تمثل الملاحم و القصص الرافدينية ادب و ثقافة الانسان العراقي القديم حيث يمتزج فيها الشعر مع الاسطورة و الحقائق الموجودة على الارض و التي يؤمن بها معبراً عن معتقداته و تصوراته للكون والحياة. و تشكل هذه الملاحم الاسطورية المضمون الفكري للانسان المتحضر الاول الذي عرف الكتابة منذ الالف الرابع قبل الميلاد.
وعليه فان النتاج الادبي الرافديني كان مزيجاً من الاساطير و الالهة ونوع الحياة المرتبطة بتاثير القوى الروحية و الغيبية أي قوى وتاثير الالهة في ابطال و شخوص الملاحم و الروايات و القصص التي كانت في معظمها تؤلف على شكل قصائد شعرية متتابعة يضمها بطل او ابطال في سلسلة من الحوادث و المغامرات او الاعمال الخارقة حتى تنتهي بما هدف اليه المؤلف او المؤلفون الذين كتبوا الملحمة او القصيدة.
كانت الطبيعة بالنسبة للانسان القديم مليئة بالاسرار و القوى الخرافية التي تهدد حياته و لذلك نرى ابطال الملاحم و كلما اقتربت مشاعرهم و احاسيسهم من الانسان كلما كانت الملحمة اكثر متعة و عمقاً و خاصة في صراعه الدائم مع الطبيعة القاسية و القوى الاسطورية التي تهدد نشاطه وتحركاته.
و يبدو ان كثيراً من موضوعات الملاحم هي حكايات شعبية اسطورية ترجع في الغالب الى حوادث مهمة في حياة الانسان العراقي القديم لكنها برؤية دينية او تمثل احياناً بطلاً هو بالاحرى الهاً يقوم بتحقيق رغبات الدولة-المدينة او المجتمع وفقاً لمفاهيم ومعارف سائدة في سومر او اكد او بابل او اشور...الخ. و هناك حدود لنشاط البطل و مغامراته لا يستطيع اجتيازها دون مساعدة الالهة و لذلك يتحتم علينا الا ننظر الى النص منفصلاً عن القوى الخفية التي تشكل في انماطها وطقوسها نتاجاً ميثولوجياً جمعياً مؤثراً في نوع المجتمع و الهته لكن هذه الانماط و الطقوس لابد من ادائها و هي بالتالي جزء من خيال الاديب او الشاعر انها اقرب الى كشف لما يدور في اللاشعور يسجله الاديب في قصصه و ملاحمه معبراً في الحقيقة عن طبيعة الانسان الرافديني و احلامه و هذا يعني ان الملاحم الرافدينية الاسطورية تختلف في البناء و الغرض عن الحكاية الخرافية التي تكون في معظمها ذات بعد واحد و ذات اسلوب تجريدي و على ذلك فان ملحمة كلكامش و معظم الملاحم الرافدينية لا تعد حكايات خرافية كما ادعى الباحث الالماني فريدرش فون ديرلاين لانه درس الملاحم كظاهرة ادبية تحكى قصص الماضي دون دراسة الافكار التي دارت بذهن كلكامش او انكيدوالتي هي بالاحرى افكار و مشاعر انسانية عميقة الجذور بالرغبات الطبيعية للبشر اما الشكل الاسطوري للملحمة فهو تابع من طبيعة المرحلة التاريخية التي سبقت الاساطير اليونانية بالف سنة و سبقت الاساطير للشعوب الاوربية في العصور الوسطى بالفي سنة و التي استند الباحث في دراسته اليها.
سبق وان تناول الباحث ملحمة آدابا ( الزمان / العدد 1842) وملحمة اينوماايليش (العدد 1889) و ملحمة كلكامش (العدد 2096) و يختار الكاتب اليوم ملحمة لم يكتب عنها الا نادراً وهي ملحمة (نينورتا المنتصر).
يبدو ان فكرة الملحمة تعود الى مرحلة تسبق انشاء دويلات المدن أي قبل اقامة المملكة الاكدية التي اجتازت الجبال و الانهار بجنودها حتى وحدت العراق القديم وتقدمت غرباً نحو شمال كنعان ولعل الناس في مدينة لكش كانوا يخشون الذهاب الى الجبال الواقعة في شرق البلاد وفي شمالها الشرقي بل كانوا يخافون من اجتيازها،وكانوا يعرفون ان فيها الحجارة و المرمر التي تعد اسساً في العمارة افضل من الطابوق المفخور بالاضافة الى اعتقادهم ان الجبال تضم عروقاً للاحجار الكريمة فصاروا يصنفونها باشكالها و انواعها كما سنرى في متن الملحمة على ذلك استنجداهالي لكش بالاله نينورتا الذي يبدو انه كان الههم المفضل و نينورتا ابن الاله الاعظم انليل سيد الالهة و توسلوا اليه ان يهاجم الجبال و يقضي على الرجال الاحجار الذين يحرسون تلك الجبال حسب اعتقادهم ورجوه ان يقضي على الاله المتمرد ( اساكو) الذي يعتقدون انه يمنع دخولهم الى تلك الجبال و الاله (اسالكو asakku) هو على شكل وحش عملاق كانت قد ولدته الارض حين اخصبتها السماء وحين ولادته تم اتحاده مع الجبل ولذلك فان اتباعه شخوص خرافية مؤلفة من الصخور.
يعود تاليف الملحمة الى المرحلة المعاصرة للملك كوديا ملك لكش الا ان كتابة النصوص لملحمة نينورتا المنتصر تعود الى الثلث الاول من الالف الثاني لما قبل الميلاد أي حوالي سنة (1700 ق.م) ان الاجزاء المكتشفة من رقم الملحمة والتي تبلغ ثلثي عدد الرقم لمحتويات الملحمة تعود الى العصر البابلي الاول ,وهي تحمل نصوصا سومرية اما الثلث الباقي من الرقم الطينية فهي ترجمات اكدية عن السومرية لغة الملحمة الاصلية ويذكر الباحث قاسم الشواف ان شهرة نينورتا وشعبيتة جعلت القصائد والحكايات الشعبية تتوالى في مدحة و تمجيدة حتى المرحلة السلوفية