الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07-04-2007, 12:51 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
د.عبدالرحمن أقرع
أقلامي
 
الصورة الرمزية د.عبدالرحمن أقرع
 

 

 
إحصائية العضو







د.عبدالرحمن أقرع غير متصل


افتراضي قصص قصيرة

1-الخلد والفلاح الأصم

أخذ بحفر نفقه في غياهب التراب بمخالبه التي شحذتها الفطرة لتمكينه من العيش تحت الأرض ، كان حدسه هو قائده الوحيد بعد أن خلق اكمها لا يبصر ، وبدأ بقضم جذر نبات البصل الذي صادفه أثناء الحفر دون أن يكتم انزعاجه من وقع خطوات بني الإنسان فوق الأرض هامسا في نفسه :
-ألا يكفيهم أنهم يسودون فوق الأرض ويقتاتون من ما تفتقت عنه أكمام الحياة من نبت وصيد ليحفرون في الأرض أيضا هادمين علينا بيوتنا وإنفاقنا نحن بني الخلد الذين نحيا تحت الأرض بعمانا المفروض علينا منذ الولادة؟
- الم يكفهم ما شقته محاريثهم ومعاولهم في الشتاء السابق عندما حرثوا الحقول ليزرعوها بالبصل ، ليأتوا اليوم بمعاولهم من جديد هادمين ما بنينا من أخاديد فيها نحيا ونسير دون أن نزعجهم بمنظرنا الممسوخ ؟
أولا يشعرون بخوفنا وانقباض قلوبنا مع كل ضربة معول ، قد تصيب الواحد منا في مقتل دون أن يشعرون. أم تراهم يضنون علينا لقيمات بصل نمضغها أثناء الحفر لتقيم أودنا.
كان الخلد مشغولا بحديث نفسه تحت التراب وهو يقضم فلقة البصل ، أما على ظهر الأرض فقد كان الفلاح الأصم يذرع الحقل جيئة وذهابا بحنق شديد شاتما بني الخلد جميعا :- ذلك الكائن الممسوخ الذي اتلف حقل البصل الذي دأبت على رعايته طوال الموسم ، حتى إذا نضجت الأبصال أتلفها بأنيابه المقززة.ولكن لا بأس ، سأعلم هذا المخلوق الأعمى الهش القبيح درسا لن ينساه ، وسأستل روحه بمعولي هذا قبل أن يتلف ما بقي من أبصال.
أمسك الفلاح الأصم معوله بحزم وبدأ يرسم في ذهنه خطة الهجوم ، وخلص أخيرا إلى إتباع المسار الافتراضي الذي يسلكه الخلد تحت الأرض بدءا من شق جحره ليستبقه بخطوات وليبدأ بعزق التراب تاركا طبقة رقيقة منه لكي تهتز حبيبات التراب فيها حين يمر الخلد من تحتها لحفر أخدوده فيبادره بضربة من معوله تستأصل شره وتنقذ ما بقي من بصيلات الحقل . ثم بدأ بعزق التراب بالمجرفة تدفعه الرغبة بالخلاص من ضرر الخلد إلى التمتع بمرأى كوم التراب الصغير المتراكم تدريجيا رغم فقدانه للحاسة التي تمكنه من سماع صوت المجرفة وهي تغرف من وجه التراب ما يرققه. ليجلس بعذاك منتظرا ويداه قابضة على المعول مشحوذ النصل تأهبا لمرور الخلد من تحت التراب .
أما الخلد فكان يواصل حفر أخدوده تحت الأرض سادا جوعه أحيانا بقضم فليقات من البصل الطازج ، ثم سكن مليا في الوقت الذي عملت فيه مجرفة الفلاح حفرا في الأرض خوفا من مكروه قد يناله وهو يتخبط في عماه حافرا أخدوده، ليواصل الحفر بعد أن سكن صوت المجرفة مستشعرا الأمان المنبثق عن الصمت ..وفجأة :
--- أأأأأأأأأه ..أأأأأأأأأه
صرخ الخلد صرخة مدوية وقد طعنه نصل معول الفلاح الأصم ، بعد أن قاده قدره من تحت الطبقة الرقيقة من التراب حتى إذا اهتزت حبيباته بفعل اهتزاز جسده فطن إلى وجوده الفلاح الأصم المتربص ليعالجه بضربة قاتلة من معوله مبتسما ابتسامة ظافرة .
----أأأأأأأأأأأأه ..أأأأأأأأأأأأأه
كان صراخ الألم مدويا مجلجلا رددت صداه الطبيعة من حوله حيث سمعه كل شيء إلا قاتله الأصم ، والذي رأى فغر الخلد لفيه صارخا من الألم المميت ، فظنه يتجشأ لتخمة أصابته من أكله لثمار البصل ، فابتسم بزهو ملقيا جثمان الخلد الدامي جانبا وقد أخذ بثأر موسمه الذي اتلف الخلد جزءا منه مطمئنا على الجزء المتبقي ، ثم بدأ بجمع متاعه عائدا إلى منزله تاركا جثمان الخلد الذي لم يبصر قط قاتله ، طريحا تبكيه الطبيعة التي أشفقت من صرخة الموت المنبعثة من حنجرته ، والتي لم تصل إلى سمع قاتله.
************************************************** *************************************
2-العجوز والبيدر
-(يا للطف الجبار..يا لرحمة القوي العزيز..أي يدين اقترفتا هذا الإثم ؟واجترحتا هذه الخطيئة ؟..يا لحلم الله..يا لمغفرة المنتقم..)
أخذت العجوز تولول ويداها الخشنتان المشققتان تداعب وجه الرماد الحار المتبقي من بيدر القمح المحترق ، وتمرغ به وجهها المتغضن وتنثره على منديل رأسها الأبيض كما تفعل الثكالى ، ويختلط الرماد بخطي الدموع فتسيل جداولا سوداء في أخاديد وجهها الشائخ ، وليغدو منديلها الأبيض بفعل الرماد الأسود وشاح حداد.
-(من الذي سولت له نفسه أن يقتل الخصب؟! أم من الذي حرم الأنام من قوت يومهم في قارص الشتاء القادم ..وحرم البهائم العجماء من التبن والعلف ..وحرم المزارعين من أكياس البذر في الربيع الآتي ؟! أي قلب قد من صوان هذا الذي أطلق لشيطانه العنان ليعيث فسادا في بيدري الحبيب ؟!
وعلا نحيب العجوز ، وأغرقت تنشج في بكاء مرير ، وطفق ظهرها المحدودب يهتز كعصفور بلله القدر على إيقاع النحيب المنبعث من قلبها الكسير ..
-(آه يا بيدري الحبيب ..من الذي أجهض سنابلك الحبلى بحبات القمح السمان ،وأحالها هشيما تذروه الرياح ؟! ومن حطم سويقات القمح الذهبية اليابسة فجعلها هباء منثورا ؟؟ أجبني يا بيدري الحبيب! ..من الذي أحال بهاءك هباءا..وكسا وجهك الذهبي بالسواد؟..أجبني يا بيدري الأثير ..أشف غليل عجوزك الثكلى يا حبيبي..
-( إن..ها..أل..ن...نا...ر.. يا...أما...ه....
انسل أنين خافت من شقوق البيدر المحترق ..أنين تفطر له قلب العجوز المسكينة ، فأدنت أذنها من شق ملأه الرماد ، وفاح منه بقايا دخان أسود ، وناشدت أرض البيدر المحروقة أن تنطق من جديد.
-( إنها ..النار..أحرقتني..) انبعث الصوت ثانية من الشق ضعيفا ، متقطعا ، كصوت جريح يلفظ أنفاسه الأخيرة.
-(هكذا إذن!!) همهمت العجوز الباكية ، ثم نهضت ومسحت دمعها الممزوج بالمخاط بكم ثوبها ، ونظرت في الأفق المصطبغ ببواكير أشعة الشمس في ذلك الصباح ،وقالت بنبرة ملؤها الغضب:
-(هكذا إذن، سترى النار مني..سأبحث عنها الآن ، وستدفع غاليا ثمن ما اقترفت السنتها الشريرة)
وانطلقت العجوز تعدو بخطاها التي أثقلتها السنون بحثا عن النار تتكيء على عكازها كلما أوشكت على السقوط ، وتعدل بين الحين والحين منديل رأسها المتسخ بالرماد حتى أتت إلى موقد تتعالى منه ألسنة اللهب بين أثافي ثلاث أشعلها أحد الفلاحين ليطهو قدر برغل لأطفاله الجائعين ..كانت ألسنة لهبها تتعالى بنشوة وهي تمضغ عيدان الحطب الجافة.
-(إذن فهذه أنت يا ناكرة الجميل ..أيتها اللئيمة المذمومة ، تمتدين بلذة في الهواء بعد أن أحرقت البيدر ) صرخت العجوز ناثرة اللعاب من فمها الذي أفرغه الدهر من أسنانه : ( هكذا إذن ! تحيط ألسنة لهيبك الشره بقوت سنة كاملة لتبتلعه ولا تبقي منه إلا رمادا أسودا وخيوطا من دخان!!)
-(على رسلك يا أماه) أجابت النار زافرة إنما استفزتني الريح ودفعت بي إلى هناك، وعندما ظفرت بأكوام السنابل مددت إليها ألسنتي ، وأنت تعلمين طبيعتي النارية التي لا تعف عن شيء ما لم يوقفها شيء آخر ، وقد ظننت بالماء خيرا أن يسدي لي معروفا فيطفيء سعار لهيبي لكنه لم يحرك ساكنا وبقي مستلقيا راكدا في الينبوع بجانب البيدر)
-( يا لوقاحتك) هتفت العجوز بحنق : ( هل كان لك أن تكوني لولا سيقان القمح الجافة التي كنت أشعلك بها ؟ وهل كان سيكون لك كل هذا البهاء والبريق واللون الأرجواني الذي دفع ببعض سخيفي العقول أن يتخذوك إلها لولا سيقان القمح الجافة المسكينة التي كان لها الفضل في إضرام أوارك؟ ولكن شرهك لم يكتف بها بل امتد نحو البيدر بما زخر من سنابل و حبوب وأغمار)
وهنا جن جنون النار ، فانتفض لهيبها واستطال نحو السحب ، وأخذت تزفر زفرة تلو أخرى لينعقد الدخان الأسود الكثيف فوق رأسها ثم أخذت تصرخ:
-(ويحك أيتها العجوز القاسية، تعيرينني ببعض سويقات جافة حقيرة ، وتنسين فضلي على القمح الذي ينضج عجينه على أواري ، فيغدو خبزا ساخنا لذة للآكلين، وهل نسيتي كم كنت وحدي فاكهة لكم في ليالي الشتاء القارس ..مسكينة أنا النار..تتهمينني بالجحود ، وتلقين علي وزر هلاك البيدر ، ولا تمدين إصبع لوم واحدة نحو الريح التي دفعت بي نحو أكوام السنابل ، ولا نحو الماء الذي تقاعس عن ردي ..أواه..يا لظلمك أيتها العجوز!)
وأخذت جمرات النار تصطك لشدة الغيظ ، وعيدان الحطب المشتعل تفرز زبدا أبيضا على شفتي النار فأحست العجوز بالرعب ..رعبا أقنعها بصدق قول النار ،فازدادت بكاء وأخذت تربت بيدها على جمرات النار المتقدة قائلة بحرقة:
-(اهد أي يا بنتي ..جعلت روحي فداك ..سأريه الماء الذي تقاعس عن ندائك ..أنت محقة يا بنتي ، فلو هدأ الماء من ثورتك، وأطفأ لهيبك لقفلت راجعة دون أن تمسي البيدر بسوء ).
تلفظت العجوز بهذه الكلمات ، وهي تربت على جمرات النار المتقدة لتهديء من غضبها حتى احترق لحم كفيها بالكامل دون أن تشعر بالألم ، ثم حاولت أن تمسك بالعكاز لتقفل راجعة فلم تقو على ذلك راحتاها المحترقتان، فترنحت بجسدها المنهك تعدو نحو الينبوع الواقع إلى جانب البيدر ، والتي ما إن وصلته حتى بصقت في صفحته الصافية ،فاشمأز مرسلا دوائرا متتالية من مركزه إلى أطرافه.
-( ويحك : ماذا دهاك ؟! ) همس الماء الراكد بحنق.
- ( أفعل أيها الماء ما يجب علي فعله بحق التكاسل عن نجدة البيدر ، ولم يلق بالا لسعار النار التي أحاطته بألسنة لهيبها .. بحق الله أيها الماء :- لو لم تزين حقول القمح جانبيك ، هل كنت إلا أقرعا قبيحا يبول فيك الصبيان وتتجشأ فيك البهائم؟! كيف طاوعك قلبك أن لا تطفي النار التي لم تستطع السيطرة على شرهها حتى أحالت البيدر الجميل إلى رماد كئيب؟).
وهنا لاذ الماء بالصمت واختلجت صفحته كأنه يقاوم دمعة تأبى إلا أن تخرج من أعماقه رذاذا ، وقال :- ( سامحك الله أيتها العجوز الطيبة ..وماذا كان بوسعي أن أفعل؟ لقد دفعت الريح بالماء نحو البيدر وتركتني كسيحا هنا ..لو استدارت الريح قليلا ودفعت بأمواجي نحو النار لمرغتها بالأرض وأطفأت غرور ألسنتها ، ولكن ماذا أفعل وقد أبت الريح أن تلتفت إلي واستمرت في دفع النار نحو أكوام القمح حتى اشتعل وبخر جزءا من مائي..وبدلا من أن تلومي الريح أتيت للبصق في وجهي. فليسامحك الله أيتها العجوز).
قال الماء ذلك وانساب بين أتلام الحقول الحمراء المتشققة دون أن تنجح دموع العجوز في ثنيه عن وجهته ، فظلت تصرخ وتولول : - ( لا بأس عليك أيها الماء الحبيب..ربما أكون قد قسوت عليك دون وجه حق ..ابق هنا في ينبوعك بالله عليك، أنا أعلم أنك أنت من تسقي القمح وتهبه الحياة حتى يشتد عوده . )
-( لا بقاء لي في هذا الينبوع وقد بصقت في وجهي ، سأمضي جداولا في الأرض قبل أن آسن).
وهنا قفزت العجوز الحزينة إلى قعر الينبوع لتمسك بذيل الماء قبل أن يرحل، فزلت قدمها وسقطت في القعر الذي انحسر عنه الماء وتلطخ وجهها وثيابها بالوحل الأسود ذي الرائحة الكريهة، وغشت شعرها الطحالب الخضراء النتنة ، فانطلقت تدمدم نحو حافة الينبوع الذي أمسكته بما تبقى من عظم كفيها وتهالكت حتى صعدت إلى حافته..ودمدمت ثانية :- ( إنها الريح الملعونة إذن ، ثم رفعت رأسها نحو الريح فيما غرست قدميها الحافيتين المبتلتين في رماد البيدر المحترق ، وصرخت بغضب :- ( هو أنت إذن سر البلاء أيتها الريح الملعونة !! والذي أحق الحق وأبطل الباطل لألعنك في دبر كل صلاة ما فتئت لي قامة تركع لله وتسجد . ).
سمعت الريح هذا القول فأخذت تصفر وتدور في كل اتجاه والعجوز تدور صارخة بها في دوامة متواصلة ..
-( أنا ؟؟! أنا أيتها العجوز المسكينة لا ذنب لي فيما جرى..فأنا لا أملك السير في الاتجاه الذي أريد ولا حيث ينبغي ..صدقيني أن لا إرادة لي في ذلك ..انه قدري ..أجل قدري، فهو الذي يصرفني حيث يشاء ). قالت الريح ذلك وأخذت تسرع من دورتها والعجوز تشرئب بعنقها إليها محاولة أن تقابلها وجها لوجه حتى سقط منديلها عن رأسها وانتشر شعرها الملطخ بالرماد والوحل الآسن ثم بدأت تشعر بالدوار وهي تدور مع الريح حتى شعرت بكل ثابت أمام عينيها يدور حول نفسه ، فرفعت وقت ذاك كفيها المحترقتين لتغطي بهما عينيها علها بذلك تتحرر من الدوار ، إلا أنها لم تقو على شيء وأحست بقدميها يخوران من تحتها قبل أن تسقط ميتة على رماد البيدر المحترق.

************************************************** *************************************
3-العابد
ضجت القرية الوادعة لانقطاع الغيث الذي هدد محاصيلها بالتلف منذرا بمجاعة لا يسلم منها لا الأطفال الرضع ولا البهائم الرتع ، والتي إذا نفقت عطشا وجوعا فستزيد الفاجعة لانعدام مصدر آخر للغذاء بنفوقها إذا نفقت ، فاجتمع وجهاء القرية في منزل (المختار) بحثا عن حلول أو بدائل ، وهناك جلس الجميع وكأن على رؤوسهم الطير بغد أن شبعوا أخذا وردا بانتظار المختار ليدلي بالرأي الفصل.
مسح المختار قطرات العرق التي تصببت على جبينه لجسامة المسؤولية الملقاة على عاتقه ، وأدار نظره بين الجموع المنتظرة قوله ، فابتلع ريقه وقال :
-إننا أيها الأخوة والأحباب نواجه عسرا لم نألفه من قبل ، ولا أبالغ إذا قلت أن بقاءنا مرهون بزواله ، ولم نجلبه بتقاعس منا عن العمل ، أو إيثارا منا للدعة والاسترخاء بقدر ما هو قدر من أقدار السماء التي لا نملك معها ردا ، والتي ما كانت لتحل لولا خطايانا وتفريطنا في جنب الله . وعليه لا أكاد أجد لكم مخرجا إلا أن نخرج جميعا إلى الطرقات رجالا ونساء وأطفالا لنجأر إلى الله سائلينه الفرج والخلاص . ربما تقولون أننا فعلنا ذلك كثيرا ، وصلينا الاستسقاء مرات ومرات دون أن يستجاب لنا ، غير أن الحق أقول لكم : أن رحمة الله واسعة وهو بكاف عبيده.فلنكرر مرات ومرات حتى يرأف بنا سبحانه وهو الرءوف الرحيم.
- على رسلكم يا قوم.
التفت الجميع لرؤية الهاتف الذي دخل الديوان بغتة يكسوه الغبار من رأسه إلى أخمص قدميه ليتبينوا في ملامحه وجه الشيخ حكيم ،عابد القرية المشهور بزهده وتقواه ، والذي عزف عن مخالطة الناس منذ عهد بعيد رغبة عن معايشة الفتن واقتراف الصغائر من الآثام .فابتاع غنيمات يتبع بها مواضع القطر كما أوصى الرسول من قبل في زمن الفتن. ولم يشاهد بعدها واعظا في الناس ، وإنما كادحا لكسب رزقه أو متصفحا كتابا بصمت جليل.
-على رسلكم يا قوم..نعم إن الله كاف عبده ، غير أن أهل العلم قالوا من قبل : إن الله يلتزم بكفاية العبد بقدر ما يلتزم العبد بعبوديته لله ، والعبودية للرب لا تتجسد في السجود لوجهه الكريم في الضراء فقط ، بل هي أشمل من ذلك بكثير لا أقلها أداء حقوق الله ، وأداء حقوق عباده كذلك في السراء والضراء.
قال الشيخ ذلك ولحيته الطويلة البيضاء تهتز لفرط الانفعال مع كل كلمة ينطق بها، وإذ لمس اهتماما لدى الجمع بكلامه واصل حديثه بنفس التأثر والانفعال:
-إذا أردتم أن يهطل الغيث من السماء من جديد فهيئوا له موضعا على الأرض ينزل عليه، والا فلا جدوى من صلاتكم.
-ماذا؟؟؟؟..تساءل الجميع بصوت واحد تعتريهم الدهشة.. أو يهيأ للغيث مكانا ؟؟؟ إن هذا لأمر عجاب . تساءل رهط منهم.
-أجل يا قوم ، هيئوا مكان رضا للسماء على الأرض، واعلموا أنني لا أتحدث بالطلاسم ، ولكنه الحق والحق أقول : ليعط المختار شقيقته حقها في الميراث أولا قبل أن يقود الناس إلى صلاة الاستسقاء ، فدموع تظلمها على الأرض تحجب عنكم غيث السماء ، ولينبذ إمام المسجد أخاه الذي شهد رهط من ثقات القرية على تلاعبه بالمال العام ، فبشر ببراءته من على المنبر في يوم الجمعة ، وتوعد متهميه بعقاب الله الأبدي واصفا إياهم بعصبة الإفك.. لان افتراءه على الله أنزل أللعنة على قريتكم فأحيط بثمرها . وليذهب رهط من وجهاء قريتنا إلى القرية الجارة استرضاء لمعلم الصبيان الذي نبذته القرية وأوكلت مهام التعليم لشاب جاهل من أبناء القرية لصلة قربى تربطه بكبير وجهاء القرية ، لان تجهيل الأجيال فناء لكم إذا نجوتم من فناء المجاعة ...
- لقد أثقلت القول يا شيخ بما لا يليق بعابد مثلك . صرخ أحدهم مقاطعا ليسري هرج ومرج كطنين النحل في المجلس ، وكأنهم كانوا بانتظار من يخرق جدار الصمت ليشوشوا على إدانتهم. إلا أن الشيخ رفع يده بحزم وتابع حديثه:
- لقد أخذ الله الميثاق على العلماء ليبينون الحق للناس ولا يكتمونه ، لذا فالحق والحق أقول : إنكم لم تجهزوا بعد لاستقبال هبة السماء ، ثم شق طريقه بين الناس ليخرج من حيث عاد ، ثم وقف على باب الديون واستدار مواجها الجمع ليواصل الحديث قائلا :- إذا قررتم تحكيم الحق والصواب ، وتهيئة الأرض لاستقبال ما ستغدق به السماء ، فلا تنسوا أن تأخذوا الدية من قاتل شقيقته الذي يمشي آمنا مطمئنا بين ظهرانيكم ، وتعدونه مثالا للنخوة والحمية . وقدموا الدية عونا للشباب الراغبين في الزواج دعما لعفتهم.
فصرخ به رجل من الجمع: لقد تماديت في غيك يا هذا ، وتابع ثان : سبحان الله ، أو يدافع عابد لله عن زانية ، وأردف ثالث : إذا كان الزهاد العابدون كذلك فلا حرج علينا نحن العامة ، وابتسم ابتسامة ثعلبية ، وهنا انتهرهم الشيخ قائلا :
-إن الله الذي حرم الزنا هو ذات الله الذي حرم القتل ، ولو أخذت كل نفس القانون بيدها ، فما جدوى كتب الأنبياء ؟؟!
ثم خرج من الباب الذي دخل منه دون أن يبادر أي من عقلاء القوم على استيقافه ناهيك عن جهلائهم ، ليواصل طريقه نحو الجبل ساعيا بغنمه بحثا عن منبع ماء بثقة يفتقدها من تركهم مجتمعين في الديوان ، ثقة جعلته يحس بشفاه الأرض المتشققة ظمأ للمطر تبتسم رضا عما قال وفعل ، والشجر المتيبس عطشا بأغصانه التي يداعبها النسيم تلوح له محيية إياه بغبطة وفخر.







 
رد مع اقتباس
قديم 07-04-2007, 03:25 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
محمود ابو اسعد
أقلامي
 
الصورة الرمزية محمود ابو اسعد
 

 

 
إحصائية العضو







محمود ابو اسعد غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى محمود ابو اسعد

افتراضي مشاركة: قصص قصيرة

ثلاث قطع من العيار الثقيل
اضافها هنا
د عبد الرخمن
كشفت عن قدرة رائعة لديه
على الرسم بالكلمات
ذكرني بعضها بكليلة ودمنة
اتمنى لك التوفيق دائما
دمت بخير







 
رد مع اقتباس
قديم 07-04-2007, 04:00 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
د.عبدالرحمن أقرع
أقلامي
 
الصورة الرمزية د.عبدالرحمن أقرع
 

 

 
إحصائية العضو







د.عبدالرحمن أقرع غير متصل


افتراضي مشاركة: قصص قصيرة

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمود ابو اسعد
ثلاث قطع من العيار الثقيل
اضافها هنا
د عبد الرخمن
كشفت عن قدرة رائعة لديه
على الرسم بالكلمات
ذكرني بعضها بكليلة ودمنة
اتمنى لك التوفيق دائما
دمت بخير
أستاذي الفاضل محمود..
تشرفتُ بمرورك الذي أسعدني
كنتُ قد ظننتُ أن قصصي لا تحظى بما حظيت به قصائدي من نجاح في هذا المنتدى الرائع
غير أن كلماتك جاءت كالغيث يحيي الأرضَ بعد موات
دمت أخا مبدعا وكريما






 
رد مع اقتباس
قديم 07-04-2007, 04:55 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
محمود ابو اسعد
أقلامي
 
الصورة الرمزية محمود ابو اسعد
 

 

 
إحصائية العضو







محمود ابو اسعد غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى محمود ابو اسعد

افتراضي مشاركة: قصص قصيرة

دمت عزيزي
في بيتك الدافيء اقلام







 
رد مع اقتباس
قديم 08-04-2007, 01:53 AM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
د.عبدالرحمن أقرع
أقلامي
 
الصورة الرمزية د.عبدالرحمن أقرع
 

 

 
إحصائية العضو







د.عبدالرحمن أقرع غير متصل


افتراضي مشاركة: قصص قصيرة

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمود ابو اسعد
دمت عزيزي
في بيتك الدافيء اقلام
ليبقَ البيتُ عامرا دوما بمبدعيه
وأنتم في طليعتهم سيدي






 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أبو لمعة ( قصة قصيرة ) اسامة جودة منتدى القصة القصيرة 8 08-09-2007 03:04 AM
عودي من حيث جئتي... (قصة قصيرة) سعيد محمد الجندوبي منتدى القصة القصيرة 0 11-02-2007 05:28 AM
رحلة من الجنوب إلى الجنوب (قصة قصيرة) د. سليم صابر ثريا حمدون منتدى القصة القصيرة 0 17-12-2006 04:31 PM
حدود / قصة قصيرة / لفكري داود. فكري داود منتدى القصة القصيرة 4 06-12-2006 03:21 AM
قصائد قصيرة جمال علوش منتــدى الشــعر الفصيح الموزون 5 29-06-2006 09:46 PM

الساعة الآن 01:36 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط