قصة قصيرة احتضار
بقلم /حسن غريب
************************************************** *
للمرة الأولى نجلس معاً ، غريبان ضمهما الوجود .. السنون التى مضت قيدتها الأحزان بالسلاسل .. لم يكن هناك ما نتحدث فيه .. الصمت هو الذى احتل الوقت بيننا واحتل المكان ، لم يبق مجال للبكاء .. عيناها المشعتان بضياء قديم انطفأتا حين أهطلت أمطار الروح ، للمرة الأولى نجلس معاً فى كوخ يبتعد فى المسافة أميالاً عن الهمس وعن الكلام المفخخ ، الكوخ فى الغابة ، والغابة واسعة كآفاق المستحيل نمت بالنسيان وبالحلم التائب على نار تشتعل فى قفص أخضر فتحرق كل شئ ، إلا القضبان .. الكوخ لجدى وجدى ليس لأحد .. للمرة الأولى وعلى إنفراد نجلس معاً ، تموت فينا الشهوة التى اشتعلت منذ طفولتنا .. الطفولة الضائعة فى رمل التعاسة .. كنا نهرب ونلتقى فى وادى النخيل أو فى الكوخ القديم ، وما أن نجلس حتى تداهمنا وجوه عرفناها وكرهناها .. فنقاد معاً أُجَلد أنا وتبكى هى .. غالباً ما كانت تمد يدها خلسة تلمس يدى وتبتسم وبعدها تبكى طويلاً .. كانت تبكى .. الوادى الذى جمعنا استطاع أن يقتلنا بكل فرح مسموم .. استطاعت أن تلقى علينا رداءها الأسود وتعلن الظلام الحب ، الشهوة وأشياء فى الماضى كنت أحسها ولكنى أجهلها سألت نفسى كثيراً لماذا هذه هناك الكثير لماذا هى ؟ حاولت التخلص من عبء الوهم ولكن الجرح كان يكبر ولا يلتئم . الجامعة إشراق فى غروب يتناهى إلى الأرض والبحر والأشياء المنفصلة عن الشمس .. الجامعة سرقتنى منها فى طرق المدن مشيت .. الغربة أنا والعزل أنا .. وكل أحلامى .. كانت تعود إلى الماضى فتروى عطشاً ذاقته سنيناً من المر ومازالت .. لماذ هى ؟ فى الجامعة آلاف الوجوه تقترب منى تحادثنى تعبث بأشيائى الصغيرة ولا شئ يتغير .. تبتعد الوجوه ينفر وأنا هنا ولست هنا .. الوطن الذى إبتدأ فى صدرى كبيراً أموت أنا ويعيش الوطن .. لماذا الموت لى فى وطن يحيا فىَّ .. الفتاة التى أحببتها هى بجانبى الآن .. وحيدان التقينا ولا شئ إلا الصمت يجمعنا .. العيون تسأل وتذهب بعيداً فى السؤال .. انظر إلى العينين الشمس تشع من ظلمة تفوح منهما رائحة الحزن والإحتراق والنار تلتهم أخشاب الروح . كل ما قالته كان مكتوباً عليها ألا تعيش حتى أوهام الفرح باتت دماً تُنزف من جرح القلب .. سنوات مرت وأنا فى الجامعة تزوجتْ هى من رجل مريض متعب أكلته السنون وعاثت به خراباً .. رأيته مرة واحدة .. بوجهه الأصفر .. بعينيه الجاحظتين ، وعنقه الطويل المرتخى .. كان يعلم بحبى لها .. ابتسم بامتعاض قاتلى .. رأيته مرة واحدة ولكن بعد أن قتلنى ما كنت لأفعل شيئاً كان برفقتها .. بكت عيناها بصمت وانفجر الحزن فى صدرى .. الحزن القديم كالأزل .. عندما لا يجد المرء ما يفعله يفكر فى أى شىء كان يشغله عن الفراغ ولو قليلاً .. زوجها مات ووادى النخيل الرث إنتحر على ضفتى بحر المدن .. الأمواج المذهلة والمثقلة بخطيئة الوقت غيرت وجه الأجداد وغسلت أنامل الجسد .. وبقى القلب متسخاً .. أعادنى الحلم للبيادر وللشجر الحزين أبداً .. يخطو إلى سارية الثمار وأنا أى ثمار أمشى اليها .. لم تغادرنى الطفولة .. الليل يسكن فى دمى ، والتناقض يعيشنى .. بلهاء هى الثوانى وتحتجزنى .. هنا بيتها ينتصب فى وجهى .. بعيداًعن التفكير .. أطرق نافذتها .. طفلة فى حدائق اللاشىء تشع علىَّ بعينيها الصغيرتين الدافئتين ..تهمس عبر الزجاج الفاصل بين العدم والعودة .. الزجاج ينكسر فى لغة الدهشة واقتلاعى من مرامى .. أمضى بغير صمت وبكل إنكسارى .. ألتفت إلى الزجاج .. عينين من الماضى بحزن يكتمن فى كل شىء تلاحقنى . أعود .. تفتح النافذة .. تهمس .. إنها طفلتى .. وأنت.. أنت ماذا ؟ أما زلت طفلتى ؟ لا أعلم أريدك .. الآن تنهض من رمادك .. لا تباً للزمن الذى " نحن الزمن " إذاً تباً لنا .. ولكن المهم .. المهم أن يعد .. متأخراً جداً .أنا لكِ ..لنحتضر معاً غداً فى آخر شاطىء وادى النخيل أنتظرك . لا شىء يقيدنا الآن .. لا شىء .. وتغلق شباكها وأنسل فى الليل .. جسدى بارد يقتلنى .. هذا الزمان ليس لى .. وحيداً أمضيت حياتى وحيداً أصارع موتى .. وأنتظر فى آخر الوادى أنكسار النعش البشرى .. وصعود الكدر اى الحُسن المكفن بالخوف .. ألمح جسدها يقبل بتساقط أعضائه .. عضواً عضواً .. حتى القلب ارتمى امام القدمين .. فداسته بلا خشية .. تقترب .. أمسك يديها .. تفلتها .. لماذا فى الماضى لم يكن ليلنا أسود .. أمشى هى بجانبى صماء .. بكماء .. لاتنظر لشىء .. غريبة جاءت من زمن ، وماتت فى زمنه .. تسأل إلى أين ؟ إلى كوخ جدى فى الغابة ( الكوخ . الغابة . جدك ) نعم الماضى . هل أنت بخير ؟ ( الخير .. الشر .. أنا أنت الماضى ) .وفى الكوخ نجلس معاً وحيدين .. الجسدان خُرقُُ بالية ، والعيون المسمرة فى الجمر .. كل شىء يشتعل .. إلا نحن باردين كنا .. صامتين .. مهزومين *
تمت