قراءة
ورقات على هامش مؤلف" أوراق " عبدالله العروي
محمد المهدي السقال
الجزء الثاني
- اقرأ الأوراق........ يفترض صدور الآمر بالقراءة عن الشخصية التي تملك موقعا أقوى بالنسبة للمأمور , إلا أن موقع شعيب هنا غير ذلك , لأنه يدعو الراوي إلى قراءة الأوراق على خلفية الحاجة إلى تحليلها وتأويلها, كأنه يدفعه إلى معرفتها في ضوء ما تحتفظ به ذاكرته عن *إدريس* , وليس فقط عبر ما تصرح به تلك الأوراق ,و يأتي لفظ *ربما * لإفادة احتمال فهم سبب موته , منعا لأي اعتقاد في الاقتدار على القول الفصل في تحديد ذلك السبب , بحيث تحيلنا نفس اللفظة على هامش الشك الذي يتبناه شعيب .
تبدو الدعوة إلى القراءة بصيغة الأمر, خطابا موجها لجميع المعنيين بمراجعة الإرث المتخلف مكتوبا على الورق , من قبيل التاريخ أساسا, إذ ما أحوجه إليها تحليلا وتأويلا , دون تناسي احتمال الشك فيما يمكن أن يوحي باليقين المطلق .
أنت أقدر الناس ........... لعل التوكيد على القدرة بصيغة التفضيل المفيدة للإطلاق , تتعارض مع ما سعى *العروي* إلى نفيه في العبارة الأولى , خاصة إذا استحضرنا ترابط هذه القدرة باستنباط النوايا,و تجاوزها للعلم بالممكن إلى العلم بالغيب . غير أن العبارة تحافظ على اتصالها بالسابق , مع افتراض صدور التأكيد عن اقتناع راسخ بأن ثمة حقيقة يمكن البحث عنها في المعرفة بالذات التي يعود إليها وحدها الاقتدار على الاستنباط ..... أليست العبارتان معا صادرتين عن *شعيب* في نفس السياق , و متـعلقـتـين بـتـوجيه الخطاب لنفس الشخص / *الراوي* .؟
لقد حاول شعيب أن يتوسل بالراوي في الوصول إلى حقيقة موت إدريس, لأنه في رأيه يمتلك القدرة على تجليتها بظاهرها القابل للتحليل والتأويل, قدرته على استنباط باطنها الذي تختزنه النوايا.
و أمر *شعيب * للراوي بالبحث عن سبب موت إدريس, من منطلق احتمال الفهم, غير منفصل عن البحث في النوايا , مما لم يكن معلنا بأقوال أو أفعال, إذ القاسم المشترك بينهما فضاء الحياة الممتدة بين الحضور المتجلي في حركة الذهن والغياب المحكوم بحركة الواقع ........ " كنت أظن أني أعرف إدريس ......... هكذا يرد الراوي على دعوة شعيب في نفس السياق , منطلقا من الماضي المثبت,لإفادة الاعتراف بأن معرفته بإدريس قد أصبحت معلقة وموضع شك وسؤال , كأنه يترك للقارئ تقدير النفي في الحاضر ,بعدما تبين للراوي في النهاية أن ما كان يعرفه عن إدريس , إنما كان من قبيل الصورة غير الحقيقية له... .. هل كان الراوي يريد وضع شعيب أمام حقيقة استحالة التعرف على إدريس من خلال ورقاته , باعتبارها لا تمثل معرفته به, على امتداد صحبة الدراسة في الداخل والخارج ؟ أم أنه كان يقصد الإحراج الذي وقع فيه هو نفسه , بسبب اكتشاف شخصية أخرى لم يعهدها في إدريس , وهو الذي كان يظن أنه يعرف إدريس ؟ إن الموقف العبر عنه , منسجم مع الفكرة التي يؤمن بها العروي , والمرتكزة حول فكرة التجني على التاريخ , حين يدعي كاتبه المعرفة بتفاصيله الكبرى ناهيك عن الصغرى, .... وسيكون الراوي بذلك أمام صورة لإدريس بوجهين : وجه ترتسم ملامح شخصيته في ذاكرته , و وجه يتكشف أمامه غريبا لا عهد له به , تتضمنه الأوراق .لكنه دونما حاجة إلى التساؤل عن أي الوجهين أكثر مصداقية في تمثيل إدريس , يسارع إلى نفي معرفته به لفائدة الشك , هل كان بذلك يشكك في فيما تقدمه الأوراق ؟ هل كان يستهدف نزع اليقين الممكن كما يراه شعيب ؟ أم أنه ببساطة , يضع القارئ أمام الحاجة إلى الاستقصاء المنهجي في التعامل مع ما يعتبر من قبيل السيرة التي تدعي القدرة على تقديم الحقيقة ؟ إن الراوي إزاء خيارين : إما أن يصدق معرفته ؟ وإما أن يصدق ما تقوله الأوراق " ثم باعدت بيننا الحياة عند انتهاء الدراسة ..... بهذا يحاول الراوي أن يبرر موقفه , فيرد ظنه إلى عامل الزمن والحياة , باعتبارهما متغيرين حاسمين , يرجع إليهما هذا التلاشي الذي أصاب معرفته بإدريس ,إذ ثمة ما يجهله , بعدما باعدت بينهما الحياة عند انتهاء الدراسة ,مـؤكدا مرة أخرى تأثير الانفصال على مخزون الذاكرة , حين تحاول استحضار الماضي على الهيئة التي تشكل منها ......... " أتصفح الأوراق فـأكتشف شخصا آخر.... ويعود الراوي مجددا إلى تبرير عجزه عن الاستجابة لمطلب شعيب , مادام يكتشف شخصا آخر غبر تصفحه للأوراق , لا علاقة له بالشخص الذي عرفه , نافيا بذلك لشعيب ما كان لديه من اعتقاد حول إمكانية التحليل والتأويل , على خلفية معرفة الراوي بإدريس, وبالتالي فكتابة السيرة مستحيلة بالمعنى التاريخي الذي يتطلب الصدق والتوثيق والأمانة والموضوعية , بحيث لا يمكن للمؤلف فيها إلا أن يعـتـرف بتصنيف ما يكتبه داخل جنس آخر غير الكتابة السيروية بالمعنى التاريخي , ولماذا لا تكون كتابة سيروية روائية, تستفيد من السرد الفني لغة وتركيبا وتخيلا .؟ بحيث لا يبقى مجال كي يدعي البعض القدرة على استحضار الماضي..... وقد عبر الراوي عن تلك القناعة بلفظة قوية في دلالتها على النفي ,فجاءت يدعي بصيغة الفعل المضارع الدال على الحال والاستقبال , ومضمون الادعاء الأقرب في الذهن إلى الكذب, أما حين يقول : " لا أستطيع حتى استحضار شكل إدريس....... فإنه يذهب أبعد من الشك والتشكيك , لكي لا ينفي فقط القدرة على استحضار الماضي كما يدعي البعض , وإنما يتجاوز ذلك إلى عدم استطاعتـه حتى استحضار شكل إدريس , ومن يكون في هذا المستوى من العجز حتى عن استحضار الشكل , لا يمكنه قطعا ادعاء استحضار المضمون وهو المادة الأساسية والحيوية لكل سيرة يفترض فيها أن تكون تاريخية , لذلك سيظل الراوي على امتدد المؤلف ,حذرا في قراءته وفهمه لأوراق إدريس ,مقتنعا أن كل كتابة عنه , يكون سندها ما تختزنه الذاكرة , تبقى موضوع مراجعة ونقد وتقييم يستفيد من أكثر من مصدر يحيل عليها أو تحال عليه .
- إذا انتقلنا إلى صوت المؤلف في أوراق ,من خلال المقدمة الصريحة في الإعلان عن البعد المستهدف من التأليف ,فإننا سنجد عبد الله العروي, واضح الرؤية في اختياره الرافض لكتابة سيرة يمكن أن تدعي صدقيتها وموضوعيتها ,بل تؤشر أكثر من عبارة على ضرورة الانتقال بالمفهوم الأدبي للسيرة من المستوى التاريخي الأحادي المصدر , إلى المستوى الفني , المتعدد الأصوات والمتنوع الأدوات التعبيرية .
" كل واحد من الصديقين يقرأ الأوراق ويفهمها حسب تكوينه الذهني واختياره العقائدي..... - لعل أول ما يلفت النظر في هذه العبارة , وجود كل من شعيب والراوي في مستوى واحد من الصداقة بالنسبة للارتباط بإدريس , ونلمس ذلك في * أوراق * من خلال تكامل معرفتيهما به , بحيث يمثل شعيب مرحلة الطفولة المرتبطة بمكان النشأة الأولى في *الصديقية* بين البيت والمدرسة والحي , بينما يمثل الراوي مرحلة التكوين التي استغرقتها سنوات التعلم في الداخل والخارج , قبل أن تفرق بينهما الحياة ...وكلاهما يقرأ الأوراق ويفهمها , لكن على أساس الاختلاف العائد إلى طبيعة التكوين الذهني من جهة والاختيار العقائدي من جهة أخرى , مما يجعل إمكانية الاتصال بينهما حول قراءة واحدة أمرا مستبعدا, وهو ما يفتح باب الاجتهاد في التأويل لإنتاج سيرة ثانية وثالثة ورابعة .. على هامش الورقات التي خلفها إدريس ..... انطلاقا من خصوصيات المستقبل الذهنية والعقائدية.......
وإذا كان التكوين في دلالاته العامة, يحيلنا على الحصيلة الفكرية والعقلية والتجربة الحياتية التي خبرها كل واحد منهما, فشكلت قاعدة رؤيته للذات والعالم , فإن الاختيار العقدي سيحيلنا,على مستوى الانتماء المذهبي لحزب أو جماعة أو تيار إديواوجي,كما يحيلنا على مستوى الاعتقاد الديني ودرجة الولاء في التطبيق للتعاليم في أصولها أو تأويلاتها, ويشكل كل منهما رافدا ديناميكيا له دوره في القراءة والتقييم في الحاضر , إلا أن غيابهما بدرجات متفاوتة الماضي , أثناء معايشة إدريس , يضعف من قيمتهما , على أساس أن كتابة سيرة لإدريس الآن, تتأثر إلى حد بعيد ,بمتغيرات الوعي وتحولات المسار المعيشي , بل ربما كانت ضحية إسقاطات للواقع على التاريخ ..... والعروي بهذا التحديد لزاوية القراءة المحتملة , والمتعددة المستويات , إما على خلفية التكوين الذهني أو الاختيار العقائدي , يصلنا بما دافع عنه الراوي منذ البداية , حين رفض مسايرة شعيب في تحميله مسؤولية كتابة سيرة لإدريس من خلال ورقاته , مما جعل البعض يذهب إلى التوازي بين الراوي والمؤلف على امتداد الفصول .
وسيحدد العروي موقفه , بإرجاع الحكم إلى القارئ الذي عليه أن يفصل في النهاية " للقارئ أن يفصل* بحيث يؤول القول في تقدير القيمة التوثيقية للورقات , وما يتصل بها من قراءات شعيب أو تأويلات الراوي, للقارئ الذي لا يجب أن ينساق لمصادرهم , ما دامت عرضة لآثار التكوين الذهني أو الاختيار العقائدي .... وهنا نعود إلى نوعية الكتابة التي راهن عليها العروي في مؤلفه أوراق , باعتبارها تتجاوز السيرة بمفهومها التاريخي من جهة, لاستحالتها عمليا من خلال ما فصله من مبررات, وباعتبارها تستجيب لضرورة تجاوز الإطار الذي تتشكل فيه تلك السيرة من جهة أخرى.... بحيث يصبح هامش الحرية في التخيل العاقل , محركا حيويا للقوى الفاعلة في البحث عن الصيغة المناسبة للاحتفال بأربعينية إدريس , ما دام كل من شعيب و الراوي والورقات , يقدم الصورة التي تختزنها الذاكرة عن الماضي , من منظور اللحظة المعيشة في الحاضر ..... ولا يمكن لأي منهم أن يدعي تلك القدرة, على الوفاء لإدريس بالحقيقة المطلقة اليقينية ..... الأبسط هو فتح الطريق إلى الاستماع. .... وهم مطلب يطال الكل , من شعيب والراوي إلى إدريس والقارئ , لأننا قد نصبح أمام الأعقد , وهو غلق طريق الاستماع, بما يمكن أن يترتب عنه من إعادة إنتاج القراءة الأحادية للواقع , واستعادة الولاء لسلطة الفكر المطلق .........
لقد اختار العروي كتابة تركيبية للتاريخ الفردي المؤطر تقليديا ضمن السيرة , فاستند إلى الواقع منظورا إليه من زوايا أو مرايا مختلفة , ليعيد خلق تلك السيرة بشكل فني يستفيد من تقنيات السرد قصة ورواية.
****************
- ولد عبد الله العـروي سنة 1933 , سافر إلى باريس لمواصلة التحصيل العالي بمعهد الدراسات السياسية وكلية الآداب بجامعة باريس سمنة 1956 , لكن الاتجاه إلى البحث التاريخي, سوف يستغرقه للوصول إلى تتويج دراسته العليا بدكتوراه الدولة في التاريخ سنة 1976.ويعتبر العروي أكثر المفكرين صمتا إن لم يكن تحفظا, اتجاه العديد من القضايا المطروحة.
- كتب إلى حد الآن بين الفكر والتاريخ والفلسفة والأدب على الترتيب الزمني:
• * الإيديولوجية العربية المعاصرة 1970
الغربة 1972.
• العرب و الفكر التاريخي 1973
• أزمة المثقفين العرب 1974
أصول الوطنية المغربية 1977
اليتيم 1978
• مفهوم الإيديولوجية 1980
مفهوم الحرية 1981 مفهوم الدولة 1981
• ثقافتنا في ضوء التاريخ 1983
التاريخ : مجمل تاريخ العرب 1984
الفريق 1986
• أوراق 1989
• مقاربات تاريخية 1992
خواطر الصباح 2003
- ترد هذه العبارات في المقدمة التي أخذت ثلاث صفحات, لذلك لا حاجة إلى تبويبها مرقمة ضمن الهوامش
* صدر باسمه مؤخرا كتاب :* المغرب والحسن الثاني*, وهو مجموعة كتابات متفرقة في الزمان والمكان, جمعتها *نادية زيان*, لترجمة الأفكار التي عبر عنها عبد الله العروي , حول مختلف القضايا ذات الصلة بالتحولات التي تعرفها الساحة السياسية والفكرية المغرب
********************************
محمد المهدي السقال