الرحمن الرحيم
سمات الأمة الراقية
وصلت هذه الأمة ،التي ننتمي إليها، إلى الدرك الأسفل من الانحطاط ، و الأدلة على ذلك كثيرة إذ يلاحظ مثلا أنها ركوبة سهلة لكل عصابة حكم ترتهن مقدراتها و تبيعها في سوق النخاسة الدولية، كذلك فإنها تنقاد وراء الشعارات الفارغة و الأوهام الكاذبة ويمكن خداعها ببضعة تصريحات أو مواقف ، و هي منشغلة بالسخافات و تتبدد ثرواتها في التفاهات، و تسود فيها الأنانية و الانتهازية و اللامبالاة و بيع الأنفس مقابل أثمان بخسة .
هذا الواقع الفاسد يجب تغييره ولو كلف ذلك تضحيات. من قصر النظر ، إيثار السلامة الفردية عند رؤية طوفان الهلاك القادم لإغراق الجميع . إذا كان السير في عملية الارتقاء بالنسبة لبعض الأمم لا يعدو أن يكون سعيا للحصول على حياة أفضل ، فالأمر بالنسبة لنا هو سعي للإبقاء على الحياة لان البديل هو الفناء المحقق .
يخطئ من يظن أن الأمة ترتقي من خلال اكتساب الأموال ، فالحماقات الموجودة كفيلة بضياعها في بؤرة المطامع و الشهوات الذاتية . من الوهم الاعتقاد بأن الجامعات هي موضع الأمل لقيادة عملية الارتقاء لأنها في واقع تكوينها مسيرة من مراكز قوى تابعة لنفس الجهات التي تعمل على ضرب توجهات التقدم الحقيقي لهذه الأمة . لا يكون الرقي نتيجة لتشييد المصانع و العمارات و المستشفيات و المتنزهات و ما شابه ذلك فهذه تحصل عليها الأمة بجدارة و تحافظ عليها بعد الارتقاء و تفرغها من مضمونها و قد تهدمها وهي في وضعية الانحطاط .
القاعدة الأساسية في رقي الأمة هي وجود تجانس و انسجام في الأفكار و المشاعر و الأنظمة و بضبط العلاقات و السلوك الجماعي بحسب ذلك و على ضوء رسالة سامية تغرس القيم الرفيعة و المثل العليا . وجود هذه القاعدة ، إلى جانب السيادة و حرية الإرادة ، يولد الأمة التي تتجلى فيها السمات الراقية والتي ينبغي أن تكون موضع بحث أوسع لدى الكتلة حتى يكون هنالك تصور دقيق للوضع المراد نقل الأمة إليه .
إن الأمة الراقية تمتلك القدرة على التمييز بين معسول الكلام و صدقه ، و تحاول كل جماعة فيها العمل على دفع عجلة الارتقاء إلى الأمام ، و تبذل كل فئة فيها جهدها من أجل المحافظة على المكاسب و الإنجازات ، و يقوم المخلصون فيها بمنع المخربين من إشباع رغباتهم و بتدجين الجامحين و بتقليم أظافر المنافقين و بقطع الطريق على المتسلقين الوصوليين .
تكون الأمة الراقية خلية نحل تتوجه فيها الطاقات إلى البناء و العبقريات إلى الابتكار ، و يتنافس الناس بقدح زناد الأفكار في الإصلاح و بنخالة مخزون الرأي في التقدم ، و تعمل الصفوة على إحباط جميع محاولات الإفساد و بث الفرقة و النزاعات ، و يقوم الكل بتجميع القوى لاحتمالات مكافحة الخصوم المتربصين .
تحاسب الأمة الحاكم بمنتهى الجرأة و لا تتردد في عزله إذا ثبت انحرافه عن الجادة السليمة و الدرب القويم (لا يجوز التضليل و اختلاق الذرائع مثل عدم إثارة الفتنة أو عدم وضع النفس في خانة الناكث لأمير تاريخي). الأصل في الأمة الراقية أن لا تداهن الحكام الظالمين و أن لا تعبأ بما لديهم من أجهزة قمعية لإدراكها أن التخاذل و الاستخذاء يجلب المزيد من الضربات الأشد إيلاما . هذه الأمة تعلم أن الحياة الكريمة لا تكون لمن يرضى بالدون و الصغائر ، ولذلك فهي لا تقنع بما هو أدنى من النجوم في أمور العزة و التفوق و التميز .
ليس من السهل أن يتولى زمام قيادة الأمة الراقية رويبضة أو فاقد إرادة أو عميل مدسوس أو جاهل يدعي الوعي زورا ، لان هذه الأمة تمنح قيادتها لخيرة الأبناء (لا الأدعياء) الملتزمين بمبدأ الأمة و المتحلين بأنبل صفات الاخلاص الخالص و المبرهنين على امتلاكهم كفاءة و قدرة حقيقية على القيادة بغض النظر عن لونهم ومن أي بلد ينحدرون والى أي أسرة ينتسبون (كان كبار الصحابة رضوان الله عليهم جنودا راضين تحت إمرة زيد بن حارثة وهو عبد أسود دميم الشكل غليظ الشفاه بحسب الروايات . لكن زيدا كان الحب بن الحب – أي الحبيب بن الحبيب – بوصف رسول الله صلى الله عليه و سلم ). هذه السمة الأخيرة هي من أهم السمات لامة راقية اختارت ما يوصلها إلى دروب معالي العلى ، إذ لا تفلح الأسود الهصورة لو أسلمت قيادتها لأرنب أو حمار .
منقول