[align=center]
[align=right]نقاط على حروف رام الله وغزة؟
د. ماهر الجعبري[/align]2008/12/07
القدس العربي والدولي
يستجيب الإعلام لحالة الاستقطاب التي تشهدها الساحة الفلسطينية، والتي وصلت انعكاساتها السلبية المقيتة إلى ترتيبات فريضة الحج، فيتحدث عن قطب في غزة وآخر في رام الله، وكأن فلسطين الأرض صارت ذات قطبين مغناطيسيين، كما هي الأرض الأم. ولا غرابة في ذلك، إذ تعوّد الإعلام أن يتابع القضايا السياسية من زاوية المولاة والمعارضة، كان هذا جليا مثلا في حالة آذار لبنان بيوميه 8 و14، وهو أيضا جلي في حالة السلطة الفلسطينية بشقيها في رام الله وغزة، وهو ملاحظ في العديد من المتابعات السياسية في العالم بطرفي الحكومة والمعارضة. إذ من السهل تأطير المواقف في اتجاهين، بحيث تجمّع التفاصيل اليومية ضمنهما، وتنظر للقضايا من زاوية الحالة القطبية.
لا شك أن هذا الانجرار وراء هذا التوصيف للحالة السياسية الفلسطينية فيه تسطيح للقضية واختزال لحالة الصراع مع محتل غاشم إلى حالة تنافس بين قطبين رسمييّن، كل يشد الناس بقوته المغناطيسية نحو مصالحه، متناسيا حالة الصراع الأساسية في سبيل هذا الاستقطاب. والحقيقة أن استقطاب الناس لا يمكن أن يتحقق عمليا لأن حشر الناس واتجاهاتها ضمن مواقف لا تمثلها أمر محال، ولا بد أن تفرط قوة الاستقطاب قبل أن تنكسر الناس بين الشدّين.
بداية ليس من الصواب خلط الحركات بالحكومات، ولا مزج الأحزاب بالسلطات. فلا يصح خلط فتح بالسلطة في رام الله، ولا خلط حماس في السلطة في غزة.
وهذه المقالة لا تتعلق بأي من الحركتين لا مدحا ولا قدحا، ويجب أن يستعلي الجميع عن موضوع الصراعات الحركية والحزبية، إلا أن ذلك الاستعلاء لا يعني التغاضي عن المزالق والمهالك السياسية التي تقع فيها سلطة محسوبة على حركة. ربما تعوّد البعض أن ينظر للسلطتين من هذه الزاوية الضيقة، إلا أن الوعي السياسي والانتماء العقدي للأمة، يتطلبان أن تفرّق الناس بين الحركات والحكومات، وبين الأفراد والتيارات، لئلا يصبح الاحتشاد على موقف ضد جهة رسمية هو احتشاد شخصي يودي بالسلم الأهلي بين الناس، ويكرّس حالة الاحتدام ونزيف الدماء.
ولا شك أنه في كلا الحركتين أتباع لا ترضى عن السلطة بشقيها ولا أدائها، وإن بدا منهم غير ذلك، وقد ضمّت كلا الحركتين، رجالا شرفاء أحبوا أن يلاقوا الله وأصابعهم على زناد البنادق. فهذا ليس محل خلاف ولا نقاش، إنما الحديث هنا هو عن السلطتين الرسميتين، ولا علاقة له بالحركتين اللتين تضمان أفرادا فيهم الإخلاص، كما تضمان، في المقابل، رجالات انخرطوا في السلطتين، وصاروا جزءا من هذا الصراع السلطوي. فهل يستطيع الأتباع أن يدركوا هذا التمييز ؟ وأن يتعاطوا مع التحليل للواقع السلطوي بعيدا عن حشر التبعية الحركية في الأزقة السلطوية؟
عندما ننجح جميعا في تجسيد هذا التفريق بين الحركة والسلطة، يصبح أي جدل سياسي أو مخاصمة مع أي سلطة رسمية بلا تأثير على العلاقات مع أفراد الحركات، بل حتى مع أفراد أجهزة السلطة ذاتها.
ومع تقرير تحليل هذه الحالة، لا بد أن يستحضر المتابع قواعد الذم والمدح في حالة الأطراف المتقابلة، والذي يقضي أن مدح عمرو لا يعني ذم زيد، وبالتالي فإن ذم سلوك سياسي أو أمني في رام الله لا يعني تلقائيا مدح السلوك السياسي في غزة. صحيح أن غزة-الناس تشهد حالة إنسانية مريرة، تستوجب استنهاض الأمة للتخلّص منها، إلا أن غزة-السلطة هي قطب مناقض لرام الله-السلطة، وفي حالة صراع على مكاسب سلطوية يضيع الناس فيها تحت أقدام المتصارعين. وبالتالي فالحديث هنا، هو عن السياسة الرسمية في غزة ورام الله، لا عن المعاناة الإنسانية، التي لا خلاف على وجوب التحرك لإنهائها.
إذن، هذه الحالة الفلسطينية تتطلب وضع النقاط على الحروف فيما يتعلٌق بخريطتها الفصيلية (أو الفصائلية) وما يتعلّق بها من انشطار سلطويّ. والسؤال المطروح: هل يستطيع الإعلام أن يرى أن هنالك حالة سياسية عامة في فلسطين لا ترضخ لوضع الاصطفاف ولا لحالة الاستقطاب؟
صحيح أن اللغة تقتضي أن النقاط هي فقط على كلمة غزة، إلا أن الوعي السياسي، ومتابعة التطورات السياسية من منطلقات ثوابت رفض الاحتلال ووجوب تحرير الأرض، كل الأرض، تقتضي أن هنالك نقاطا سياسية رئيسية على سلطتي غزة ورام الله، يتوجب إبرازها دون اصطفاف مع جهة مقابل جهة. وهذا الكشف السياسي هو كشف للسلطتين لا الحركتين، ومن واجب الحركتين حينها أن تبقيا حالة التمايز، إن أحبتا أن تبقيا بعيدا عن المزالق السلطوية.
إن هذا الاستقطاب بين غزة ورام الله لا يمكن وصفه على أنه استقطاب بين حالة جهادية وحالة تفاوضية، ولا بين مشروع مقاومة ومشروع مساومة، إذ كلا السلطتين تفتح الباب لحالة اتصال مع المحتل سواء حول هدنة محددة بعشر سنوات (قل مئة سنة!)، أو حالة سلام دائم. ولدى كلا السلطتين رؤية للحل على أساس حل الدولتين، والنتيجة على أرض الواقع، إن تحققت أيّ من الرؤيتين، هي الاعتراف بالاحتلال. وكلا السلطتين تغازل المجتمع الدولي وتخطب ود اللاعبين الرسميين على المسرح الدولي لتعزيز حالة الاعتراف بسلطته، بالرغم من قناعة الطرفين بدور تلك الدول الكبرى في إنشاء دولة الاحتلال، وتسليحها ودعمها ومدها بشرايين الحياة، وبأن تلك الدول لا زالت على عهدها نحو دولة الاحتلال. وكلا السلطتين تتعامل بانفتاح وارتياح مع الأنظمة العربية التي تشترك في حصار فلسطين، وفي التخلّي عن دورها في تحرير فلسطين، بل وتتسابق رجالات السلطتين للحج إلى عواصم الأنظمة، والطواف حول قصورها الرئاسية. وكلا السلطتين تعيش حالة من الاستعطاء للأجنبي (أو الشحدة) في ظل انعدام مقومات الدولة.
إذن، فالصراع الحقيقي ليس بين علمانية وإسلام، ولا بين حق وجاهلية، ولا بين إمارة إسلامية وسلطة مدنية، وإلا لما كان التقى الفريقان في مكة، ولا تعانق الخصمان فيها، ولا تشاركا في حكومة وحدة وطنية، ولا أقسما على نفس الدستور (الوضعي!)، وأمام نفس الرئيس (الذي لا ينكر علمانيته)، ولا كان هنالك تفويض للرئيس بالتفاوض مع الاحتلال. بل الصراع هو حول مكتسبات سلطوية، لذلك يحرص الجميع على التذكير بتاريخه النضالي ليطلب ثمنه على كراسي السلطة، ولذلك أيضا تكون المحاصصة.
من الغريب أن ينساق السياسيون الرسميون والمحللون المتابعون إلى تقرير نهج المحاصصة، دون أن يقرع ذلك جرسا في الآذان الصاغية، إذ أنه مصطلح 'استثماري- نفعي'، لا مصطلح مقاومة وتحرير، فلا أحد يشترط أن يحصل على حصة من عمليات مقاومة، ولا حركة تحدد لحركة نصيبها من الشهداء، فساحة الصراع مفتوحة لمن يستعد للتضحية، لكن مقاعد المجلس التشريعي، ومكاتب الوزراء محدودة محصورة، وهي التي تستوجب الصراع!
ثم بعد كل ذلك، تحدثت بعض التقارير الصحافية، بسطحية واضحة، عن استعدادات لحسم عسكري في الضفة الغربية ! متناسية أن مدن الضفة وحاراتها مستباحة صباح مساء من قبل دوريات الاحتلال، فلا 'يتسلّط' أو يتآمّر على هذه الأرض إلا من يباركه ذلك الاحتلال. والأغرب من ذلك أن تعمل تلك التقارير على حشد جهات أخرى ضمن حالة الاستقطاب السلطوي، وأن توجه أصبع الاتهام مثلا إلى حزب التحرير على أنه اتفق مع حركة حماس على حسم عسكري ضد السلطة في رام الله، مع أنه لا يخفي مواقفه الرافضة لوجود سلطة أفرزتها اتفاقية أوسلو وأدامتها خارطة الطريق، التي استنهضت الحركات والفصائل إلى انتخابات تعيد الحياة إلى تلك السلطة التي كانت تحتضر. فمن يفقه شيئا من أمر السياسة لا يمكن أن ينظر بعين الاعتبار لمثل تلك الأخبار.
قد ينزعج بعض الأتباع من كلا الحركتين من هذه المكاشفة المؤلمة، وقد يتضايق بعض من يحاول 'أسلمة' الصورة السياسية في غزة، بل قد يتهم، إلا أن كل ذلك لا يغيّر الحقائق المحسوسة على الأرض، بغض النظر من يسطّرها. والعمل السياسي لا يكون لاسترضاء الناس والأصحاب، بل إن مبدئية المواقف السياسية أثمن وأكبر من مزاجية العلاقات ومكاسب استرضاء جهات إعلامية. لا شك أن محطة فضائية تتبع إحدى السلطتين، لن تفتح الباب لمثل هذه المكاشفة، وإن كانت قد فتحته عندما كان السياق يصب في خدمة حالة الاستقطاب، لكن إذا كانت فضائية الأقصى هي لسلطة غزة وفضائية فلسطين هي لسلطة رام الله، فلبقية الناس في فلسطين فضاء الأمة!
' استاذ مشارك ـ فلسطين
[/align]