يا بسام
إلى بسام بركات الجزائري
- 1 -
الجدران فضاءات شاسعة وبراري مفعمة برائحة الحب والزهر . - واحد … إثنان … ثلاثة … أربعة . للمرة الألف يعدّ جدران المكان حيث لا مساحة لنور عينيه أكثر من ذلك . ألقى بجسده المنهك على المصطبة التي بالكاد تتسع لطوله الفارع - سماء … سماء صافية . كان يردد وأحس بالسقف يرتفع ويعلو حتى رآه قبّة سماوية لا متناهية وراح يعدّ النجوم ، ومع كل قطرة كانت تنز من السقف كان يخيـّل إليه أن شهاباً من السماء يسقط على رأسه . أرهقه الرقص المتثاءب لقلبه الحزين وأيقظه فجأة وخز حاد في مفاصل جسده الملقى كقطعة قماش هزيلة مجعلكة . - لا بد أن أحيا . صرخ وانتفض واقفاً إلا أن رأسه اصطدم بالسقف فأحس بالسماء التي عَدّ نجومها تنهال على رأسه دفعة واحدة . كل هذا يحدث لي ؟ تسائل ويده تتحسس السائل الحار الذي انساب على رأسه وسط الظلمة الدبقة والماء المتقاطر والآلام التي ثارت فجأة أحس بالانهيار وبحجم قواه التي بدأت تخور برتابة وهدوء استلقى ثانية وأغمض عينيه ، المكان يدور أم رأسه لم يكن يعرف . - عجّـل يا بسام عينا بسام العميقتين كعيني طفل والعرق المتصبب من جبينه وشلل الأطفال الذي يعيق حركته تُمَدِدُ رؤى القلق داخل رأسه وتبصق عليه السؤال .
- بسام لن يستطيع الركض أكثر
-عَجّل يا بسام التساؤلات تتحدب في الدماغ الليـّن والركض يوقد الحاجة إلى الانعتاق والتحليق فوق هذه الأقفاص اللعينة . - عَجّل يا بسام الضوء يتقاطر والفجر يتطاول كجنازة - عَجّل يا بسام يحبو الصوت المتهالك وتحفر الجملة طقسها على لسانه وكأن اللغة كانت عاجزة إلا عنها . وبسام كان يهرول بصمت ورتابة ، لقد أرغم على ذلك إلا أن ابتسامة مفجوعة ، كانت تطرق باب شفتيه وفرح شفيف كان يداعب جسده اللاهث . - عَجّل … عَجّل فجأة توقف بسام … كانا قد اجتازا المنعطف في نهاية الزقاق الضيق المؤدي للشارع الرئيسي … كان يتأمل اللون الأحمر في الشارة الضوئية وينتظر تغيُّره .
- 2 -
وحيداً يرهقه الركض ويحس بخطى ثقيلة تتعقبه ، كان خائفاً ولم يجرؤ على النظر خلفه وفجأة اجتازه حيوان ضخم بسرعة البرق كلب كبير ، كبير جداً لم يرَ مثله في حياته وعندما اعترض سبيله تسَمّرت قدماه على أرض الشارع وأدرك أنها النهاية … لحظات فكر فيها ببسام - لن يحتمل … لن يحتمل . الكلب القى نظرة اشمئزاز وقرف . عندما رأى الكلب أحس بأن عينيه تدحرجتا أمامه في الوقت الذي راح الكلب يهز ذيله ويخرج سيجارة ، يضعها في فمه كالناس الطيبين : - معك ولعة يا أبو الشباب ينتفض مرة أخرى ، تخلعه من ثنايا الحلم الطَرَقَات الحادة والعنيفة على باب زنزانته . - الغداء … الغداء وحين مَدَّ يده بالصحن البلاستيكي ، استرق نظرة عجلى إلى سجّانه ، تدحرج قلبه بين رجليه عندما لمح في فمه سيجارة كانت تنتظر من يشعلها .