في رحلة العمر، يجدُ الإنسان نفسه أحياناً على مفترق طرقٍ لا يُبصر فيه إلا ضباب الغربة وثِقَل الأيام،
حين تَتَكالبُ عليّ ظلالُ الحياة، وحين تُصبحُ الأكتافُ سنداً واهياً يميلُ مع أول ريحٍ عاصفة، وحين يُخيلُ إليّ أنَّ العالمَ أجمع قد اجتمعَ ليُضَيِّقَ هذا المدى الفسيح... في تلك اللحظة الفارقة، لا أختارُ الهرب إلى البشر أو الضجيج، فـلا أحدَ يملكُ مفتاحَ النجاةِ إلا أنا،
أُغلِقُ الأبوابَ على العالم الخارجي، وأُوصدُ خلفي كلَّ صوتٍ يُشَتِّتُ أو يُنافق، وأشرعُ في رحلة الغوص العميقة، إلى حجرة صغيرة لا يعرفُ مكانَها سواي؟ إنها ليست حجرةً ماديةً تُبنى بالطوب والإسمنت، بل هي كهفُ الروح، ومَعْبَدُ الذات، بُنيَ من ركام التجارب وصدق الانكسارات،
هناك، في عتمة هذه الحجرة الهادئة، حيث تنبعثُ رائحةُ الذكرياتِ كنسمةِ بخورٍ قديم، وحيث تُصبحُ الصورُ الباهتةُ على الجدران أكثرَ وضوحاً من حاضرٍ مُتَعَب، رغم كل الذبول الذي عَلِقَ بالروح، تزهِرُ الذكرياتُ من جديد؛ ليست لتُعيشني في الماضي، بل لتُضيء لي طريقَ الحاضر،
هنا، تَتَعرّى الكلماتُ من ثوبِ المجاملة والتزويق الذي يُلَبِّسُها إياه المجتمع، وتبدأ في الهمس لي وحدي، بصوتٍ صادقٍ، كاعترافٍ أخيراً بعد طول صمت،
لقد كانت هذه الحجرة هي المِحْرابَ الذي كُتِبَتْ فيه هذه الصفحات،
لم يكن فعل الكتابةِ عندي ترفاً أو صناعةً حرفية، بل كان*جُرعةَ نجاة؛ عمليةَ شَقِّ طريقٍ نحو النور في ليلٍ بهيم، كلُّ سطرٍ نُقِشَ، وكلُّ فاصلةٍ وُضِعت، هو خطوةٌ في دربِ العودة إلى النفس المفقودة خلف أقنعة الحياة، وما تجدونه بين دفتي هذه الكلمات هو أنا؛ بلا رتوش أو أقنعة،
كان بعضُه شعراً تمَرَّدَ على صرامة الأوزان ليحتضنَ لوعةَ الوجدان، وبعضُه الآخر نثراً حراً كالأنهار، ينسابُ ليحكي عن خوفٍ قديم وشجاعةٍ وُلِدت لتوها، وفي زواياه المنسية، ستجدون رسائلَ لم تُرسَل؛ بقيت حبيسةَ الورقِ لأنها أثقلُ وأصدقُ من أن يحتملها بريدُ العالم،
كلُّها كانتني .. بكلِّ ما فيها من ضعفٍ وجبروت، انكسارٍ وصعود،
هذه الكلمات، ليسَت مجردَ حِبرٍ على ورق، بل هي قلبُ امرأةٍ أعلنت تَمَرُّدها على الصمت، وقرّرت أن تجعل من هذا البوحِ شهادةَ وجودٍ ووثيقةَ انتماءٍ أخيرةٍ للذات، ففيه، تسكنُ الروحُ كلَّها.