انتظرها سنين ، انتظر سنين ليسمع كلمة بابا من ولد ينجبه هو .
9 اشهر و هو يشعر بلبطات قدميها و هي في بطن أمها ،لقد كانت ضحكة الأبوة تغطي و جهه لحظة ولادتها، و لكن سرعان ما اضمحلت وعادت إلى حجم الضحكة العادية!.
عند ولادة تلك الزهرة، تجمدت في ذاكرتي الجملة الوحيدة التي قالها الوالد هامسا حزينا، فصدى تلك الجملة التي رافقتها دمعة ساخنة ما زال يتردد في مسمعي ..... قالها صامتا كما سكت بعدها ...قال:" الذي يخلف لا يموت" ...
لقد احس بنبضات قلبها عندما خرجت الى الحياة .. باكية ... 12 شهرا .. اعتنى بها ، أعطاها ثيابه كيلا تشعر بالبرد ، صام عدة أيام لتأكل هي كل الطعام و لا تشعر بالجوع
و لكن ... بعد 12 شهرا من ولادتها ... رحّل عن الوطن ، رحّل عنها ، هي كل ما تبقى له هي و أخته الوحيدة هي أيضا لها . اسر مع المعتقلين ، أخذت روحه و جسده كرمى للوطن ،فبقيت الوردة في بستان ليس لها.. وعادت تلك الفتاة تذبل بعدما سقيت من مياه و الدها العذبة ... كبرت ... و ضاعت السنين هنا و هناك ، بين ساحة تلعب بها و بين غرفة تبكي في زاويتها.
كبرت .. اصبح عمرها 12 سنة .. كبرت و الغصة في قلبها ما زالت ... و أبوها المتحرق ليرى كيف هي وردته كيف هي بسمته التي تركها ابنة 12 شهرا .. هل تذكره هل ما زالت تفكر به ؟؟ ...
عاشت تلك الفتاة 12 سنة... و حيدة منتظرة أبيها .. تغفو في سريرها و هي تقول .. أبى عد اليّ ... و هو في السجن العفن يقول ( أنا قادم )
لقد اتى ذلك الوالد القدير البطل المضحي عاد الى ابنته الوحيد .
لقد خطى خطواته الأولى على ارض و طنه نحو منزله القديم .. كان ساكنا .. لا حركة فيه .. نظر إلى أخته .. أخبرته .. فنزلت دمعته السخية الساخنة المالحة على خديه اللتين اكلهما الغبار و مرور الأيام ثم ذهب مطأطئ الرأس خجلا من ابنته التي لم يعد إليها باكرا ، ذهب إلى قبرها ، قبر ابنته التي انتظرته و لكن مرضها لم ينتظر فخطفها و رحلت بعيدا , تحمل كل أحلامها وأمالها .. لقد عاد إليها .. خجلا منها خائبا بما حصل .. عاد قائلا :
يا حلمي الموعود قد عدت فلا ترحل و لا تجرح بحد الوجد و جداني ، يا زهرة العمر بفيض الدمع أرثيك و قيدا يلفحه الحزن يا بتناه أهديك فليت الحياة تهجرني و تسكنك و ليت الأسر يرحمني فآتيك.....
سنوات الأسر التي عاشها كرمى لحظة اللقاء , مرت عليه صعبة وسهلة , شعوره أنه في سبيل وطنه فقد حريته يمنحه الاحساس بالفخار , واحساسه أن ابنته تنتظره يعطيه الدافع للصمود . كان يحلم برؤيتها , بذراعيها يمتدان مفتوحين نحوه ,
فما سمع الأب كلمة بابا من ابنته و حرم من رؤيتها كبيرة.. فهي كانت الدافع الأول لبقائه ، فما بقي لديه بعدها؟! ....