|
|
|
|||||||
| منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول هنا نتحاور في مجالات الأدب ونستضيف مقالاتكم الأدبية، كما نعاود معكم غرس أزاهير الأدباء على اختلاف نتاجهم و عصورهم و أعراقهم . |
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع |
التقييم:
|
انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||||
|
الفصل الأول: اللغة عند أهل الحداثة لم يختلف المعاصرون على قضية أدبية قدر اختلاف آرائهم على تحديد معنى الحداثة وبالتالي البداية التأريخية لميلادها بالرغم من كثرة المقول فيها أو الحديث عنها وما جرَّته الأقلام مُغرّبة ومشرّقة في التعريف والتوصيف، وهذا ما أوقع المتلقي بالبلبلة دون أن توصله إلى شاطئ الحداثة وسط أقوال المتحدثين الذين تفاوتت عندهم مديات البداية التأريخية لها، فترى واحداً منهم وجد في أوائل القرن العشرين إعلاناً بميلادها وآخر أمدها بخمسين سنة معتبراً منتصف القرن العشرين يوماً سعيداً لذاك الميلاد. وثالث قال: إن حداثتكم التي كثر الجدل عنها لا تلتقي مع حداثة الغربيين التي يعود تأريخها إلى تحويل السلطة من الآلهة إلى البشر عند الغرب، وما تأثركم في هذه الحداثة إلا جري لمعرفية غربية قد لا تنفع أو تسند ما تريدون الوصول إليه. هذا النهج المختلف دربه في فهم المصطلح يذكرني بقول الجاحظ عمن أراد أن يتعلم الشعر ويحدد قيمته وينحاز من خلاله للأجود فيه فقال(1): (ولم أرَ غاية النحويين إلا كلَّ شعر فيه إعراب، ولم أرَ غاية رواة الأشعار إلا كل شعر فيه غريب أو معنى صعبٌ يحتاج إلى الاستخراج، ولم أرَ غاية رواة الأخبار إلا كل شعر فيه الشاهد والمثل، ورأيت عامتهم لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيَّرة والمعاني المنتخبة، وعلى الألفاظ العذبة والمخارج السهلة... وعلى المعاني التي إذا صارت في الصدور غمرتها وأصلحتها من الفساد، وفتحت للسان باب البلاغة ودلت على مدافن الألفاظ.. وربما خُيّل إليَّ أن أبناء أولئك الشعراء لا يستطيعون أبداً أن يقولوا شعراً جيداً، لمكانة أعراقهم من أولئك الآباء). هذه الطرائق التي سلكها الجاحظ قد نعيد السير فيها على وفق ثلاث منها كي نفهم الحداثة، الأولى: ـ القديم هو الحداثة عند بعض المعاصرين، وهذا يعني أن يكون التناول من خلال الصراع بين القدماء والمحدثين على ضوء ما اصطلحوا عليه نقداً في العصر العباسي ويكون الحادث في ذلك العصر على وجه الخصوص هو الذي يحدث اليوم بالرغم من اختلاف الزمن والحضارة والمؤثر الأجنبي، ويأتي ثانٍ ليسند هذا الرأي بقراءة في نص تراثي في واحد من كتب الأقدمين، يؤيده إلى ذلك باحثٍ ثالث وهو يمد جسراً بين القديم والحديث ليكون أحد الشعراء العرب القدامى رابطاً بين الحداثة والتراث، أو يقف البحث عند عبد القاهر الجرجاني لنناقش من خلال آرائه حداثة عصرنا فيصل الأمر إلى القول إن الرجل (أي الجرجاني) عندما فصل بين الإبداع والمبدع فقد قال بموت المؤلف الذي قالت فيه البنيوية (هكذا)!. الثانية: ـ عدم الاتفاق على تحديد المصطلح والعذر في ذلك قول الآخر(2) (ولكن إشكالية الحداثة.. تتضح عصية على هذا التحديد بسبب تعدد مستويات الحداثة ذاتها التي تحيط نفسها بمفاهيم متعددة) ويرى غيره أن (الحداثة حالة متميزة من الإبداع الذي هو صفة مقترنة به حتماً..) ويرجع ظهورها إلى الفن الحديث واصفاً إياها بـ (الطزاجة) التي يعني بها (الحرية والتدفق والتجديد والتجاوز)، ويدخل علينا ثالث ليأخذنا إلى ما بعد الحداثة وكأننا أنهينا مرحلة الحداثة وصرنا مستعدين لاستقبال الـ (ما بعد) والحجة في ذلك هي (تطوير في الحداثة وليس انسلاخاً عنها) على وفق قاعدة تقول: (إن المنفصل جزء من قانون المتصل، فالأصول تتلاءم مع العوالم الجديدة المتغيرة) كل ذلك يحدث في زمن لا يتجاوز نصف قرن "حداثة وما بعد الحداثة"!!. الثالثة/ وفيها السؤال والإشكال بشأن مستقبل الشعر الذي (ينبثق من حيز اللامعقول واللا مفهوم، شعر ينفلت من الرقابة ليس فيه ثبات أو خصوصيات تجعلنا نتعرف إلى هذا الشاعر من ذاك) ويُعلِل سبباً لهذا فيقول: (وقد يكون الشعر في القرن الجديد إفرازاً للآتي، للعولمة والأمركة وانعدام الهوية للحداثة والحداثية) وبالتالي هل يكون ذلك مستقبلاً لشعرنا العربي؟. أما الإشكال فيكون الحيرة بين القيمة والقيمة المضادة عند الكتابة الشعرية، وهذا يعني تفسير النص الشعري المعاصر على وفق رؤية غربية المنهج مغاربية الطرح على نماذج من الشعراء المعاصرين، وفيه تكون المحصلة قصر النص عند التحليل على مقاييس الفكر الغربي الذي كانت الحداثة تطوراً منسجماً مع واقعه وليس استعارة منهجية نجرها نحن على أدبنا دون حساب للزمن الداخل في التطبيق والمعايشة. ويبقى السؤال الذي يطلب منا جواباً، كيف نفهم الحداثة من خلال المطروح من آراء (حداثوية) قال بها الباحثون المعاصرون في كتاباتهم النظرية؟ هل الحداثة إهمال توصيف لمرحلة تأريخية في الفكر الغربي نسيها أو تناساها أهل الحداثة في وطننا العربي؟ أو هي حال متميزة من الإبداع لا تناسب الحرية التي تمنح للأديب شاعراً كان أم كاتباً على امتداد الأرض العربية التي ألحَّ عليها كمال أبو ديب وقرن الحداثة بها بقوله(3) (إن الشعارات السياسية السطحية التي تعلن الحرية والديمقراطية مثلاً قيمتين أساسيتين في منهج عمل سياسي لسلطة ما أو لحركة ما لا بدَّ أن تظل بالضرورة فارغة من مداليلها الحقيقية؛ لا لأن السلطة أو الحركة سيئة النية أو لأن الظروف لم تحن بعد أو.. أو.. بل لسبب جوهري آخر: هو أن العلاقات الأساسية في بنية الوجود العربي لم تتبدل بعد، ولأن السلطة أو الحركة لم تعِ بعد هذه الحقيقة، ولم تطرح منهجاً ناضجاً قادراً على تحويل علاقات النفي السلبي بين أطراف الثنائيات (الأنا/ الآخر؛ الداخل/ الخارج؛ التحت/ الفوق؛ الواحد/ المتعدد) إلى علاقات نفي إيجابي، أي إلى علاقات إغناء وإخصاب وتكامل وتناغم)؟ أو هي حداثة الرؤيا والصياغة الفنية والقيمة المضادة من خلال رؤية فلسفية مؤطرة بثوب غربي كما يراها المغاربة؟ أو هي بحث لـه جذور في تأريخنا الأدبي في الصراع بين القدماء والمحدثين دليلنا إلى ذلك الإمام عبد القاهر الجرجاني وكتابه (دلائل الإعجاز) الذي كثر الحديث عنه منذ أن أثار الناقد الإنكليزي (آ. آ. ريتشاردز) قضية (معنى المعنى) ثم مجيء البنيويين من بعده ليكون كتابه دليل عمل على صحة مزاعمهم ومرجعاً أصولياً لحداثة يرون أنها هي الحق ولاحق في غيرها؟ وبالتالي فإن السؤال عن تأريخ الحداثة في أدبنا المعاصر يظل قائماً وسط هذا الموج المتلاطم من الآراء. قد تكون الحداثة في واحد من تلك الآراء التي يطرحها المعاصرون، وقد تكون فيها جميعاً لأنها الثوب الفضفاض الذي يستر المنادين بها، ولكن يبقى هناك احتمال واحد هو إذا لم تكن في أيٍّ من هذه الآراء حداثتنا، فماذا يكون عليه موقفنا ونحن نناقش قضية اسمها (الحداثة)؟!. من المعاصرين الذين نقف عند آرائهم أستاذنا الدكتور إبراهيم السامرائي الذي كتب في الحداثة الشعرية متناولاً إياها من خلال لغة أهل الحداثة في كتابه الأخير قبل رحيله عنا ـ رحمه ا لله ـ والكتاب هو "البنية اللغوية في الشعر العربي المعاصر"(4) وهو يشكل مع كتابه "لغة الشعر بين جيلين" نهجاً في دراسة شعرائنا العراقيين والعرب في القرن العشرين دراسة نقدية لهم من منظور الحداثة. يرى د. إبراهيم السامرائي أن الحداثة التي كثر الحديث عنها في أدبنا المعاصر لم تكن فتحاً جديداً بل هي ما سبق إليه بحداثات فقال(5) (لقد كانت لنا حداثات في تأريخنا الأدبي طوال العصور، وليس لي إلاَّ أن أعدَّ الجديد في الشعر العربي في عصر المسلمين الأوائل لوناً من حداثة خرجت إلى شيء من المألوف في شعر شعراء ما قبل الإسلام)، وهذا يعني أن الحداثة هي كل جديد صاحب تطور أدبنا منذ بداياته حتى العصر الحديث. وهذا التجديد الحداثي لا بد أن يرافق فيه الشكل المضمون فيقول (ومن هنا كانت المضامين جديدة، ومن الطبيعي أن يكون لهذه المضامين الجديدة شكل جديد) ولذا تراه يريد أن يصل إلى تطور العربية التي أريد لها أن توصم بالجمود فقال (وهذا الشكل تدخل فيه الألفاظ الإسلامية، وهذه إن دلت على شيء فإنما هو أنَّ العربية جرت في طريق التطور). وقد يكون ذلك التطور قطعاً مع الموروث كما حدث في العصر العباسي، ولكن أستاذنا يرى أنه حداثة فيقول (ولو أنك نظرت إلى شعر أبي نواس غير مأخوذ بالنمط المدرسي الذي درجت عليه، وجدت أنه قطع بينه وبين الموروث القديم)، وهو يريد أن يصل إلى حكم يراه فيقول(6) (ومن هنا أدرك النقاد أن العصر جديد، وأن الشعراء أهل حداثة)، ولا يعني كل جديد تطور إلى أمام أو حداثة بل قد يكون العود إلى الموروث أفضل منه، فيضرب مثلاً بـ (فن البند) (وهو تركيبة من أوزان عربية قائمة على نظام من قوافٍ تتكرر في حساب) فيقول (على أن العدول عن هذه الصنعة الجديدة والعود إلى الموروث المعروف لا يمكن أن يُعدّ انتكاسة إلى الوراء، بسبب أن الشعر في أوائل هذا القرن استجاب إلى العصر، فكانت مفاهيم العصر ورموز الحضارة الجديدة من مواده) وتتداخل في رأي د. إبراهيم السامرائي المذاهب الأدبية والحداثة في الوقت نفسه فنلاحظ قوله(7) (وقد تقول إن شعر محمود سامي البارودي وإسماعيل صبري وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم في مصر، وشعر الأخطل الصغير وبدوي الجبل وغيرهم في بلاد الشام، والزهاوي والرصافي والجواهري وغيرهم في العراق، كل أولئك قد عبَّروا عن هذا النمط الجديد الذي دعاه غير واحد من النقاد نمط "الكلاسيكية الجديدة") وهذا يخضع إلى القاعدة التي استنها الأستاذ نفسه من أن كل جديد هو حداثة. فإن سألنا أستاذنا عن بداية حداثتنا المعاصرة فإنه يرجعها إلى المؤثرات الأجنبية التي استجاب لها أدباء المهجر فيقول (وكان من هؤلاء جبران خليل جبران وميخائيل نعيمه وإيليا أبي ماضي وغيرهم ممن تفسحوا في ربوع الأمريكيتين فنشروا كتباً ونشروا مجلات وصحفاً، وكان لهم أدب مهجري بإشاراته ورموزه)، ولم يكن القادم الجديد قد رغب فيه الجميع بل انقسم الجمع إلى قسمين: معجب به ومنكر لـه (لقد أعجب به طائفة هنا وهناك ولا سيما في العراق، وقد نفر منه آخرون ولا سيما في مصر وغيرها وكان من جملة ذلك أن نهض بيننا من بدا لـه أن يقلدهم فكان هذا بداية الحداثة الجديدة) ثمَّ يحدد تأريخاً لهذه البداية فيقول (وأنا في هذا أجد أن الثلاثينات من هذا القرن شهدت تيار الحداثة الجديدة). وكان من نتائج هذه الحداثة أن (قلدناهم فكان لنا شعر جديد تحررنا فيه من التزام القافية، وابتعدنا قليلاً عن الأوزان المعروفة، بل قل تصرفنا في الموروث من الأوزان)، وهو في هذا يشير إلى التجديد في الشعر الحديث الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية وكانت الرّيادة فيه إلى ثلاثة من الشعراء العراقيين: بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي. حيث كتبوا قصيدة التفعيلة التي اتسمت بأنها (لم تترك للموزون المقفى مكاناً... فلم يكن للشاعر الجديد من الوزن أو الإيقاع إلا بقية وظلال لا تثبت لـه في القطعة التي يكتبها)(8). فكانت التداعيات في القصيدة فيقول: (إنَّ عمل هؤلاء الشعراء ومعهم النقاد في مجلة "المجلة" ومجلة "شعر" قد تناول نقد الشكل العروضي القديم والتزام القافية، بل هدمهما وألغاهما ووصل الأمر إلى "قصيدة النثر")(9) ولذا يطرح سؤالاً عن (مدى أثر التحويل من وزن البيت القديم إلى "إيقاعات" عدة تنتظم أسطاراً بل أشطاراً تختلف في أطوالها ومساحتها في خلق جديد يمكن أن يكون إصلاحاً وتطوراً؟!) ويردفه بسؤال آخر يقول (ماذا عن لغة هذا الجديد الذي آل إلى نثر دُعي قصيدة ادُّعيَ فيها أنها تشتمل على عناصر جمالية تميز فن الشعر..؟!) ثم يصدر حكمه فيقول: (إن حداثة هؤلاء عمل حيك على منوال جماعة غربيين هم أصل الإيحاء، وإن أصحابنا الذين لم يوحِ إليهم مقلدون، شعروا بإلغاء هويتهم طواعية واختياراً بفعل هذا البريق الغربي الذي خطف أبصارهم)(10)، ويصل إلى نتائج صنعها أهل الحداثة من خلال نماذجهم الشعرية تتمثل في(11): أولاً/ غياب الأصل، و(الأصل هو اللغة الشاعرة القادرة على رفد الشعراء الجدد بالمضامين التي يريدونها كما يدعون وكما تملي عليهم حياتهم الجديدة). ثانياً/ وغياب الأصل في هذه الحداثة قد (عبّروا عنه في مسألة الغموض في الشعر الحديث). ثالثاً/ إن نماذج الحداثة قد ابتعدت (كثيراً عن حدود المألوف من الأعاريض العربية؛ ثم أنها لزمت معجماً يسيراً من الغطاء اللغوي الذي لا يخرج عما يسود في الصحف مما تلوكه الألسن أو من منثور الكلام دعي تجاوزاً قصيدة النثر). رابعاً/ (إن شعراء الحداثة تركوا جانب المعنى للناقد والقارئ يلمحانه لمحاً، وقد يضل البصر أو تضلّ البصيرة، وبدا كأنهم اهتموا على استحياء باللفظ ونظمه على هيئة مخصوصة تومئ إلى الإيقاع). خامساً/ (إن العبث في الشكل القديم بما وصلت إليه القصيدة أدى إلى ضياع الوزن وفصم عرى أوصال الكلام، فأنت ترى الكلمة قد قطعت عمَّا يأتي بعدها من أجل أن يكون هذا القطع استواء لنظم جديد). وإذا كان الدكتور إبراهيم السامرائي لا يخفي ميله إلى الشعر العربي القديم فإنه لا يقف عنده شكلاً ولهذا تراه يقول(12): (قد ينصرف ذهن القارئ إلى أني أتعصب للموزون المقفى على حساب كل جديد، وإني لأعترف أن حشداً كبيراً من هذا الموزون المقفى، ولا سيما ما كان منه في العصور المتأخرة، ليس فيه إلا عناء أصحابه في رصف الكلم في الأوزان المعروفة مع التزام قافية واحدة، ومن هنا يكون النظم المفيد ـ وأعني به المنظومات التعليمية ـ خيراً منه) ويذكر سبباً لهذا الرأي فيقول: (إن الكثير من شعر العصور المتأخرة انصب فيه جهد الشعراء على المحسنات البديعية التي لا تخدم فناً ولا تأتي بأغراض فنية يستعان على توفيرها بأداء حسن، ومن هنا، لم يكن الشكل الذي يكون فيه الأدب معياراً لجودته فكما يكون الحسن في الموزون المقفى يكون مثله في كل شكل جديد، ألم تكن الموشحات وما استحدث من فنون أدباً أصيلاً؟ وهذا يعني أن صاحب الفن الأصيل يجيد في كل شكل يختاره). ـ 2 ـ لقد انصب جهد الدكتور إبراهيم السامرائي وهو يدرس شعر الحداثة على لغة هذا الشعر وقدرة الشعراء على تمثل تراث لغتهم، حيث يكون هذا التراث المنبع الثرّ الذي يستقون منه مفردات هذه اللغة إن كتبوا القصيدة الحديثة ولذا تراه يقدم رأياً قاطعاً فيه فيقول(13): (إن المادة اللغوية في هذا النهج الجديد على طرف الثمام (الضعيف) من القارئ وإن كان من غير المتأدبين في عصرنا، ذلك أن جلها من الواضح المشهور الذي نراه في الصحف والمجلات) ويعتمد نماذج لشعراء قصيدة التفعيلة، وهو بهذا الاعتماد يريد مادتها اللغوية وبالتالي (كم تؤلف هذه من مادة العجم، وأين مكانها في خضم العربية؟) فيقول (ثم أشير في الوقت نفسه إلى دلالاتها ومقدار الوفاء لهذه الدلالة)، مع قناعته المسبقة أن (الدلالة غائمة ولن تكون مفتاحاً و(بالتالي) فإن القارئ لا يدرك من جملة القطعة ما يريده صاحبها)، ومن شواهده قول أحدهم(14): (بيت مَن في الجناح المداهم بالريح/ في الورق المتساقط عن سروة/ في ثياب البنات التي بدأت تتقاصر؟ في منزل السهروردي؟/ في نظرة الحيوان الجريح؟/ بيت مَن في ضلوع الصبي المشاكس؟/ بيتُ من في يدي؟). فقال الأستاذ (ورد في هذا المقطع عدد من الاستفهامات التي لا تصل إلى هويتها، فالقائل يسأل عن صاحب بيت أشار إلى أنه في "الجناح المداهم للريح"!!) ثم يتمنى فيقول: (ليتني اهتديت إلى هذا السهروردي ومنزله"!!) ثم يسأل (وما علاقة هذا المنزل وصاحبه السهروردي بالقول اللاحق: "في نظرة الحيوان الجريح"!! أهذا هو استفهام جديد أم هو تقرير؟). ولا يختلف النص المستشهد عن غيره فيعلق على تتابع الأشطر قائلاً(15): (كيف لي أن أدرك الصلة بين ما هو في السطر السادس وهذا الذي في السطر السابع.. ثمَّ يأتي السطر الثامن فالتاسع وأنت لا تدري كيف تنتقل من سطر إلى آخر، أمتاهة هذا أم أدب جديد هو أدب الحداثة؟) وهو يقرأ في قصيدة "الأوراق" (الورقة/ في السطح، تمر بها الريح/ الورقة/ في السطح الصيفي تلوذ بظل الحائط/ والورقة/ كيس التغليف المفتوح/ بين الحائط والظل وصمت الورقة؟/ طفل خارج أسوار البيت/ وحيطان السطح/ تطارد عيناه الورقة) يعلق قائلاً(16): (إن جملة هذا الكلم من الأفعال والأسماء الذي يؤلف هذه السطور الشعرية وفيها أسطر قوامها كلمة واحدة مثل الورقة والخيط هي هذه اللغة التي يراد لها أن تكون شعرية فكيف يتم ذلك؟ ثم إنها كلمات لا تأخذ من معجم العربية إلا حاشية ضئيلة، وبذلك يستغني هذا الأدب الجديد عن ثراء العربية). فإذا ترك النص وتناول الشاعر فإنه يقول عن لغته: (والسياب جريء في ألفاظه فقد يصوغ اللفظة ويقذف بها ويترك صاحبه القارئ يقتنص معناها مما يقدر عليه، ألا تراه صنع "غَمّازة" وأكثر من استعمالها لغرض فيه شبه الحفرة في خدّ الفتاة الحسناء، وكأنه أعجب بها في واحدة بعينها، والقريبون منه كانوا يعرفون تلك الفتاة. وليست الغمازة هذه مما تقف عليها في مادة (غمز) وهي شيء يلمح في عامية أهل العراق على قلة)(17) ولا تبتعد لغة نزار قباني عن متناول يده النقدية، فيقول: (إن القباني من أجرأ أصحاب الجديد في تخيّر لغته، ذلك أن لـه معجماً خاصاً لم يعفُّ فيه عن الكلمة العامية الدارجة ولا العبارة العامية، ألا ترى أنه أول من سمح للفستان ونفاضة السكائر والملابس التحتانية والقفاز ومساحيق التجميل وقنينة العطر وغير ذلك أن تدخل بين كلماته، وإن لم يومئ أحياناً فيوّري عن الكلمات العوراء بما يؤدي إليها بل تجدها مسفرة واضحة)(18). ولا تعني اللغة مقياساً في رأي الدكتور إبراهيم السامرائي ليحاسب عليها شعراء الحداثة فقد يبدع هذا الشاعر فيقول معلقاً على نص شعري لعبد العزيز المقالح: "ذئاب نحن فوق جبالنا المشدودة القامةْ نصيد الفجر، ننسخ للضحى، لنهارنا هامهْ" (ودع عنك هذه "الجبال ذات القوام المشدود" وأرهف سمعك إلى قول الشاعر في البيت الثاني.. إني أذهب إلى إشهار استحساني لقول الشاعر "نصيد الفجر" وقوله: "ننسج للضحى، لنهارنا هامه".. وأنا أنظر هذه الفطنة الجديدة، لأشهد أن الآخر قد جوّد، وأن البراعة تتاح في كل عصر لذوي الفطنة وقليل ما هم)(19)، وسر استحسانه إبداع الشاعر لمجازات جديدة التي تدلل على تطور الدلالة في استعمال الألفاظ والتوسع في المعنى فيؤكد أن (في العربية، وسعتها تفتح لذوي الفن الأصيل والوعي بمسيرة العربية أن يقولوا ما لم تقله العرب "للشمس جبين")(20). دون أن يتنازل عمَّا اشترطه من شعر موزون مقفى إن حاول الشاعر أن يكتب شعراً فيقول(21): (إن الموزون المقفى قد أدى الغرض، ولم يقف النغم ولا القافية عائقاً عن إدراك القيم الفنية، لقد كان لـه ـ يقصد الشاعر عبد العزيز المقالح ـ أن تصرف بما حفلت به العربية من أساليب النداء والاستفهام وغيرها في تحقيق القيمة الفنية) وهو بهذا الرأي يريد أن يصل إلى التنبيه على أن شعراء الحداثة لم يلتفتوا إلى ما في هذه اللغة من قدرات كامنة على الإبداع فيقول: (لقد غاب الكثير من هذا لدى شعراء الحداثة، فلم يدركوا الفن الأصيل فيما هو داخل في كتب علم المعاني من علوم البلاغة القديمة) ولذا لم يقتنع بالشاعر إن لم يلتزم إرثه الأدبي فيقول(22): (لقد كانت نازك الملائكة ترمي إلى التجديد معتمدة الموروث القديم أساساً لا يمكن تجاوزه أو نسيانه، في حين كان السياب يرمي إلى قطع ما أقدم عليه من الموروث القديم) أما البياتي فلم يرَ فيه د. إبراهيم السامرائي إلا عازفاً عن أساليب اللغة فيقول(23): (لقد عزف البياتي كما عزف أصحابه عن أساليب العربية في الاستفهام والنفي والطلب، وقد كانت هذه الأساليب وسائل فنية يفيد منها المعربون في تقرير أمر أو نفيه). وإذا وجه د. إبراهيم السامرائي لومه لجيل الرّواد من الشعراء المجددين من أهل الحداثة فكيف يكون موقفه من أجيال العقود اللاحقة خلال النصف الثاني من القرن العشرين؟ ولذا تراه يسلّم بالأمر الواقع فيقول: (إن الجديد صار حقيقة وليس للنقاد الملتزمين بالأصول والثوابت أن يرفضوا هذا الوليد الجديد، فهو شرع وحلال لا نملك إلا أن نضمه إلى هذه البيئة العربية). ـ 3 ـ بقيت قضيتان يلفت د. إبراهيم السامرائي القارئ إليهما، وهما: التلقي والأصالة. عرض لهما في موضوعات كتابه ولا بدَّ لنا من وقفة عند كل واحدة منهما. الأولى/ التلقي وهو واسطة الباعث (المرسل شاعراً أو كاتباً) إلى المرسل إليه (المتلقي) وقد أناطت به الحداثة دوراً مهماً من خلال ما دعت إليه البنيوية وبالغت في هذا الدور بعد إعلانها عن موت المؤلف فكيف نظر د. إبراهيم السامرائي إلى التلقي؟ لقد نظر إليه من خلال (قلب الدلالة) و(استعمال الرمز): آـ قلب الدلالة: تعرف الدلالة بأنها (كون الشيء بحالة يلزم من العلم به بشيء آخر. والشيء الأول هو الدال والثاني هو المدلول) كما يعرفها الشريف الجرجاني(25) وينسحب ذلك على النص حيث تكون (دلالة اللفظ على المعنى محصورة في عبارة النص... ووجه ضبطه أن الحكم المستفاد من النظم... أن يكون ثابتاً بالنظم نفسه أولاً. والأول إن كان النظم مسوقاً لـه فهو العبارة وإلا فإشارة. والثاني إن كان الحكم مفهوماً من اللفظ لغة فهو الدلالة) ويطبق هذه الدلالة على لغة أهل الحداثة فيقول(26): (وقد تجد الخطأ في دلالة الكلمة بسبب شيوع هذا الخطأ في اللغة المحكية، ومن هذا استعمالهم "العائلة" ويريدون (الأسرة) وقد نجد بين أصحاب الكلمة من يقول: حدث "سجال" سياسي، ويريدون "الجدال" أو "الحوار" وأين هذا من ذاك؟!) ويذكر نوعاً آخر من قلب الدلالة، وهو النوع المعدول عن جهته فيقول(27): (وقد تجد الكلمة معدولة عن جهتها، فأنت ممتحن بينهم بما تسمعه وتقرؤه من نحو قولهم: بصورة "مسبقة" واستعمالهم: "أهاج" و"أزاد" والفصيح "هاج" و"زاد"). وقد تقلب الدلالة عن سوء فهم ناتج من الترجمة من اللغات الأخرى إلى العربية فيقول د. إبراهيم السامرائي "وقد تجد الأساليب الأعجمية قد نقلت إلى العربية على وجه الخطأ، فيقال: "عاش المأساة" والفعل "عاش" قاصر لا يتعدى). ويضرب مثلاً في قول أدونيس: (وكأنَّ النهار/ حجر يثقب الحياة/ وكأن النهار/ عربات من الدمع/ غيَّر رنينكَ يا صوت/ أسمع صوت الفرات) عندما تقلب الدلالة من خلال تجاوز خلق المجاز فيقول(28): (انظر في الصورة وهي حجر يثقب الحياة ولا أقول في المجاز، فالصورة من الكلم الجديد النقدي، تجدها سطرين جُسّد فيها الزمن بتجريده حجراً يثقب الحياة وكيف يكون الثقب في الحياة؟) ثم يسأل قائلاً: (أمن الفن والأدب أن نزحزح الكلم عن حرمه فنجعل "النهار عربات من الدمع"!) ولا يجد عزاً إلا اللوم فيقول (لا، ليس لنا ذلك، ولكن فتنة المعاصرة لحقتنا فأوجزنا لأنفسنا أن نقول أو نفعل ما لا نعتقده ونراه). فإن قيل إنها مجازات جديدة يكون جوابه (ليس هذا مجازاً بل إنه سفر في التيه)(29) وقد سبق إليها أبو تمام وغيره في العصر العباسي، فإنه يقول: (إن التحول المنسوب إلى أبي تمام وبشار وأبي نواس يجب ألا ينظر إليه مسابقة يعتمد عليها أصحاب الحداثة، ذلك أن الذي أخذه النقاد القدماء على هؤلاء الثلاثة يدخل في تجديد طائفة من الاستعمالات تتصل بما هو مجاز لم يسمع في الشعر القديم)(30). وتكون محصلة مجازاتهم الجديدة إغماضاً يخيم على النص وهذا ما يذهب إليه بقوله(31): (ولعلهم أدركوا هذا وأدركوا أن لا طاقة لهم بمعالجته فاتجهوا إلى "الإغماض" وكان من ذلك أنك تقرأ فلا تخرج من قراءتك بشيء، وأن جمهرة القرّاء غير متفقين على ما يكون لهم من قراءتهم) ويشكل صنيعهم هذا عثرة في مسألة التلقي، وهذا الصنيع ناتج من (أنَّ جلَّ هؤلاء لم يشقوا بصحبة الكلمة، ولم يعانوا مسألة كون المادة اللغوية وثيقة الصلة بنفوس أصحابها، لأنها تفصح عنهم) وبالتالي فإنه يُحمّل نقاد الأدب ودارسيه المسؤولية فيقول(32): (فهم لا يسعون إلى كلمة قد يفيد منها الشاعر الجديد، بل إنهم يباركون مسعاهم ويحمدون طريقتهم فانتهى الأمر إلى ما لا نحمده). ب ـ استعمال الرمز: ـ نبَّه د. إبراهيم السامرائي على أن الشعراء أكثروا في الاعتماد على الرمز ثم الأسطورة (يستعينون بذلك للوصول إلى ما يريدون فيعربون عنه صراحة، أو يومئون إليه تلميحاً، أو يغمضون عن قصد فيتركون القارئ في ضرب من متاهة مظلمة)(33) وهذا الاستعمال لا يؤدي أكُله إلا إذا اطمأن الشاعر إلى أن المتلقي قادر على فهم رموزه أو الأسطورة التي وظّفها في قصيدة وإلا يصبح فعل الشاعر متاهة في التلقي ولهذا شدد الأستاذ على أن يكون الرمز أو الأسطورة ضمن دائرة معارف المتلقي فيقول(34): (إذا كان هذا الرمز يومئ إلى فوائد هرع إليها هؤلاء، فلم كان هذا الرمز غريباً عنا لا يعرفه إلا الخاصة التي قرأته في المصادر ولم تحس بشيء من أثر لـه في حياتها التي تحياها؟ وإذا كان الشعراء الغربيون وأخص منهم ت. س. إيليوت قد سلك هذا السبيل فإنه قد ألف هذا منذ طفولته، سمعه في حكايا الطفولة في البيت والمدرسة وإذا كان هذا شيئاً ألفه الغربيون وعرفوه أيكون لنا أن نتشبث بشيء لا نعرفه ولا ندركه) وتكون النتيجة عثرة أخرى في قضية التلقي ولذا يحذر من هذا الدرك فيقول: (وكأن العربية خلت من الرمز، ولو أن هؤلاء أدركوا من سيرة الكلمة العربية لوقفوا منها على إيماءات رمزية تفي بحاجتهم، فلا يهبطون إلى المباشرة كما زعموا ولا صابوا الغموض الذي تمسكوا به) منبهاً على أن السياب كان وراء ذلك فيقول(35): (لقد فتح هذا الباب السياب فسنَّ سنة غير حميدة لمن خلفه، فقد جاء بشيء من الأسطورة الإغريقية كأسطورة سيزيف وبروميثيوس وغيرهما على طريقة التقليد والمحاكاة، ولم يلتفت إلى ما كان لدى العرب الأقدمين في هذا الخصوص ولا إلى ما كان لدى الأمم القديمة من الساميين وغيرهم كالبابليين والآشوريين والكنعانيين والسومريين والمصريين، ولا إلى ما اشتهر لدى الصينيين والهنود مثلاً) وهذا يدلل على فقر ثقافة أهل الحداثة بتراث أمتهم أو تراث أهل الشرق عامة. الثانية/ الأصالة، لما كان شعر الحداثة ناتجاً من مؤثرات غربية فإنَّ هناك قطعاً بين التراث وهذه الحداثة ولذا تراه يقول(36): (لقد أشار نفر من هؤلاء إلى حقيقة هوية هذا الشعر الجديد وانسلاخه عن كل ما هو موروث فيما باشروا فيه من قصيدة النثر وهي نوع شعري مختلف عن القصيدة المحررة من الوزن والقافية من حيث تصورها الشعري أو بنيتها اللغوية والصوتية) ويبني على هذا الرأي حكماً نقدياً يقول فيه(37): (وإذا كانت الصلة بين هذا الوليد الجديد وبين أدبنا القديم ضعيفة، فليس لك أنْ تقف فيها على العناصر الجمالية القديمة التي تتصل بالأبنية التي كانت توفّر الجمال صياغة في الكلمة وحسن تركيب في فنون القول) ولذا فهو لا يطمئن إلى لغة هؤلاء أو البناء الشعري لقصائدهم وإن حاولوا أن يرجعوا ما نادت به البنيوية من انزياح أو تناص أو موت للمؤلف إلى أصول تراثية وجدت في الإمام عبد القاهر الجرجاني ونظريته في النظم مسنداً يتمددون عليه في بحثهم عن الأصول لحداثتهم فيقول(38): (وليس النظم لدى عبد القاهر في هذا الكتاب "دلائل الإعجاز" ما يحسبه الأفاقون الذين لحقوا إتباعاً بـ "جومسكي" العالم الأمريكي فظنوا أن "النحو التحويلي" الذي قال به هذا العالم هو النظم لدى عبد القاهر، فراحوا يُكبرون ويعظمون هذا الجرجاني العظيم لأنه وافق شيئاً من علم العالم الأمريكي) ويقف سائلاً بتعجب (أين نحن من جادة العقل والصواب)؟! ولم تكن البنيوية التي كثر الحديث عنها عند أهل الحداثة وأصبحت إنجيلاً معاصراً لهؤلاء إلا صحية من مذاهب الغربيين فيقول(39): (وهو المذهب الذي فقد بريقه في الغرب بل أوشك أن يزول، وعاد نفر آخر إلى بدعة (التفكيكية) و(الحداثة) ونحن العرب نستقبل كل صيحة في الغرب ولو أطلقها من يُشكّ في فهمه وعقله على أنها فتح من الفتح) وتكون بشارة الحداثة عند أدونيس ورسالته في الثابت المتحول حيث يستشهد بنص كتبه أستاذ أدونيس في مقدمة رسالته فيقول(40): (على الإنسان العربي أن يميت تراث الماضي في صورة الأب لكي يستعيده في صورة الابن حينئذ دون أن يخرج على دينه سيخلق تراثاً جديداً وحضارة جديدة يكوّنان تراث الحرية وحضارتها) فيعلق د. إبراهيم السامرائي على هذا الرأي قائلاً: (كأن أدونيس وجد شيئاً لدى أستاذه الأب بولس نويا اليسوعي ينحو فيه نحو الهدم للتراث، فصادف هذا هوىً لدى الطالب فانطلق يفوق أستاذه في هذا الميل إلى الهدم للثابت والإسراع نحو المتغيّر الجديد). ـ 4 ـ وعلى ضوء ما قدمه أستاذنا من رأي في الحداثة الشعرية قد التقي وإياه في بعضها ولكني قد أختلف مع أستاذي ـ رحمه الله ـ فأنا أتفق معه أن الحداثة المعاصرة صناعة غربية تمَّ استيرادها من أوربا وأمريكا دون حاجة حقيقية تتناسب مع تطور أدبنا العربي الحديث، فكانت الصناعة جاهزة ما سهل ترويجها، ولكي يكتب لها الانتشار أخذ البحث عن الأصول لها فكان الجرجاني (عبد القاهر) ونظريته في النظم خير معطف يقي أهل الحداثة من الدارسين من الفضيحة، ولكني أختلف معه في بداية تأريخ الحداثة المعاصرة وأرجعها إلى منتصف القرن التاسع عشر حيث مهدت لها حملة نابليون على مصر وبعثات المصريين إلى أوروبا أيام محمد علي ودعوة محمود سامي البارودي فضلاً عن تجديدات جماعة الديوان وأبولو من بعدهم وما قدمه شعراء المهجر. إن مفهوم الحداثة لا يعني التجديد الذي ظهر بعد الإسلام حتى زمننا الحاضر وهو ما أراه تداخلاً لن يكون من السهل فكّ اشتباكه لأن مصطلح الحداثة معاصر والحال تختلف مع التجديد الذي يظهر على امتداد الساحة الأدبية ناهيك من أن هذه التجديدات كانت جزئية لم تتأثر بمؤثرات أجنبية وإنما فرضتها الحضارة من الداخل وبالتحديد مجالس اللهو والطرب أو دواوين الخلفاء حيث قصائد المديح لهم مخالفة لبعضهم في المجيء بصورة لم يسبق لها وكان المجاز اللغوي والبديع البلاغي من علامات ذلك مع قناعتي باختلاف الأجيال حيث الصراع بين القدماء والمحدثين. ولذا لا أجد علاقة بين صراعات الأمس الأدبية وحداثتنا المعاصرة لاختلاف الزمان والمكان وضغط المؤثرات. وبالرغم من تسليم أستاذنا بهذا الجديد فإن قيد (الموزون المقفى) قد يكون ثقيلاً إن حاولنا (نحن) أن نقيد به شعراء الحداثة ونقول لهم إن أي شكل يكتب فيه الشعر ما دام أصيلاً فهو شعر، تكون بهذا الصنيع قد أدخلنا أنفسنا في دائرة التضاد، لأن الموزون المقفى يعني اشتراطات المرزوقي فيما سُمي بعمود الشعر العربي وبالتالي فإن القافية وبحور الخليل تشكل ثقلاً لا يتناسب رفعه مع مسار الشعراء المعاصرين لأن التجديد الذي مثله الرّواد قبل خمسين سنة قد تجاوز هذا القيد وتصبح المطالبة به نوعاً من العبث وسط المطبوع والمنشور من شعر الحداثة ولا يعني قولي أن يترك الشعر دونهما (القافية والوزن)، ولنا في شعر التفعيلة مثال، أما قصيدة النثر فأنا لا أختلف مع أستاذي فيها من حيث النشأة أو كونها تهديم لشعرنا الحديث. وتبقى مطالبة شعراء الحداثة الالتزام بالجذور التراثية أمراً لا اختلاف عليه ذلك أن اللغة مادة الشعر، ولا شعر دون لغة فإن التزم الشاعر لغة قومه فقد فكر بشكل سليم بقوله وكانت دلالات ألفاظه مطابقة لمعاني القول نفسه ولا يتم ذلك دون قراءات في شعر القدماء من العرب لأن العلم بالشيء كما يرى شيوخنا يعتمد (الدراية والرواية)، فإن تركنا التراث وصنعنا أدباً دونه فإنه لن يكون إلا إغماضاً كما يراه أستاذنا وهو يسأل في الفصل الأول من كتابه: "إلى أين مع الحداثة؟".
|
|||||
|
|
|
رقم المشاركة : 2 | |||||
|
هوامش الدراسة ومصادرها:
|
|||||
|
|
|
رقم المشاركة : 3 | |||||
|
بحث مهم برأيي
|
|||||
|
![]() |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| مقدمة كتاب شعرية الحداثة/ عبد العزيز ابراهيم | إباء اسماعيل | منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول | 1 | 26-04-2007 11:11 PM |
| قراءة في كتاب..روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية | نايف ذوابه | منتدى الحوار الفكري العام | 1 | 06-05-2006 07:16 AM |
| ثالث اثنين الميكانو و فلسفة ؟! | سرمد السرمدي | منتدى القصة القصيرة | 0 | 13-02-2006 11:06 PM |
| نحو السهل الممتنع في فلسفة الفعل ! | سرمد السرمدي | منتدى القصة القصيرة | 0 | 13-02-2006 10:57 PM |