رسالةٌ في مَهبِّ الرّيحِ إلى غائبٍ سلبَ الرّوح ...
إلى مَن باتَ وجهُهُ قِبلةَ النّورِ لعيوني،
سلامٌ مُثقَلٌ بوطأةِ هذا الغيابِ البارد، وبعد؛
أيُّ قانونٍ في الهوى يُبيحُ لكَ أن تعبرَ الحياةَ تاركاً خلفكَ فؤاداً تتناوبُهُ سياطُ الشّوقِ؟ أتعلمُ أنَّ رحيلَكَ لم يكن مُجرَّدَ انثناءٍ في دربٍ، بل كان اقتلاعاً لجذورِ الطمأنينةِ من تربةِ روحي، وإطفاءً لشمسٍ كانت لا تغيبُ عن سمائي!
مذ جفَّ نبعُ صوتِكَ، انقلبتْ موازينُ الأيّامِ؛ فأصبحَ اللّيلُ أبدياً، والصباحُ كذبةً لا تُطاق، إنني أحيا الآن في زمنٍ مُعلَّقٍ، لا أجدُ فيهِ غيرَ صدى ضحكاتِ الأمسِ، وهي ترتطمُ بجدرانِ ذاكرتي فتُهَشِّمُها، كلُّ زاويةٍ في هذا المكانِ تصرخُ باسمكَ، وكلُّ صمتٍ يهتفُ بوعدٍ قطعناهُ تحتَ سقفِ الوصلِ،
هل يُرضيكَ أن أرى العالمَ يمرُّ من أمامي كَـأَطيافٍ خاويةٍ،وأن أُصبِحَ قصيدةً قديمةً مهجورةً لم يَعُدْ يقرأُها أحد؟
إنَّ دمعي لم يَعُدْ ماءً، بل هو نزيفٌ متواصلٌ لجوهرِ الصبرِ فيّ، أحتاجُكَ لِتُعيدَ ترتيبي، لأنتشلَ روحي من بئرِ الوحدةِ التي ألقيتَني فيها دونَ حبلِ نجاة،
ألا فَلْتَعُدْ! قُلْ لي: إنَّ كلَّ ما مرَّ كان كابوساً عابراً، قُلْها بصوتِكَ الذي يمتلكُ مفاتيحَ خلاصي، عُدْ، لِتَجْبُرَ هذا الشرخَ العظيمَ الذي كادَ أن يقسمَني نصفين، وليعودَ لقاموسِنا معنى كلمةِ "الغد" لا تذرني خلفكَ بقايا إنسانٍ، فما زالَ القلبُ يحملُكَ بكلِّ عنفوانِ الشوقِ، وما زالَ ينتظرُ أن تمدَّ يدَكَ لِتُنهي هذا العذاب،
لعلَّ هذه الرسالةَ تجدُكَ قبلَ أن يقتُلَني هذا الحنينُ الذي لا يرحم .
"مُنهَكةٌ، تنتظرُ بريدَ الوصالِ الأخير"