كيف تفجر المحنة طاقات المرأة ... ؟!
السيدة"منى صالح" نموذجٌ فريدٌ - وكم هي النماذج الفريدة - يستحقُّ أن نتوقفَ أمامه طويلاً؛ لنتعرفَ على قدرةٍ غيرِ عاديةٍ للمرأة المسلمة التي يُقدَّر عليها واقعٌ مؤلمٌ أو شديد الصعوبة، سواء كان اجتماعياً أو سياسياً أو غيرَ ذلك.
فقد اعتُقل زوجُ هذه السيدة عامَ 1981م إثْر التوترات السياسية التي حدثت في مصرَ في ذلك الوقت؛ إذ كان هذا الزوج ناشطاً إسلامياً، وحدث الاعتقال بعد الزواج بشهر واحد.
كان الزوج متخرِّجاً لتوِّه من الجامعة ولم يعمل بعد، وهكذا وجدت منى نفسَها بلا زوجٍ ولا عائلٍ ولا مستقبل، خاصّة بعد أن حصل زوجُها على حكم كبير.
وحيل بين منى وزوجِها لفترة طويلة، إلاّ أنه كان يُسمح لها بين الحين والحين أن تزورَه، وربما اختلى الزوج السجين بزوجته لدقائقَ كلَّ بضعة أشهر؛ ليقدِّر الله بينهما ذريةً، على الرغم من تلك الظروف، والله غالبٌ على أمره.
وتبدأ رحلة كفاحٍ وصبرٍ طويلة، مدتُها ستةٌ وعشرون عاماً. فعندما التقيْت بها أولَ مرة، في منتصف الثمانينيات- وكنت قد التقيت بالمئات من أُسر المعتقلين؛ لكي أكتبَ عن أحوالها - كانت منى مختلفةً عن الكثيرات، فقد قابلتني بالرضا والتّرْحاب، كأننا قد تعارفنا منذ سنوات، فهي ممن يَألفون ويُؤلفون. صغارُها الذين أنجبتهم من زوجها - وهم أربعة أبناء حوْلَها - تحنو عليهم وتبثُّ فيهم معانيَ العزَّة وحبَّ الإسلام.
كان زوجُها قد بنى منزلاً متواضعاً في إحدى القرى، وكان أهلُ زوجِها يسكنون بعضاً من طوابق هذا المنزل، كانوا لا يهتمّون كثيرًا بأحوالها، وكيف تعيش، وهي لا تطلب منهم ما لا يُطيقون، وكذلك أبوها وأمُّها قد طلبا منها في بداية الأمر أن تترك زوجَها، لكنها تمسّكت به، بل وكانت سبباً في تحوُّل قلوبهم جميعاً إليه بالحبّ بعد ذلك، بل وطفِقوا يتردّدون عليه للزيارة، ويساعدونها في بعض نفقات الأولاد بقدر متواضع، وهي في كلِّ الأحوال راضيةٌ بأيِّ عطاء، ولا تطلب من أيّ أحدٍ شيئاً، مهما كانت احتياجاتُها، فهي منذ البداية وحتى الآن، كيَّفت حالَها على معاشٍ متواضع، تحصل عليه من نقابة المهندسين، قد لا يكفي لإطعام فرد واحد، لكن لكونه معها ولقناعة أولادِها يصبح هذا الدخل كثيرًا؛ لأنني لم أر أنها - طوال أكثرَ من عشرين عاماً - تبرمت من أية أوضاع مادية أو معنوية، ولا تشكو مطلقاً ضيق ذات اليدِ، كما تفعل الكثيرات.
ويموت الأبُ الذي كان يشاركُها رعايةَ أبنائها ويسألُ عنهم، وتبقى لها الأمُّ ؛ لتقوم بدور الأب، ولكن لم يُمْهلْها الأجل هي الأخرى، ولقيت ربها، تاركةً منى تصارع الحياة وحدَها، بلا عائل وبلا مصدر للدّخل تنفق منه على أبنائها.
وزاد الأمرُ سوءًا عندما دبّ خلافٌ بين نساء المنزل مع بعضهن البعض، فآثرت منى أن تسكنَ وأولادُها في دار قديمة ومتهالكة لجدَّتِها، كانت مهجورةً ومكونةً من حُجُرات بالطوب اللبِن في إحدى الحواري الضيقة.
لم يكن يتوفَّر لـ"منى" كل شهر إلاّ جنيهات معدودة، وبالتالي فليس هناك أثاث وثير أو ثياب جديدة أو طعام شهي، ولكن هناك الرضا والصبرُ والقناعةُ والتحمُّل.
بكت منى كثيراً، ودعت ربَّها كثيراً أن يكون معها، وألاّ يُشمِّت فيها شامتاً، وأغلقت بيتها على نفسها، فلا يكاد يدخله أحد إلا أولادُها.
وقد تقبَّلت هذا الوضع بالرضا التام، وهي التي تمتّعت في بيت أبيها بحياة رغِدة، وهي في كل أحوالها تواظب دائماً على إعداد الطعام لزوجها وحملِه مسافات طويلة من خلال الحافلات العامة، لا تُخلف له موعدًا، ولا تعصِي له أمراً، وتحرص على رضاه وتُظهر له كلَّ الودِّ والاحترام، بل قد تبثُّ فيه السّكينةَ والطّمأنينة، وترعى له الصِّغار الذين صاروا أمثلةً نموذجيَّة للشباب المسلم الملتزم دينيّاً وخُلقيّاً.
ففي العائلة يقولون لها دائماً: إنه على الرّغم من وجود الأزواج والمال إلاّ أنها الأكثرُ حظاً من غيرها، فالأبُ والأمُّ قد توفاهما الله وهما راضيان عنها؛ لحسن خُلقها مع الجميع، وكذلك زوجُها راضٍ عنها؛ لحسن تبعُّلِِها له وقيامِها برعاية صغاره كأحسن ما أنت راءٍ راعياً.
أما الأولاد فيختلفون كثيرًا عن شباب هذا الجيل؛ فـ"عبد الرحمن" قد أتمّ حفظ القرآن الكريم منذ الصِّغر، وهو حريصٌ على القراءة والاطّلاع الدينيّ بعمق، وتخرج في كلية الشريعة والقانون، ويواصل دراساته العليا ، و"سارّة" - هي الأخرى - أتمت حفظَ القرآن الكريم، وتحتلُّ المركزَ الأولَ بامتياز في كلية الدراسات الإسلامية، ثم تزوجت بشاب متدين، وأصرت أمُّها أن تخبره بظروف والد العروس، فقال: إن ذلك يشرّفُه، و"عبد الله" و"منة الله" ما زالا في مراحل التعليم العام، وجميعُهم قائمون على طاعة والديْهم.
وفي الأسبوع الماضي خرج الزوج، بعد ستٍ وعشرين سنةً قضاها في مَحْبَسه؛ ليرى أبناءه وقد رعاهم له الله وربّاهم على عينه، وليتسلَّم من زوجته المَهمَّة، وقد أدَّتها على خير ما يكون الأداء.
ليلى بيومي/ القاهرة