القصة القصيرة فن أدبي يتوسل باللغة لها شكل مخصوص لا يستغرق أكثر من صفحات محدودة احتلت مساحة كبيرة من الاهتمام العام ( كصنف من الأصناف الأدبية المقروءة أو المسموعة ، فالقصة القصيرة فن أدبي مرن جداً ، حساس جداً ، وشديد التأثر بسائر أشكال التعبير، التي يتعايش معها، وسنرى أن حظها من البقاء ، ومقاومة عوامل الشيخوخة والنفي كبير جداً ، وأنها تملك قابليات للتجدد، والتكيّف مع الظروف والشروط الجديدة ومن ملامحها الأساسية :
- تفيد القصة القصيرة من سائر أشكال التعبير والمعرفة ، فهي تؤسس بعض فنيتها على منجزات العلوم، لاسيما الإنسانية منها، مثل علم الاجتماع وعلم النفس، والمنطق . وقد مكنها ذلك من توسيع آفاق تطورها ، وقدرتها على اصطياد الأعماق، بما فيها من كنوز والاحاطة بالشخصية والحدث والواقع احاطة شاملة ، واستطاعت كذلك أن تستخدم آليات رصد وعرض وبناء جديدة، مما جعلها تتخطى مرحلة القصة الكلاسيكية والنظام التقليدي لبنيتها
- والقصة القصيرة تفيد من المسرحية، الرواية، الرسائل، السيرة، الحكاية، الخبر ، "السيناريو" والصحافة بتنويعاتها التعبيرية.. ومن لغة الرسم والموسيقى، والشعر، وكل أشكال التعبير السائدة.
- إن طول القصة القصيرة، وزمن قراءتها، لا يأخذ من المستمع والقارئ إلا وقتاً قصيراً (من بضع دقائق.. حتى نصف ساعة تقريباً)، أي أقل من الزمن الذي تستغرقه مشاهدة حلقة من مسلسل تلفزيوني. هذه الميزة تتفوق بها القصة القصيرة على الرواية وسواها. كما يمكن أن تلقى على الأسماع، بينما لا يمكن للرواية أن تلقى في قاعة أو صالون أدبى ، بسبب طول المدة. والقصة القصيرة لها حظ أوفر في النشر والانتشار على صفحات الصحف اليومية والمجلات، لأنها لا تحتكر مساحة كبيرة، وهذا غير متاح للرواية، إلا استثناءً.. وعلى شكل حلقات. ونشر القصص القصيرة تقليد صحفي، قلما تهمله صحيفة أو مجلة سواء كانت سياسية إخبارية أو اجتماعية أو فنية.. أو حتى متخصصة، لأنها لا تأخذ سوى حيز صغير أولاً، ولأنها تلطف المجلة أو الصحيفة ولأن لها جمهورها ومتذوقيها. إن قصة تنشر في صحيفة يعني أنها تصل إلى جمهور عريض، لأن نسخ بعض الصحف قد تتجاوز عشرات بل ومئات الألوف. ولقد باتت مادة صحفية دائمة الحضور... كذلك يمكن القصةَ القصيرة أن تذاع، وهو ما يحدث في إذاعات عربية ودولية...
- إن المزايا المذكورة تجعل من القصة فناً لطيف المعشر، خفيف الظل. فالقارئ يستطيع أن يختار مكان وزمان قراءتها. بينما لا يملك هذا الخيار حيال مسلسل أو مسرحية لها مواعيدها وأمكنتها المحددة. القصة المنشورة في جريدة، مثلاً، يمكن المرءَ أن يقرأها ساعة يشاء وأنّى يشاء: في البيت: الحديقة العامة،المكتب أو مكان العمل. في وسائل المواصلات وفي أي مكان آخر، وفي أي وقت صباحاً.. ظهراً.. مساءً.. في منتصف الليل...الخ.. تلك الميزة تجعل العلاقة بين القصة القصيرة والقارئ... ودية.. استمرارية ، لأنها لا تثقل عليه، ولا تفرض عليه مكاناً ومواعيدَ وشروطاً للتواصل، ولا ترهقه ولا تزعجه. إنّها ليست ضيفاً ثقيلاً ومملاً.
- تتوجه القصة القصيرة بشكلها ومضمونها إلى الآخرين، لتلبي حاجة عندهم، ولتحقق غرضها لديهم، ومن أجل تحقيق هذه المعادلة، ونجاح وظيفتها، تستخدم القصة كل ما يتوافر لها من مقومات فنية، وأساليب تقنية فكرية وأدبية، للاستيلاء على القارئ والظفر به.
- إنك قد تدير ظهرك لحديث ممّل. ولكنك تنجذب لحكاية طريفة وشائقة. وقد تسمع موضوعا مرتين..من شخصين مختلفين، وبأسلوبين مختلفين أيضاً. فتجد أن تجاوبك ورد فعلك يختلفان بين الحالة الأولى والثانية، إذ تشعر بفشل العرض وبروده عند احدهما، بينما تشعر بنجاح وحيوية العرض عند الآخر. مع أن الفكرة هي نفسها... وهكذا القصة، تحقق النجاح ، وتفرض سلطتها على الآخرين بقدر ما تثير فيهم الفضول والإحساس بالجمال والطرافة في الشخصية والموقف، والمفاجآت المثيرة، والسياق الرشيق، الذي لا يتيح لعقل القارئ ووجدانه أن ينفرا كل إنسان يود مواجهة المواضيع والأحداث باختصار، وبإيجاز لا يخلّ بالمعنى. وتلك مسؤولية القصة القصيرة، أن تضعك دائماً أمام الجديد والطريف والجميل والمختصر... أمام منعطف تلو آخر، ومفاجأة تلو أخرى... وتأخذ بيدك، وبكل نعومة ولطف، في رحلتها الممتعة لاكتشاف الأسرار والمناطق المجهولة، والنتائج المحتملة لذلك يجب على القصة القصيرة أن تستحوذ على القارئ، وتغزو عقله وقلبه، وتثير ما لديه من رغبات واعجاب ، فينسى نفسه.. ويتبعها، ويستغرق في سياقها.. ليشبع ذائقته ويحقق منفعة خاصة به ، ويلبي فضوله، وحاجته لاستطلاع كل طريف وطارئ من حوله.
- وأهم فكرة يجب أن يتخذها القاص سنّة له، هي أن المعيار الفني للقصة وجد لخدمة القصة وتمكينها من الوصول بنجاح أكبر إلى الجمهور. إنك إذ تقص تستخدم كل ما من شأنه اجتذاب اهتمام، الآخر الذي تتوجه إليه بالقصة وشدّ انتباهه، فإذا فشلت.. فهذا يعني فشل أسلوبك، وفشل فنية قصتك.. والنتيجة هي خسارة الآخر ورفضه متابعتك. إن فنية القصة هي حلقة الوصل بين القاص والمتلقي، وعليها يتوقف نجاح أو فشل العلاقة إياها... وحتى ينجح القاص في تحقيق التوازن داخل تلك العلاقة -المعادلة. لابد أن يتمتع بالموهبة، ويتسلح بالثقافة والخبرة والتجربة، ويؤمن بأن المتلقي مؤشر حقيقي ملموس لنجاح أي قصة .
ويلاحظ تقصير واضح في مجال البحث الأدبي المتعلق بالقصة القصيرة على الرغم من قيمتها وأهميتها ودورها، ومكانتها الكبيرة بين الأجناس الأدبية الأخرى. ونحن نفتقر إلى تلك الدراسات والندوات والبحوث الجادة والكافية حول القصة القصيرة. تقع مسؤولية ذلك على الجميع: أدباءَ، نقاد اًو نتسائل عن السبب وراء ذلك هل مرده إلى كون القصة القصيرة هي ذلك الفن المتمرد؟ المتمرد على الناقد وعلى نفسه معاً؟!؟... ربما !!
ويمكن القول اجمالا : إن القصة القصيرة هي بنت العصر، وأؤكد أنها ستظل وبالقدر نفسه بنت المستقبل، وعادة راسخة من عاداته الثقافية الأدبية.. وإن التطور العاصف.. الذي لن يتوقف، سيظل يوفر المناخ الأفضل للقصة القصيرة، وسيمنحها المزيد من السلطة والنفوذ، ويوفر لها فرص تجديد شبابها، وزيادة حيويتها وتأثيرها في الحياة الفردية والاجتماعية. وهذا كله يدعو إلى التفاؤل، والاطمئنان على مستقبل القصة وريادتها الأدبية
( منقول بتصرف ) .