمات إلى النور فما بالك توقع نفسك فيما لا يجوز تقلد الرجال في دين الله بعد أن أراحك الله منه وأقدرك على الخروج منه هذا على ما هو الحق من أن الاجتهاد لا يتبعض وأنه لا يقدر على الاجتهاد في بعض المسائل إلا من قدر على الاجتهاد في جميعها لأن الاجتهاد هو ملكة تحصل للنفس عند الاحاطة بمعارفها المعتبرة و ملكة لمن لم يعرف إلا الوعظ من ذلك
فإن استروحت إلى أن الاجتهاد يتبعض أعدنا عليك السؤال فنقول هل عرفت أن الاجتهاد يتبعض بالاجتهاد أم بالتقليد فإن كنت عرفت ذلك بالتقليد فالمسألة أصولية لا يجوز التقليد فيها باعترافك واعتراف إمامك وإن كنت عرفت ذلك بالاجتهاد فهذه أيضا مسألة أخرى من مسائل الأصول أقدرك الله على الاجتهاد فيها فهلا صنعت هذا الصنع في مسائل الفروع فإنك على الاجتهاد فيها أقدر منك على الاجتهاد في مسائل الأصول فاصنع في مسائل الفروع هكذا واستكثر من علوم الاجتهاد حتى تصير من أهله ويفرج الله عنك هذه الغمة ويكشف الله


عنك بما علمك هذه الظلمة فإنك إذا رفعت نفسك إلى الاجتهاد الأكبر فالمسافة قريبة ومن قدر على البعض قدر على الكل ومن عرف الحق في المدارك الأصولية عرفه في المسائل الفروعية وستعرف بعد أن تعرف علوم الاجتهاد كما ينبغي بطلان ما تظنه الآن من جواز التقليد ومن تبعض الاجتهاد بل لو طرحت عنك العصبية وجردت نفسك لفهم ما حررته لك في هذه الورقات من أوله إلى آخره لقادك عقلك وفهمك إلى أنه الصواب قبل أن تجمع معارف الاجتهاد فالفهم قد تفضل الله به على غالب عباده والحق لا يحتجب عن أهل التوفيق والإنصاف شاهد صدق على وجدان الحق ولهذا قال صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس وهو حديث أخرجه الحاكم في مستدركه وصححه وأخرجه أيضا غيره فإن طال بك اللجاج وسلكت من جهالتك في فجاج وتوقحت غيرمحتشم وأقدمت غير محجم فقلت أن مسألة جواز التقليد هي وأن كانت مسألة أصولية وقد أطبق الناس على أنه لا يجوز التقليد في مسائل الأصول وصار هذا معروفا عند أبنائي جنس من المقلدين لكني أقول بأن التقليد فيها وفي سائر مسائل الأصول جائز
فنقول ومن أين عرفت جواز التقليد في مسائل الأصول هل كان هذا منك تقليدا أو اجتهادا فإن قلت تقليدا


فنقول ومن ذاك الذي قلدته فإنا قد حكينا لك فيما سبق أن أئمة المذاهب يمنعون التقليد كما يمنعه غيرهم في مسائل الفروع فضلا عن مسائل الأصول فإن قلت قلدتهم أو قلدت واحدا منهم وهو الذي التزمت مذهبه في جميع ما قاله من دون أن تطالبه بحجة فقد كذبت عليه وعللت نفسك بالأباطيل فإن غيرك ممن هو أعلم منك بمذهبه واعرف بنصوصه قد نقل عنه أنه يمنع التقليد وإن قلت قلدت غيره فمن هو ثم كيف سمحت لنفسك في هذه المسألة بخصوصها بالخروج عن مذهبه وتقليد غيره وبالجملة فمن تلاعب بدينه وبنفسه إلى هذا الحد فهو بالبهيمة أشبه وليت أن هؤلاء المقلدة قلدوا أئمتهم في جميع ما تقولوه فإنهم لو فعلوا ذلك لزمهم أن يقلدوهم في مسألة التقليد وهم يقولون بعدم جوازه كما عرفت سابقا وحينئذ يقتدون بهم في هذه المسألة ولا يتم لهم ذلك إلا بترك التقليد في جميع المسائل فيريحون أنفسهم ويخلصونها من هذه الشبكة بالوقوع في حبل من حبالها
ثم نقول لهذا المقلد أيضا من أين عرفت أنه جامع لعلوم الاجتهاد فنقول له ومن أين لك هذه المعرفة يا مسكين فأنت تقر على نفسك بالجهل وتكذبها في هذه الدعوى ولولا جهلك لم تقلد غيرك وإن قال عرفتها بأخبار أهل العلم إن إمامي قد جمع علوم الاجتهاد


فنقول هذا الذي أخبرك هل هو مقلد أو مجتهد فإن قلت هو مقلد فمن أين للمقلد هذه المعرفة وهو مقر على نفسه بما أقررت به على نفسك من الجهل وإن قلت أخبرك بذلك رجل مجتهد فنقول لك من أين عرفت أنه مجتهد وأنت مقر على نفسك بالجهل ثم نعود عليك بالسؤال الأول إلى ما لا نهاية له ثم نقول للمقلد من أين عرفت أن الحق بيد الإمام الذي قلدته وأنت تعلم أن غيره من العلماء قد خالفه في كل مسألة من مسائل الخلاف إن قلت عرفت ذلك تقليدا فمن أين للمقلد معرفة الحق والمحقين وهو مقر على نفسه بأنه لا يطالب بالحجة ولا يعقلها إذا جاءته فمالك يا مسكين والكذب على نفسك بما يشهد عليك ببطلانه لسانك بل يشهد عليك كل مقلد ومجتهد بخلاف دعوتك وإن قلت عرفت ذلك بالاجتهاد فلست حينئذ مقلدا ولا من أهل التقليد بل التقليد عليك حرام فمالك تغمط نعمة الله عليك وتنكرها والله يقول وأما بنعمة ربك فحدث ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده وأثر نعمة العلم أن يعمل العالم بعلمه ويأخذ ما تعبده الله به من الجهة التي أمره الله بالأخذ منها في محكم كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وتلك الجهة هي الكتاب والسنة كما تقدم سرد أدلة ذلك وهو أمر متفق عليه لا خلاف فيه وعلى كل حال فأنت بتقليدك مع كونك قاصرا عمن عمل في دين الله بغير بصيرة وترك ما لاشك فيه إلى ما فيه الشك وتستبدل


الحق شيئا لا تدري ما هو وإن كنت مجتهدا فأنت ممن أضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فلم ينفعه علمه وصار ما علمه حجة عليه ورجع من النور إلى الظلمات ومن اليقين إلى الشك ومن الثريا إلى الثرى بل لليدين وللفم هذا وإن كان ذلك المقلد يدعي إن إمامه على حق في جميع ما قاله وإن كان يقر أن في قوله الحق والباطل وإنه بشر يخطئ ويصيب ولا سيما في محض الرأي الذي هو على شفا جرف هار فنقول له إن كنت قائلا بهذا فقد أصبت وهو الذي يقوله إمامك لو سأله سائل عن مذهبه وجمع ما دونه من مسائله ولكن أخبرنا ما حملك أن تجعل ما هو مشتمل على الحق والباطل قلادة في عنقك تلتزمه وتدين به غير تارك لشيء منه فإن الخطأ من إمامك قد عذره الله فيه بل جعل له أجرا في مقابلته كما تقدم تقريره لأنه مجتهد وللمجتهد أن أخطأ أجر كما صرح بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنت من أخبرك بأنك معذور من إتباع الخطأ وأي حجة قامت لك على ذلك فإن قلت إنك لو تركت التقليد وسألت أهل العلم عن النصوص لكنت غير قاطع بالصواب بأن يحتمل أن الذي أخذت به وسألت عنه هو حق ويحتمل أنه باطل والمفروض أنك


ستسأل عن دينك في عباداتك ومعاملاتك علماء الكتاب والسنة وهم أتقى لله من أن يفتوك بغير ما سألت عنه فإنك إنما سألتهم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك الحكم الذي أردت العمل به وهم بل جميع المسلمين يعلمون أن كتاب الله وسنة رسوله حق لا باطل وهذا الفاصل له ولو فرضنا أن المسؤول قصر في البحث فأفتاك مثلا بحديث ضعيف وترك الصحيح أو بآية منسوخة وترك المحكمة لم يكن عليك في ذلك بأس فإنك قد فعلت ما هو فرضك واسترويت أهل العلم عن الشريعة المطهرة لا عن آراء الرجال وليس للمقلد أن يقول كمقالك هذا فيزعم أن إمامه أتقى لله من أن يقول بقول باطل لأنا نقول هو معترف أن بعض رأيه خطأ ولم يأمرك بأن تتبعه في خطئه بل نهاك عن تقليده ومنعك عن ذلك كما تقدم تحريره عن أئمة المذاهب وعن سائر المسلمين بخلاف من سألته عن الكتاب والسنة فأفتاك بذلك فإنه يعلم أن جميع ما في الكتاب والسنة حق وصدق وهدى ونور وأنت لم تسأل إلا عن ذلك ثم نقول لك أيها المقلد ما بالك تعترف في كل مسألة من مسائل الفروع التي أنت مقلد فيها بأنك لا تدري ما هو الحق فيها ثم لما أرشدناك إلى أن ما أنت عليه من التقليد غير جائز في دين الله أقمت نفسك مقاما لا تستحقه ونصبت نفسك في منصب لم


تتأهل له فأخذت في المخاصمة والاستدلال بجواز التقليد وجئت بالشبهة الساقطة التي قدمنا دفعها في هذا المؤلف فهلا نزلت نفسك في هذه المسألة الأصولية العظيمة المتشعبة تلك المنزلة التي كنت تنزلها في مسائل الفروع فما لك وللنزول في منازل الفحول والسلوك في مسالك أهل الأيدي المتبالغة في الطول فما هلك أمرؤ عرف قدر نفسه فقل ههنا لا أدري إنما سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فنقول هكذا سيكون جوابك لمنكر ونكير بعد أن تقبر ويقال لك لا دريت ولا تليت كما ثبت بذلك النص الصحيح وإذا كنت معترفا بأنك لا تدري فشفاء العي السؤال فسل من تثق بدينه وعلمه وإنصافه في مسألة التقليد حتى تكون على بصيرة ولو كان إمامك الذي تقلده حيا لأرشدناك إليه وأمرناك بالتعويل عليه فإنه أول ناه لك عن التقليد كما عرفناك فيما سبق ولكنه قد صار رهين البلى وتحت أطباق الثرى فاسأل غيره من العلماء الموجودين وهم بحمد الله في كل صقع من بلاد الإسلام فالله سبحانه حافظ دينه بهم وحجته قائمة على عباده بوجودهم وإن


كتموا الحق في بعض الأحوال أما لتقية مسوغة كما قال تعالى إلا أن تتقوا منهم تقاة أو بمداهنة أو طمع في جاه أو مال ولكنهم على كل حال إذا عرفوا من هو طالب للحق راغب فيه سائل عن دينه سالك مسالك الصحابة والتابعين وتابعيهم لم يكتموا عليه الحق ولا زاغوا منه فإن كنت لا تثق بأحد من العلماء وثوقك بإمامك الذي نشأت على مذهبه فارجع إلى نصوصه التي قدمنا إليك الإشارة إلى بعضها وفيها ما ينفع الغلة ويشفي العلة
نصيحة بليغة لمن يتصدر للفتيا والقضاء من المقلدين
واعلم أرشدك الله أيها المقلد إنك أن أنصفت من نفسك وخليت بين عقلك وفهمك وبين ما حررناه في هذا المؤلف لم يبق معك شك في إنك على خطر عظيم هذا إن كنت مقتصرا في التقليد على ما تدعو إليه حاجتك مما يتعلق به أمر عبادتك ومعاملتك إما إذا كنت مع كونك في هذه الرتبة الساقطة مرشحا نفسك لفتيا السائلين وللقضاء بين المتخاصمين فاعلم إنك ممتحن وممتحن بك ومبتلي ومبتلى بك لأنك تريق الدماء بأحكامك وتنقل الأملاك والحقوق من أهلها وتحلل الحرام وتحرم الحلال وتقول على الله ما لم يقل


غير مستند إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بل بشيء لا تدري أحق هو أم باطل باعترافك على نفسك بأنك كذلك فماذا يكون جوابك بين يدي الله فإن الله إنما أمر حكام العباد أن يحكموا بينهم بما أنزل الله وأنت لا تعرف ما أنزل الله على الوجه الذي يراد به وأمرهم أن يحكموا بالحق وأنت لا تدري الحق وإنما سمعت الناس يقولون شيئا فقلته وأمرهم أن يحكموا بينهم العدل وأنت لا تدري العدل من الجور لأن العدل هو ما وافق ما شرعه الله والجور ما خالفه فهذه الأوامر لم تتناول مثلك بل المأمور بها غيرك فكيف قمت بشيء لم تؤمر به ولا ندبت إليه وكيف أقدمت على أصول في الحكم بغير ما أنزل الله حتى تكون ممن قال فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون فهذه الآيات الكريمة متناولة لكل من لم يحكم بما انزل الله فإنك لا تدعي أنك حكمت بما أنزل الله بل تقر بأنك حكمت بقول العالم الفلاني ولا تدري هل ذلك الحكم الذي حكم به هل هو من محض رأيه أم من المسائل التي استدل عليها بالدليل ثم لا تدري أهو أصاب في الاستدلال أم أخطأ وهل أخذ بالدليل القوي أم الضعيف فانظر يا مسكين ما صنعت بنفسك فإنك لم يكن جهلك مقصورا عليك بل جهلت على عباد الله فأرقت الدماء وأقمت الحدود


وهتكت الحرم بما لا تدري فقبح الله الجهل ولا سيما إذا جعله صاحبه شرعا ودينا له وللمسلمين فإنه طاغوت عند التحقيق وإن ستر من التلبيس بستر رقيق فيا أيها القاضي المقلد أخبرنا أي القضاة الثلاثة أنت الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القضاة ثلاثة قاضيان في النار وقاض في الجنة فالقاضيان اللذان في النار قاض قضى بغير الحق وقاض قضى بالحق وهو لا يعلم أنه الحق والذي في الجنة قاض قضى بالحق وهو يعلم أنه الحق فبالله عليك هل قضيت بالحق وأنت تعلم أنه الحق إن قلت نعم فأنت وسائر أهل العلم يشهدون بأنك كاذب لأنك معترف بأنك لا تعلم بالحق وكذلك سائر الناس يحكمون عليك بهذا من غير فرق بين مجتهد ومقلد وإن قلت إنك قضيت بما قاله إمامك ولا تدري أحق هو أم باطل كما هو شأن كل مقلد على وجه الأرض فأنت بإقرارك هذا أحد رجلين إما قضيت بالحق وأنت لا تعلم بأنه الحق أو قضيت بغير الحق لأن ذلك الحكم الذي حكمت به هو لا يخلو عن أحد الأمرين إما أن يكون حقا وإما أن يكون غير حق وعلى كلا التقديرين فأنت من قضاة النار بنص المختار وهذا ما أظن بتردد فيه أحد من أهل الفهم بأمرين أحدهما أن النبي صلى الله عليه وسلم


قد جعل القضاة ثلاثة وبين صفة كل واحد منهم بيانا يفهمه المقصر والكامل والعالم والجاهل الثاني أن المقلد لا يدعي أنه يعلم بما هو حق من كلام إمامه ولا بما هو باطل بل يقر على نفسه أنه يقبل قول الغير ولا يطالبه بحجة ويقر على نفسه أنه لا يعقل الحجة إذا جاءته فأفاد هذا أنه حكم بشيء لا يدري ما هو فإن وافق الحق فهو الذي قضى بغير علم وإن لم يوافق فهو الذي قضى بغير الحق وهذان هما القاضيان اللذان في النار فالقاضي المقلد على كلتا حالتيه يتقلب في نار جهنم فهو كما قال الشاعر ... خذا بطن هرشي أوقفاها فإنه ... كلا جانبي هرشي لهن طريق ...
وكما تقول العرب ليس في الشر خيار ولقد خاب وخسر من لا ينجو على كل حال من النار فيا أيها القاضي المقلد ما الذي أوقعك في هذه الورطة وألجأك إلى هذه العهدة التي صرت فيها على كل حال من أهل النار إذا دمت على قضائك ولم تتب فإن أهل المعاصي والبطالة على اختلاف أنواعهم هم أرجى لله منك وأخوف له لأنهم يقدمون على المعاصي وهم على عزم التوبة والإقلاع والرجوع وكل واحد منهم يسأل الله المغفرة والتوبة ويلوم نفسه على


ما فرط منه ويحب أن لا يأتيه الموت إلا بعد أن تطهر نفسه من ادران كل معصية ولو دعا له داع بأن الله يبقيه على ما هو متلبس به من البطالة والمعصية إلى الموت يعلم هو وكل سامع أنه يدعو عليه لا له
ولو علم أنه يبقى على ما هو عليه إلى الموت ويلقى الله وهو متلبس به لضاقت عليه الأرض بما رحبت لأنه يعلم أن هذا البقاء هو من موجبات النار بخلاف هذا القاضي المسكين فإنه ربما دعا الله في خلواته وبعد صلواته أن يديم عليه تلك النعمة ويحرسها عن الزوال ويصرف عنه كيد الكائدين وحسد الحاسدين حتى لا يقدروا على عزله ولا يتمكنوا من فصله وقد يبذل المخذول في استمراره على ذلك نفائس الأموال ويدفع الرشا والبراطيل والرغائب لمن كان له في أمره مدخل فجمع بين خسراني الدنيا والآخرة وتسمح نفسه بهما جميعا في حصول ذلك فيشتري بها النار والعلة الغائبة المقصد الأسنى والمطلب الأبعد لهذا المغبون ليس إلا اجتماع العامة وصراخهم بين يديه ولو عقل لعلم أنه لم يكن في رياسة عالية ولا في مكان رفيع ولا في مرتبة جليلة فإنه يشاركه في اجتماع هؤلاء العوام وتطاولهم إليه وتزاحمهم عليه كل من يراد إهانته إما بإقامة حد عليه أو قصاص أو تعزير فإنه يجمع على واحد من هؤلاء ما


لا يجتمع على القاضي عشر معشاره بل يجتمع على أهل اللعب والمجون والسخرية وأهل الزمر والرقص والضرب بالطبل أصضعاف أضعاف من يجتمع على القاضي وهو ذو زهو لركوب دابة أو مشي خادم أو خادمين في ركابه فليعلم أن العبد المملوك والجندي الجاهل والولد من أبناء اليهود والنصارى تركب دواب أنزه من دابته ويمشي معه من الخدم أكثر ممن يمشي معه وإذا كان وقوعه في هذا العمل الذي هو من أسباب النار على كل حال من طلب المعاش واستدرار ما يدفع إليه من الجراية من السحت فليعلم أن أهل المهن الدينية كالحائك والحجام والجزار والاسكافي أنعم منه عيشا وأسكن منه قلبا لأنهم أمنوا من مرارة العزل غير مهتمين بتحويل الحال فهم يتلذذون بدنياهم ويتمتعون بنفوسهم ويتقبلون في تنعمهم هذا باعتبار الحياة الدنيا وأما باعتبار الآخرة فخواطرهم مطمئنة لأنهم لا يخشون العقوبة بسبب من الأسباب التي هي قوام المعاش ونظام الحياة لأن مكسبهم حلال وأيديهم مكفوفة عن الظلم فلا يخافون السؤال عن دم أو مال بل قلوبهم متعلقة بالرجاء وكل واحد منهم يرجو الانتقال من دار شقوة وكدر إلى دار نعمة


وتفضل وأما ذلك القاضي المقلد فهو منغص العيش منكد النعمة مكدر اللذة لأنه لما يرد عليه من خصومة الخصوم ومعارضة المعارضين ومصادرة الممتنعين من قبول أحكامه وامتثال حله وإبرامه في هموم وغموم ومكابدة ومناهدة ومجاهدة ومع هذا فهو متوقع لتحويل الحال والاستبدال به وغروب شمسه وركود ريحه وذهاب سعده عند نحسه وشماتة أعدائه ومساءة أولياءه فلا تصفو له راحة ولا تخلص له نعمة بل هو ما دام في الحياة في أشد الغم وأعظم النكد كما قال المتنبي ... أشد الغم عندي في سرور ... تنقل عنه صاحبه انتقالا ...
ولا سيما إذا كان محسودا معارضا من أمثاله فإنه لا يطرق سمعه إلا ما يكدره فحينا يقال له الناس يتحدثون أنك غلطت وجهلت وحينا يقال له قد خالفك القاضي الفلاني أو المفتي الفلاني فنقض حكمك وهدم علمك وغض من قدرك وحط من رتبتك وقد يأتيه المحكوم عليه فيقول له جهارا أو كفاحا لا أعمل على حكمك ونحو ذلك من العبارات الخشنة فإن قام وناضل عن حكمه ودافع فهي قومة جاهلية ومدافعة شيطانية


طاغوتية قد تكون لحراسة المنصب وحفظ المرتبة والفرار من انحطاط القدر وسقوط الجاه ومع ذلك فهو لا يدري هل الحق بيده أم بيد من نقض عليه حكمه لأن المسكين لا يدري بالحق بإقراره وجميع المتخاصمين إليه بين متسرع إلى ذمة والتشكي منه وهو المحكوم عليه يدعي أنه حكم باطل وارتشى من خصمه أو داهنه ويتقرر هذا عنده بما يلقيه إليه من ينافر هذا المقلد من أبناء جنسه من المقلدة الطامعين في منصة أو الراجين لرفده أو النيابة عنه في بعض ما يتصرف فيه فإنه يذهب يستفتيهم ويشكو عليهم فيطلبون غرائب الوجوه ونوادر الخلاف ويكتبون خطوطهم بمخالفة ما حكم به القاضي وقد يعبرون في مكاتبتهم بعبارات تؤلم القاضي وتوحشه فيزداد لذلك ألمه ويكثر عنده همه وغمه هذا يفعله أبناء جنسه من المقلدين وأما العلماء المجتهدون فهم يعتقدون أنه مبطل في جميع ما يأتي به لأنه من قضاة النار فلا يعرفون لما يصدر عنه من الأحكام رأسا ولا يعتقدون أنه قاض لأنه قد قام الدليل عندهم على أن القاضي لا يكون إلا مجتهدا وأن المقلد وإن بلغ في الورع والعفاف والتقوى إلى مبلغ الأولياء فهو عندهم بنفس استمراره على القضاء مصر على المعصية


وينزلون جميع ما يصدر عنه منزلة ما يصدر عن العامة الذين ليسوا بقضاة ولا مفتين فجميع مسجلاته التي يكتب عليها اسمه ويحلل فيها الحرام ويحرم الحلال باطلة لا تعد شيئا بل لو كانت موافقة للصواب لم تعد عندهم شيئا لأنها صادرة من قاض حكم بالحق وهو لا يعلم به فهو من أهل النار في الآخرة وممن لا يستحق اسم القضاة في الدنيا ولا يحل تنزيله منزلة القضاة المجتهدين في شيء وبعد هذا كله فهذا القاضي المشئوم يحتاج إلى مداهنة السلطان وأعوانه المقبولين لديه ويهين نفسه لهم ويخضع لهم ويتردد إلى أبوابهم ويتمرغ على عتابتهم وإذا لم يفعل ذلك على الدوام والاستمرار ناكدوه مناكدة تحرج عذره وتوهن قدره ومع هذا فأعوانه الذين هم مستدرون لفوائده والمقتنصون للأموال على يده وإن عظموه وفخموه وقاموا بقيامه وقعدوا بقعوده أضر عليه من أعدائه لأنهم يتكالبون على أموال الناس ويتم لهم ذلك بقوة يده ولا سيما إذا كان مغفلا غير حازم ولا مطلع للأمور فتعظم المقالة على القاضي وينسب دينهم إليه ويحمل جورهم عليه فتارة ينسب إلى التقصير في البحث وتارة إلى التغفيل وعدم التيقظ وتارة إلى أن ما أخذه الأعوان فله فيهم منفعة تعود إليه ولولا ذلك لم يطلق لهم الرسن ولأخلي بينهم وبين الناس وأيضا أعظم من


يذمه ويستحل عرضه هؤلاء الأعوان فإن كل واحد منهم يطمع في أن يكون كل الفوائد فإذا عرضت فائدة فيها نفع لهم من قسمة تركة أو نظر مكان مشتجر فيه فالقاضي المسكين لا بد أن يصيره إلى أحدهم فيوغر بذلك صدور جميعهم ويخرجون وصدورهم قد ملئت غيظا فينطقون بذمه في المحافل ولا سيما بين أعدائه والمنافسين له وينعون عليه ما قضى فيه من الخصومات الواقعة لديه بمحضرهم ويحرفون الكلام وينسبونه إلى الغلط تارة والجهل أخرى والتكالب على المال حينا والمداهنة حينا
وبالجملة فإنه لا يقدر على إرضاء الجميع بل لا بد لهم من ثلبه على كل حال وهؤلاء يستغني عنهم فيناله منهم محن وبلايا هذا وهم أهل مودته وبطانته والمستفيدون بأمره ونهيه والمنتفعون بقضائه وما أحقهم بما كان يقول بعض القضاة المتقدمين فإنه كان لا يسمهم إلا مناصل سهل ولا يخرج من هذه الأوصاف إلا القليل النادر منهم فإن الزمن قد يتنفس في بعض الأحوال بمن لا يتصف بهذه الصفة فهذا حال القاضي المقلد في دنياه وأما حاله في أخراه فقد عرفت أنه أحد القاضيين اللذين في النار ولا مخرج له عن ذلك بحال من الأحوال كما سبق تحقيقه وتقريره فهو في الدنيا مع ما ذكرناه


سابقا من القلاقل والزلازل في نقمة باعتبار ما يخافه من الأخرة من أحكامه في دماء العباد وأموالهم بلا برهان ولا قرآن ولا سنة بل مجرد جهل وتقليد وعدم بصيرة في جميع ما يأتي ويذر ويصدر ويورد مع ورود القرآن الصحيح الصريح بالنهي عن العمل بما ليس بعلم كقوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم والآيات في هذا المعنى وفي النهي عن إتباع الظن كثيرة جدا والمقلد لا علم له ولا ظن صحيح ولو لم يكن من الزواجر إلا ما قدمنا من الآيات القرآنية في قوله ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون مع ما في الآيات الأخرى من الأمر بالحكم بما أنزل الله وبالحق وبالعدل ومع ما ثبت من أن من حكم بغير الحق أو بالحق وهو لا يعلم أنه الحق أنه من قضاة النار
فإن قلت إذا كان المقلد لا يصلح للقضاء المبرم ولا يحل له أن يتولى ذلك ولا لغيره أو يوليه فما تقول في المفتي المقلد
أقول أن كنت تسأل عن القيل والقال ومذاهب الرجال فالكلام في شروط المفتي وما يعتبر فيه مبسوط في كتب الأصول والفقه وإن كنت تسأل عن الذي


اعتقده وأراه جوابا فعندي أن المفتي المقلد لا يحل له أن يفتي من يسأله عن حكم الله أو حكم رسوله أو عن الحق أو عن الثابت في الشريعة أو عما يحل له أو يحرم عليه لأن المقلد لا يدري بواحد من هذه الأمور على التحقيق بل لا يعرفها إلا المجتهد
هكذا إن سأله السائل سؤالا مطلقا من غير أن يقيده بأحد الأمور المتقدمة فلا يحل للمقلد أن يفتيه بشيء من ذلك لأن السؤال المطلق ينصرف إلى الشريعة المطهرة لا إلى قول قائل أو رأي صاحب رأي وأما إذا سأله سائل عن قول فلان أو رأي فلان أو ما ذكره فلان فلا بأس بأن ينقل له المقلد ذلك ويرويه له إن كان عارفا بمذهب العالم الذي وقع السؤال عن قوله أو رأيه أو مذهبه لأنه سئل عن أمر يمكنه نقله وليس ذلك من التقول على الله بما لم يقل ولا من التعريف بالكتاب والسنة
وهذا التفصيل هو الصواب الذي لا ينكره منصف فإن قلت هل يجوز للمجتهد أن يفتي من سأله عن مذهب رجل معين وينقله له قلت يجوز ذلك بشرط أن يقول بعد نقل ذلك الرأي أو المذهب إذا كانا على غير الصواب مقالا يصرح به أو يلوح أن الحق خلاف ذلك


فإن الله أخذ على العلماء البيان للناس وهذا منه لا سيما إذا كان يعرف أن السائل سيعتقد ذلك الرأي أو المذهب المخالف للصواب وأيضا في نقل هذا العالم لذلك المذهب المخالف للصواب وسكوته عن اعتراضه إيهام للمغترين بأنه حق وفي هذا مفسدة عظيمة فإن كان يخشى على نفسه من بيان فساد ذلك المذهب فليدع الجواب ويحيل على غيره فإنه لم يسأل عن شيء يجب عليه بيانه فإن ألجأته الضرورة ولم يتمكن من التصريح بالصواب فعليه أن يصرح تصريحا لا يبقى فيه شك لمن يقف عليه إن هذا مذهب فلان أو رأي فلان الذي سأل عنه السائل ولم يسأله عن غيره[/align]







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-07-2008, 03:43 PM   رقم المشاركة : 15
معلومات العضو
رياض بن يوسف
أقلامي
 
إحصائية العضو







رياض بن يوسف غير متصل


افتراضي مشاركة: هل يتوجب على المسلم أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة؟

الأخ الفاضل ناجح أسامة سلهب:
السلام عليك و رحمة الله:
يبدو لي أنك حولت الصفحة إلى منتدى لتحميل الكتب المجانية..!!!
أين الحوار يا أخي؟هل تنتظرمني أن أستنسخ بدوري صفحات طويلة من كتاب العلامة البوطي حفظه الله"اللامذهبية أخطر بدعة تهدد الشريعة الاسلامية" او من كتابه الرائع الآخر"السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب اسلامي"؟؟!!..و يظل حوارنا نسخا و لصقا ...الخ.
يا أخي الحوار هو بيني و بينك لا بين الكتب ، و لا بين العلامة الكبير الشوكاني و البوطي و غيرهما..
دعك من هذا..
مودتي الأخوية







 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 12:45 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط